الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • الثبات من أجل إيران
  • منوعات
العدد تسعة آلاف ومائة وخمسة وثلاثون - ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد تسعة آلاف ومائة وخمسة وثلاثون - ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

معاونة رئيس الجمهورية لشؤون المرأة والأسرة، في حوار مع صحيفة «إيران»:

«التماسك الوطني» نتاج العدالة والمشاركة والشعور بالانتماء

تُعدّ المرأة إحدى أهم حلقات الوصل بين الأسرة والمجتمع، وتضطلع بدور حاسم ومفصلي في بناء الثقة والتعاطف والرأسمال الاجتماعي؛ وهو دور يمتد من تربية الأجيال وتعزيز الروابط الأسرية، وصولاً إلى المشاركة الفاعلة في الأنشطة الثقافية والاجتماعية والخيرية، بما يسهم في ترسيخ قدرة المجتمع على الصمود وتعزيز تماسكه الداخلي. وتؤكد الأبحاث والدراسات العلمية على الارتباط الوثيق بين مشاركة المرأة ورأسمالها الاجتماعي من جهة، وبين التمكين والاستدامة المجتمعية من جهة أخرى. في هذا الحوار، تستعرض معاونة رئيس الجمهورية لشؤون المرأة والأسرة «زهراء بهروز آذر» الإجراءات التي اتخذتها المعاونية خلال فترتي الحربين المفروضتين الثانية والثالثة، مؤكدة أن الرصد المستمر لأوضاع النساء والأسر، والتنسيق الوثيق بين الأجهزة المسؤولة، والاهتمام بالصحة النفسية، ومتابعة الملفات المعيشية والمهنية للنساء المتضررات؛ كانت من أبرز أولويات المعاونية خلال تلك المرحلة. كما تشير «بهروز آذر» إلى أن التماسك الوطني هو وليد العدالة والمشاركة وتعميق الشعور بالانتماء، مبينة أن المجتمع يحافظ على تماسكه واستقراره حين يشعر المواطنون -رغم تباين وجهات نظرهم، وأنماط عيشهم، وقومياتهم، ومذاهبهم، ومواقعهم الاجتماعية- بأنهم محط اهتمام، وأن لهم صوتاً مسموعاً وحصة حقيقية في رسم مستقبل البلاد.

ما هي أبرز الإجراءات التي اتخذتها معاونية شؤون المرأة والأسرة إبان الحربين المفروضتين الثانية والثالثة؟
كانت الأولوية القصوى للمعاونية خلال أيام الحرب تتركز في الرصد الدائم والحي لأوضاع النساء والأسر، وتحقيق التنسيق والتكامل بين الأجهزة المعنية، وإيلاء اهتمام بالغ بملف الصحة النفسية، إلى جانب المتابعة الميدانية والعملية للقضايا المعيشية والمهنية للنساء المتضررات. ففي الحرب المفروضة الثانية، لعبت النساء دوراً فعالاً ومؤثراً للغاية في مجالات الإغاثة، والطبابة والعلاج، والإنتاج، وتوزيع السلع الأساسية، والتعليم، والإعلام، واستدامة تقديم الخدمات العامة للمواطنين. وبذلت المعاونية قصارى جهدها لتسليط الضوء على هذا الدور الريادي، ونقل ومتابعة مشكلات الأسر المتضررة والنساء العاملات في الخطوط الأمامية لتقديم الخدمات عبر المؤسسات المختصة.
أمّا خلال الحرب المفروضة الثالثة، فقد عُقدت اجتماعات تخصصية وتنسيقية بين مختلف الأجهزة الحكومية والمعنية لدراسة قضايا المرأة والأسرة بصورة معمقة. وجرى تقييم حالة الصحة والسلامة النفسية للأسر المتضررة بحضور أساتذة علم النفس والمستشارين وممثلي الأجهزة التنفيذية، مع التأكيد الصارم على تصميم وتوفير خدمات استشارية ودعم نفسي تخصصي. كما قمنا بزيارات ميدانية للقاء العائلات المتضررة ونقل همومهم ومشاكلهم مباشرة إلى المراجع والجهات المسؤولة.
