الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • دولیات
  • الثقاقه و المجتمع
  • مقالات و المقابلات
  • الریاضه و السیاحه
  • عربیات
  • منوعات
العدد سبعة آلاف ومائتان وأربعة وعشرون - ٠١ مايو ٢٠٢٣
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد سبعة آلاف ومائتان وأربعة وعشرون - ٠١ مايو ٢٠٢٣ - الصفحة ۸

إفطار إيراني في قلب القاهرة..

هل يفتح باباً في جدار القطيعة بين مصر وإيران؟

إلهامي المليجي
كاتب ومفكر اسلامي
بعض اللحظات فرص وبعض الفرص مفترق طريق، ومسار التاريخ تحدده القدرة على اقتناص الفرص في التوقيت المناسب، وهذه القدرة يحدِّدها من لديه القدرة على قراءة خريطة الأحداث في لحظة سيولة، وهي سيولة سوف تتجمد في لحظة تالية، لحظة يتشكل فيها نظام عالمي مختلف عن الراهن، والذكي هو الذي يحجز مقعده من الآن.
أقول ذلك لمناسبة جرت في الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك، كنت قد أحجمت عن تلبية دعوات الإفطار في شهر رمضان منذ عدة سنوات، لكنني توقفت كثيرًا أمام دعوة من السفير محمد حسين سلطاني، رئيس مكتب رعاية المصالح  الإيرانية في مصر، وبعد تردد لم يطل كثيرًا رددت مجيبًا بقبول الدعوة. دوافع عدة، كانت وراء تلبية الدعوة، بعضها شخصي، يتعلق بشغفي بالتاريخ العريق، من الثقافات والإمبراطوريات التي تمثلها إيران، ولأن الدعوة تأتي احتفالًا بيوم القدس العالمي، فلا يمكن رفضها، وأنا الذي أضع القضية الفلسطينية على رأس أولوياتي، وترجمت الأمر عمليًا بالالتحاق بصفوف المقاومة الفلسطينية في بيروت ودمشق، لعقد من الزمان من شرخ شبابي، ولأنني مهتم بالشأن الإيراني منذ اندلاع الثورة في العام 1979. وملف العلاقات المصرية الإيرانية يقع ضمن أولويات اهتماماتي، حتى إنني تناولته في أكثر من مقال في صحف ومواقع مصرية وعربية، وتناقلت بعضها مواقع إيرانية، ما دفعني للتعرف عن قرب على القائم بالأعمال الإيراني الجديد، والوقوف على رؤيته للعلاقات المصرية الإيرانية، وتوقعاته للمدى الزمني المنتظر لرفع مستوى التمثيل بين البلدين.  لفتني التنظيم الجيد للحدث، وكذلك حجم الحضور الواسع نسبيًا، بالمقارنة مع السنوات الماضية، حتى إن أحد الأصدقاء من معتادي المشاركة في الفعاليات الإيرانية، على مدار العقدين المنصرمين، أبلغني أن حضور هذا الإفطار هو الأكبر لفعالية إيرانية في مصر، على مدار العقدين، يستثنى من ذلك عاما السيولة اللذان مرت بهما مصر، جراء أحداث يناير2011، حيث كانت المشاركة المصرية في الفعاليات الإيرانية واسعة، خاصة من القوى السياسية وبعض الحركات الصوفية. تميز الحضور في إفطار يوم القدس هذا العام بالتنوع،  ما بين نخب مصرية في غالبها من الكوادر السياسية من التيار الناصري، وآخرين ممن ينحازون للسياسة الإيرانية، وخاصة ما يتعلق بالموقف الداعم للقضية الفلسطينية، وبعض من الكتاب المعنيين بالشأن الإيراني، في مقدمتهم الكاتب الكبير فهمي هويدي، والدكتور محمد السعيد إدريس، المستشار بمركز الدراسات الإستراتيجية في الأهرام، والمتخصص في الشأن الإيراني وآخرون.    شارك أيضًا بالحضور سفراء كل من فنزويلا، وكوبا، وبنجلاديش، ونائب سفير السعودية، ومدير مكتب الأونروا، ومندوبون عن مشيخة الأزهر، ولم يتسنّ لنا معرفة إذا كان هناك مندوب عن الخارجية المصرية أو أي من المسؤولين المصريين.
