الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • دولیات
  • الثقاقه و المجتمع
  • مقالات و المقابلات
  • الریاضه و السیاحه
  • عربیات
  • منوعات
العدد سبعة آلاف ومائتان وثلاثة وأربعون - ٢٤ مايو ٢٠٢٣
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد سبعة آلاف ومائتان وثلاثة وأربعون - ٢٤ مايو ٢٠٢٣ - الصفحة ٥

قراءة في رسوم أطفال الحجارة (1)

خلال الأيّام الأولى لـ "انتفاضة الحجارة"، أمرت السلطات الاستعمارية الصهيونية بإقفال كافّة مدارس الضفّة الغربيّة وغزّة، اعتقاداً منها أنّ الطلاب الفلسطينيين يستخدمون التجهيزات المدرسيّة لشنّ ما سوف يغدو حركة شعبيّة عارمة ضد الاستعمار الصهيوني. اندلعت الحركة في أوساط لاجئي المخيّمات وغذّتها مخيّلة لا يتمتّع بها إلّا تلامذة المدارس، وسرعان ما شملت جميع سكّان الأراضي المحتلّة.
بالنسبة لأطفال تشبّعوا بتقاليد أرضهم وحكاياتها، لم تكن تلك المرّة الأولى التي يسمعون فيها رجالاً في السلطة يوجّهون أصابع الاتّهام إلى طفل لا يخاف، مصمّم على تحرير شعبه من الإضطهاد. وبالفعل، نزل أطفال وصبية إلى أزقّة الأحياء يحملون الحجر والمقلاع، ويتحدّون جيشاً من الرجال المجهّزين بأحدث الأسلحة وأكثرها تطوّراً.
في وقت كانت فيه المدارس مقفلة، ومنع التجوّل مفروض في صورة شبه دائمة، خطر في بالي هذا السؤال: لو أُتِيحَ لهؤلاء الأطفال أن يعبّروا عن أنفسهم بحرّيّة على الورق، فماذا تراهم يُصوّرون؟ لو أنّ اليد الصغيرة التي تتجرّأ على رفع الحجر في وجه جنديّ محاصر يستخدم الذخيرة الحيّة، أُعْطِيَتْ قلماً، أو طبشورة، أو فرشاة، فكيف سوف "تواجه" الورق لتعيد بناء العالم الذي يبتدعه الجيل الجديد من الفلسطينيّين؟ تلك هي الأسئلة التي رحت أطرحها على الأصدقاء الذين زاروني من الضفّة الغربيّة وغزّة. في غضون أسابيع، انهال عليّ فيض من الأعمال الفنّيّة التي وصلت بالبريد من أطفال أصدقائي وأطفال جيرانهم. وكان الوقت الذي أمضيته في "قراءة" تلك الرسوم وفكّ رموز العناوين، الأسماء، الأعمار، التواريخ، تربية كاملة بذاتها.
الريف، الاستعمار، الحلم
تنمّ الأعمال الفنّيّة التي رسمها بين شهري شباط/فبراير، وآذار/مارس 1988، أطفال وصبية تتراوح أعمارهم بين الرابعة والرابعة عشرة، رُبِّي معظمهم في مخيّمات اللاجئين، تنمّ عن هموم تتجاوز الأحداث اليوميّة المباشرة. والحقّ أنّ الرسوم تستكشف ثلاثة ميادين من الواقع الفلسطيني، تتأمّل المجموعة الأولى في المورورث من حياة الريف التقليديّة، وفي مناظر أرض الأجداد وهي في ريعان وجودها. فيما تعبّر المجموعة الثانية عن تجربة الحياة اليوميّة تحت الاستعمار، لتشكّل شهادة على كرامة وصمود شعب، ومقاومته التي لا تلين في وجه الاضطهاد. أمّا المجموعة الثالثة فتتكوّن من رسوم تؤكّد الثقة والإيمان باستمراريّة الحلم الجماعي، تقرنه برؤيا السلام لم يشاهده هؤلاء الأطفال قطّ.
تتميّز الصور في المجموعات الثلاث بالجهد المذهل الذي بذله الطفل أو الطفلة، لتقديم وجهة نظر شاملة عن موضوعه. فإذا بالطفل الذي أثبت أنّه لم يكن مجرّد مراقب كسول إزاء الأحداث في أزقّة القرية أو الحيّ، يبدو هنا أشبه بإله يشرف على العالم المرئيّ بأكمله، ويعيد صياغته على صورته ومثاله، متجاوزاً بالضرورة كلّ الحدود المكانيّة والزمانيّة من أجل إيصال الرسالة المرجوّة.
هذه فتاة في الثامنة من العمر تراقب لحظة من لحظات عالمها الخارجي، وتروي لنا تجربتها الداخليّة في آنٍ معاً، بلوحة عنوانها: "غاز مسيّل للدموع في عيني". فقد انفجرت ثلاث قنابل مسيلة للدموع للتوّ حول الفتاة، فيما ثلاثة صبية يقودون تظاهرة على مسافة منها لا يعيرونها أيّ اهتمام. كما أنّ الصبية لا عيون لهم ترى الفتاة، فتغطّي الفتاة، التي ترتدي للمناسبة ثوباً مصنوعاً من علم فلسطينيّ، عينيها فلا ترى زملاءها الثلاثة؛ هي تقف وحيدة وسط هذا العالم المتلظّي، تواجهنا كأنّنا نحن مرآتها، وتريد أن تتأكّد من أنّنا نشاهد كيف أنّ الغاز المسيّل للدموع يحرق لها عينيها.
يتبع...

 

البحث
الأرشيف التاريخي