وكان من أبرز الملفات التي واجهناها تداعيات الحرب على توظيف وعمل النساء؛ إذ تشير الإحصاءات المسجلة إلى أن نحو ثلث طلبات الحصول على إعانات التأمين ضد البطالة خلال أيام الحرب المفروضة الثالثة كانت مقدمة من النساء، وهو رقم لافت وذو دلالة بالغة، لاسيّما إذا ما أخذنا في الاعتبار تدني النسبة الإجمالية لمشاركة النساء في قطاع التوظيف والعمل الرسمي. ولهذا السبب تحديداً، أُدرج بند دعم تشغيل النساء والشركات والأنشطة التجارية المتضررة ضمن صلب برامج ومشاريع مرحلة ما بعد الحرب. علاوة على ذلك، وظفت المعاونية كافة الطاقات والقدرات والمنصات الدولية لعكس وتوثيق آثار الحرب على النساء والأطفال، مع التركيز على التوثيق الحقوقي للانتهاكات والأضرار والدفاع عن حقوق الأسر المتأثرة بالحرب. إن عملية إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب لا يمكن بحال من الأحوال حصرها في إعادة البناء المادي والهندسي للخراب والدمار، بل لابدّ أن يتزامن ذلك مع إيلاء الاهتمام الكامل للصحة النفسية، وتحسين المعيشة، وتأمين فرص العمل، وإعادة بناء ثقة المتضررين.
كيف تُعرّفون دور معاونية شؤون المرأة والأسرة في تعزيز التماسك والانسجام الوطني؟
التماسك الوطني هو نتاج خالص للعدالة، والمشاركة، وتوليد الشعور بالانتماء. فالمجتمع يظل متماسكاً وقوياً عندما يشعر أفراده -على اختلاف رؤاهم وأنماط حياتهم وقومياتهم ومذاهبهم ومواقعهم الطبقية والاجتماعية- بأنهم مرئيون، وأن أصواتهم مسموعة، ولديهم مساحة وشراكة في صناعة غد البلاد ومستقبلها. ومن هذا المنطلق، فإن معاونية شؤون المرأة والأسرة لا تمثل مجرد جهاز قطاعي معني بفئة معينة من المجتمع؛ ذلك أن قضايا المرأة والأسرة ترتبط ارتباطاً عضوياً بالثقة العامة، والرأسمال الاجتماعي، واستقرار واستدامة البنية المجتمعية.
تتمثل إحدى أهم مهامنا في الرصد المستمر والشامل لواقع المرأة والأسرة في قطاعات حيوية كالتعليم، والصحة، والتوظيف، والدخل، والأمن الاجتماعي، والحضور في مواقع صنع القرار. إن التخطيط ووضع السياسات بمعزل عن البيانات الدقيقة قد يؤدي إلى إهدار الموارد وتوجيهها بعيداً عن الاحتياجات الحقيقية، الأمر الذي يعمق الشعور بالتمييز وانعدام المساواة. فالبيانات الإحصائية هي التي ترشدنا إلى مواضع الفجوات وتحدد في أي المحافظات أو الفئات العمرية أو الشرائح الاجتماعية تتسع هذه الهوة لنقوم بالتدخل والمعالجة المطلوبة.
وبالتوازي مع هذا النهج المعتمد على البيانات، يقع على عاتق المعاونية واجب إيصال صوت النساء والأسر إلى غرف صنع السياسات، وتوفير أرضية حقيقية لمشاركتهن في إيجاد الحلول لمشكلات البلاد. نحن نؤمن تماماً بأن الصدق مع الشعب، والإنصات للمجتمع، وتكريس مبدأ المحاسبة والمسؤولية هي الركائز التي تصنع الثقة، ومن رحم هذه الثقة يتولد التكاتف والتلاحم والانسجام الاجتماعي.