كلمة السفير محمد حسين سلطاني التي جاءت عقب الإفطار تناولت ذكرى يوم القدس، وكيف أن هدف الإمام الخميني (قدس سره)، من تدشين "يوم القدس العالمي" هو إعادة البوصلة نحو اتجاهها الصحيح، وهى رسالة محبة، ودعوة للاتحاد بين الشعوب الإسلامية، ونبذ الخلافات والتركيز على الهدف الأساسي، بل دعوة أيضًا لجميع الأحرار في العالم لنجدة الشعب الفلسطيني المظلوم والانتصار لقضيته، هي دعوة متجددة في أفضل الأشهر، وهو شهر رمضان المبارك.
واعتبر السفير أن التطورات الأخيرة في المنطقة، تشير إلى أن الدول والشعوب بدأت في تحديد سياستها، وخط سيرها منفصلة عن أمريكا التي سلبت الشعوب حقها في الاستقلال والتقدم، عبر فرض العقوبات الظالمة والمجحفة، مثلما حدث فى إيران وروسيا وفنزويلا.  انتهى الإفطار، وبدأت الحوارات الثنائية، وكانت في أغلبها تتناول الانفراجة في العلاقات السعودية الإيرانية، وانعكاسها على الملفات الساخنة في المنطقة، وخاصة في الملفين: اليمني والسوري، ما يطرح السؤال الكبير الحائر: متى يتم هدم جدار القطيعة بين مصر وإيران، وكيف أن عودة العلاقات المصرية الإيرانية ستصب في صالح البلدين الكبيرين العريقين، اللذين تمتد جذور علاقتهما إلى أعماق التاريخ، وتجمعهما روابط ثقافية ودينية وحتى اجتماعية، واتفق كثير من الحضور على أن هدم جدار القطيعة الذي تم تشييده منذ ما يزيد على أربعة عقود، سيعود بالنفع على البلدين، ويسهم بشكل كبير في ترسيخ وتعظيم مكانتهما في الإقليم، ويمكِّنهما من الإسهام بدور مهم وفعال في حل كثير من قضايا المنطقة، خاصة القضايا المتلازمة: السورية والفلسطينية واليمنية واللبنانية.
ويمكن للبلدين، إذا ما تعاونا، أن يشكلا رقمًا مهمًا، في لحظة التحول التاريخية التي يمرّ بها العالم؛ والتي قد تفضي إلى عالم متعدد القطبية يتشكل على أنقاض العالم أحادي القطبية الذي يجثم على صدورنا منذ ما يزيد على ثلاثة عقود.
فإيران تحتل مكانة جيوسياسية، وموقعًا إستراتيجيًا مهمًا في الإقليم، بحكم موقعها الجغرافي المهم في منطقة الخليج الفارسي، وتحتل موقعًا إستراتيجيًا في "طريق الحرير"، فضلًا عن كونها قوة اقتصادية هائلة، تمتلك موارد ضخمة من النفط والغاز، ويمكن أن تمثل سوقًا كبيرة للبضائع والمنتجات المصرية، وموردًا سياحيًا مهمًا لمصر، خاصة في مجال السياحة الدينية؛ حيث مزارات أهل البيت (ع) في القاهرة الفاطمية. كما أن مصر تملك اقتصادًا أثبت قدرته على الصمود في مواجهة أزمة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، مدعومًا بالإصلاحات الاقتصادية الطموحة طيلة السنوات التي سبقت الأزمة. وشهدت مصر في السنوات الأخيرة تطورًا هائلًا في مجال البنية التحتية، من محور قناة السويس، إلى العاصمة الإدارية والمدن الذكية، إلى شبكة طرق ضخمة، وشهدت أيضًا تطورًا كبيرًا في وسائط المواصلات، ما ستكون له انعكاسات إيجابية ضخمة على الاقتصاد في المدى المنظور. كذلك، فإن مصر تحتل مكانة عظمى في محيطيها العربي والإسلامي، والمدارين الإفريقي والمتوسطي، ما يعزِّز من مكانتها الجيوسياسية، ويجعل منها ركيزة أساسية لأمن واستقرار المنطقة. إن المصالح الإستراتيجية لكل من مصر وإيران، تستوجب السعي الحثيث للإمساك بالفرصة التاريخية الراهنة، والعمل على تجاوز العقبات التي تحول دون تطبيع العلاقات بينهما، والبدء في فتح صفحة من التعاون لصالح البلدين العريقين اللذين تربطهما وشائج تاريخية وثقافية واجتماعية. فهل يمكن أن نرى جسورًا مفتوحة بين القاهرة وطهران في هذه اللحظة المواتية؟

 

 

البحث
الأرشيف التاريخي