ما هو دور ووظيفة النساء والأسر في المرحلة الراهنة لتقليص الفجوات الاجتماعية وتعزيز التعاطف والتضامن الوطني؟
في مراحل الحرب وما بعدها، لا تعني إعادة بناء الوطن مجرد ترميم البنى التحتية والمباني المهدمة؛ بل إن الثقة، والأمن النفسي، والأمل الاجتماعي هي أمور بحاجة ماسة لإعادة الإعمار والترميم أيضاً. وتؤدي النساء والأسر دوراً محورياً في هذه العملية عبر ثلاثة مستويات متكاملة: مستوى الأسرة، والمجتمع المحلي، والمجال العام.
تعتبر الأسرة النواة الأولى والبيئة الأسرع التي تتجلى فيها مشاعر القلق، والفقدان، والضغوط المعيشية والاقتصادية، وتباين الآراء. ومن خلال فتح باب الحوار بين الأجيال، والعناية بالسلامة النفسية للأطفال، والتدريب على تمييز الأخبار الحقيقية من الشائعات، ونبذ إنتاج وترويج مشاعر الكراهية، وتوفير الحماية للفئات الأكثر هشاشة، تتحول الأسرة إلى مؤسسة ديناميكية وفاعلة في مسار إعادة البناء الاجتماعي. كما تمتلك النساء في المدارس والجامعات، وبيئات العمل، والمساجد، والمنظمات الأهلية والمدنية، والشبكات المحلية؛ قدرة فائقة على الربط والتشبيك الاجتماعي. تستطيع المرأة تحويل التضامن الرمزي والشعارات إلى تعاون ومساندة عملية على أرض الواقع؛ بدءاً من مؤازرة الأسر المتضررة وكفالة الأطفال ورعاية كبار السن، وصولاً إلى بناء شبكات التكافل المحلي ونقل وتوثيق التجارب والقصص الملهمة الباعثة على الأمل.
ورغم ذلك، يجب الحذر من تقزيم دور المرأة وحصره في الجوانب الرمزية أو وظائف الرعاية فقط، أو تحميلها مسؤولية الحفاظ على المجتمع من جانب واحد وبشكل غير متكافئ. ينبغي للمرأة -إلى جانب وجودها في ميادين الخدمة والرعاية- أن تشارك بفاعلية في دوائر صنع القرار، والتخطيط، والإغاثة، وإعادة الإعمار الاقتصادي. إن التماسك الوطني مسؤولية تضامنية مشتركة تقع على عاتق النساء والرجال، والشعب والحكومة على حد سواء.
لكيلا يبقى التماسك الوطني مجرد شعار، ما هي الخطط والبرامج العملية التي تتابعها المعاونية على صعيد الأسرة والمجتمع؟
يجب أن يكون التماسك الوطني أمراً محسوساً وملموساً في التفاصيل الحياتية واليومية للمواطنين؛ فالأسرة التي تعاني من انعدام الأمان الاقتصادي، أو العنف، أو التمييز، أو الحرمان من الخدمات الاجتماعية الأساسية، لن تصل إلى السكينة والتكاتف بمجرد تقديم النصائح والمواعظ الأخلاقية. ولهذا، ترتكز برامج المعاونية على أربعة محاور رئيسية:
•  المحور الأول: وضع السياسات استناداً إلى البيانات الدقيقة ومؤشرات العدالة الاجتماعية؛ حيث نعمل على تشخيص الفجوات القائمة في مجالات التعليم، والصحة، والتوظيف، والوصول إلى الخدمات على مستوى المحافظات، بما يتيح صياغة برامج تتناسب طردياً مع الاحتياجات الفعلية لكل منطقة.
•  المحور الثاني: التمكين الاقتصادي للنساء، لاسيّما المعيلات لأسرهن والنساء القاطنات في المناطق الأقل حظاً ونمواً؛ إذ يسهم ردم الفجوة الاقتصادية بشكل مباشر في خفض مشاعر التمييز ورفع منسوب الثقة المجتمعية.
•   المحور الثالث: تعزيز وتطوير الخدمات الاستشارية، والصحة النفسية، والوقاية من العنف، والتدريب على مهارات الحوار وحل النزاعات، وتعزيز التربية والثقافة الإعلامية داخل المحيط الأسري.
• المحور الرابع: رفع معدلات مشاركة النساء في الإدارة المحلية، والمؤسسات المدنية، وعمليات صنع القرار.
إن الدورة الاستراتيجية التي نتبناها تبدأ بتشخيص الفجوة، وتمر بالحوار والتفاعل مع مختلف أطياف النساء، وتفضي إلى تعديل السياسات وإشراك المجتمع المدني في التنفيذ، وتُتوج في نهاية المطاف بتقديم تقارير شفافة ومعلنة لعموم أبناء الشعب.
كيف يمكن توظيف طاقات النساء في الأحياء السكنية والمدارس والجامعات والمنظمات المدنية لزيادة التلاحم والتكافل الاجتماعي؟
يُعتبر «الحي السكني» أحد أهم البيئات القاعدية لإعادة بناء وترميم الثقة الاجتماعية؛ إذ تمتلك الناشطات في الأحياء، والمعلمات، والطبيبات، والأستاذات، والطالبات، ورائدات الأعمال، والفاعلات الاجتماعيات، القدرة على تشخيص مشكلات وتحديات كل منطقة بدقة متناهية، وبناء شبكات تضامن وتعاون محلي لحلها. ففي المدارس، يستطيع الكادر التعليمي ومجالس أولياء الأمور والمعلمين تنمية الحوار بين الأجيال، وترسيخ مهارات فض النزاعات، ونشر الوعي الإعلامي، وتعزيز ثقافة تقبل التنوع والاختلاف. كما يمكن للجامعات أن تتحول إلى مساحات حيوية للحوار العلمي والأكاديمي بين مختلف الرؤى وتقديم الحلول العملية لمشكلات المجتمع الحقيقية. وتلعب المنظمات غير الحكومية (NGOs) -بحكم التصاقها وتماسها المباشر مع الناس- دور الوسيط الفعال بين المطالب والحاجات المحلية والأجهزة التنفيذية للدولة.
يقوم نهج المعاونية في هذا المضمار على التيسير والتسهيل والربط بين مختلف القدرات؛ إذ ينبغي للمسجد، والمدرسة، والجامعة، والمنظمة المدنية، والشبكات التطوعية، أن تتكامل جنباً إلى جنب لتشخيص الأسر المحتاجة للدعم والمساهمة في معالجة المشكلات المحلية. والهدف الأساسي هو تحويل هذه المؤسسات من مجرد أماكن للوجود الروتيني اليومي إلى هياكل ومحركات حقيقية لحل الأزمات؛ ذلك أن التماسك الوطني لا يُبنى بالتعاميم الإدارية والقرارات الفوقية، بل يولد من رحم المبادرات التعاونية التراكمية المستمرة في الأحياء والمدن.
في ظل تنوع الآراء والرؤى وتعدد المطالب داخل المجتمع، ما هي سياستكم للحفاظ على التضامن وإدامة الحوار الوطني؟
المجتمع المتماسك ليس هو المجتمع الذي يفكر جميع أفراده بنسق واحد وقالب متطابق، بل هو المجتمع القادر على إدارة التباينات والاختلافات في الرأي وتوجيهها دون أن تتحول إلى عداء، أو عنف، أو إقصاء وتهميش اجتماعي. إن الاختلاف في وجهات النظر ليس تهديداً؛ بل إن الإلغاء، والتحقير، ورفض الاستماع للآخر هو ما يحول التمايز الطبيعي إلى فجوات وانقسامات عميقة.
تقوم سياستنا على «إدارة الاختلافات في إطار المشتركات»؛ فأمن الأسرة، والكرامة الإنسانية، والعدالة في تكافؤ الفرص، وحماية مستقبل إيران، كلها قواسم مشتركة ومصالح عليا تجمع مختلف الفئات والشرائح جنباً إلى جنب. ويجب على المعاونية أن تكون ميسراً ومحفزاً للحوارات الهادفة القائمة على تشخيص ومعالجة المشكلات؛ وهي حوارات تشارك فيها نساء من مختلف التوجهات الفكرية، والأعمار، والقوميات، والمواقع الاجتماعية. والهدف هنا ليس فرض رأي أو الوصول إلى رؤية أحادية، بل صياغة حد أدنى من التوافق حول المصالح المشتركة والسبل الواقعية لحل المعضلات.
وقد جاء تشكيل فريق عمل القوميات والمذاهب في «اللجنة الوطنية للمرأة والأسرة» انطلاقاً من هذه الرؤية تحديداً؛ لتشخيص قضايا ومشكلات النساء في مختلف المناطق والمكونات بمشاركتهن المباشرة وتحويلها إلى حلول وبرامج عمل تنفيذية قابلة للتطبيق.
ما هي الخطوات والتدابير المتخذة لتفادي الاستقطاب الاجتماعي وبناء الثقة العامة؟
تتمثل الخطوة الأولى في تجنب تسييس مطالب وقضايا النساء؛ إذ لا ينبغي تحويل ملفات العمل، والصحة، والأمن، والتعليم، وحقوق الأسرة إلى حلبة للصراعات الاستنزافية والمناكفات الأيديولوجية؛ بل يتوجب علينا تأطير هذه القضايا في قوالب قانونية وإجرائية واضحة وتقديم حلول وإجابات شفافة حولها.
أما الخطوة الثانية، فهي تأسيس مساحات حوارية وسيطة؛ بحيث تلتقي النخب والتيارات ذات الرؤى المتباينة للنقاش البنّاء حول مشكلات عينية وملموسة كفرص عمل النساء، أو الأمن الاجتماعي، أو الإنجاب، أو حماية الأسر المتضررة، عوضاً عن الغرق في سجالات عقيمة حول القناعات الفكرية لبعضهم البعض.
والخطوة الثالثة تكمن في تقليص ومعالجة الفجوات الواقعية على الأرض؛ فالكثير من حالات الاستقطاب تتغذى من مشاعر التمييز، والإقصاء، وغياب العدالة في الوصول إلى الفرص. لذا، فإن الاهتمام بنساء المناطق الأقل نمواً، والمعيلات، والفئات المهمشة يُعدّ ركيزة أساسية ضمن سياسة تعزيز الثقة العامة. إن الثقة لا تُبنى بالدعايات والشعارات؛ بل تتجذر عبر الصدق، والمسؤولية، والوفاء بالعهود والوعود، وتصحيح المسارات غير العادلة. وحينما يلمس المواطنون نتائج هذه القرارات الإيجابية في واقعهم اليومي، تتقلص الفجوة حتماً بينهم وبين المؤسسات العامة والدولة.
كيف تقيّمون دور الأمّهات في غرس قيم التعاطف والتسامح وتحمل المسؤولية لدى الأجيال الناشئة؟
تؤدي الأمّهات دوراً جوهرياً في تكوين التجربة العاطفية والاجتماعية للطفل. فالأطفال يتعلمون التعاطف والتراحم من خلال السلوكيات اليومية والممارسات العملية للبالغين أكثر بكثير مما يتعلمونه من النصائح والتوجيهات المباشرة؛ ويتعلمون ذلك من كيفية الإنصات للآخر، واحترام مشاعره، والأسلوب المتبع في إدارة الخلافات الأسرية وفضها. فحين يرى الطفل أن الاختلافات داخل البيت تُدار عبر الحوار والتفاهم والإنصات المتبادل للوصول إلى حل مشترك، يترسخ في وعيه أن تباين الآراء لا يعني بالضرورة العداوة والخصومة. كما أن انخراط الأسرة في المبادرات التطوعية، ومساعدة الجيران، والاهتمام بالضعفاء، والحفاظ على المناسبات والطقوس الجمعية، كلها عوامل تعزز وتغذي حس الانتماء والمسؤولية الاجتماعية لدى الأطفال؛ وبطبيعة الحال، فإن تربية الجيل القادم ليست مسؤولية الأم بمفردها؛ فالآباء، والمدارس، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية شركاء أساسيون في هذه المسؤولية. ولا ينبغي لنا تحويل الدور التربوي للأمهات إلى ذريعة لإلقاء كامل المسؤوليات الأسرية والمجتمعية على كاهل المرأة وحدها؛ فوظيفة الحكومة تتمثل في إسناد ودعم الأسرة عبر تدريب مهارات التواصل، وتوفير الخدمات الاستشارية المتخصصة، ودعم الصحة النفسية الشاملة.
هل لديكم برامج وآليات محددة لتعزيز مشاركة النساء في صناعة القرارات الاجتماعية والثقافية؟
إن مشاركة المرأة في عملية صنع القرار تمثل ضرورة قصوى لرفع مستوى الجودة، والفاعلية، والمقبولية لتلك القرارات؛ فأي سياسة عامة تُصاغ بمعزل عن حضور ومشاركة نصف المجتمع ستكون قاصرة عن إدراك ومعالجة كافة جوانب حياة الناس الحقيقية.
شهدت الحكومة الرابعة عشرة تنامياً ملموساً في حضور النساء في المناصب الإدارية العليا والوسطى؛ إذ تشير التقارير الرسمية للمعاونية إلى تعيين نحو 1900 امرأة في مناصب إدارية وقيادية رفيعة. ورغم أن هذه خطوة إيجابية ومهمة، إلا أنها غير كافية؛ إذ يجب أن يمتد حضور المرأة من المستويات الوطنية والمركزية إلى الإدارات المحلية في المحافظات، والمجالس البلدية والمحلية، والمؤسسات المدنية، والهيئات التخصصية، ومسارات صنع القرار الثقافي. ويندرج في هذا المسار أيضاً تنظيم لقاءات النخب النسائية مع السيد رئيس الجمهورية، وتشخيص الطاقات النسائية الكفؤة في مختلف المحافظات والمكونات والقوميات وتقديمها للجهات التنفيذية للاستفادة منها. ومع ذلك، فإن معيارنا الحقيقي لا يقتصر على مجرد إحصاء عدد النساء الحاضرات في الاجتماعات والمجالس؛ بل يكمن المعيار في قياس حجم ومقدار السياسات والقرارات التي عُدلت ورُسمت استناداً إلى رؤى النساء وخبراتهن العملية وتجاربهن؛ فالمشاركة الفاعلة والمؤثرة تختلف اختلافاً جذرياً عن الحضور الشكلي والرمزي.
كيف يمكن الارتقاء بقضايا وشؤون المرأة والأسرة من مستوى المطالب الفئوية والقطاعية لتصبح قضية وطنية شاملة؟
يجب أن نبيّن للجميع أن قضايا المرأة ليست شأناً يخص النساء وحدهن؛ فعمل المرأة ينعكس مباشرة على دخل الأسرة ومستوى رفاهها، وصحة المرأة ترتبط ارتباطاً لا ينفصم بصحة المجتمع وسلامة أجيال الغد، وتوفير الأمن للمرأة يعزز أمن واستقرار الكيان الأسري ككل، كما أن حضورها في الحقول الاقتصادية والإدارية يرفع الطاقات التنموية للبلاد ويزيدها قوة وازدهاراً.
اليوم، تُشكل النساء أكثر من 60% من إجمالي عدد طلاب الجامعات في البلاد، في حين لا يتعدى معدل مشاركتهن الاقتصادية نحو 14%. وهذه الفجوة الكبيرة تثبت أن جزءاً حيوياً ورئيسياً من الرأسمال البشري الوطني لم يُستثمر بعد بصورة كاملة في عجلة التنمية الشاملة. كما تفيد تقارير المعاونية بأن النساء يحصلن على أكثر من 80% من بعض فئات تراخيص الأعمال والمشاريع، وهو ما يبرهن على القدرات الاستثنائية التي يمتلكنها في ريادة الأعمال والابتكار.
وعندما تتعرض المرأة للضرر نتيجة غياب الحماية القانونية، أو التمييز الوظيفي، أو العنف، أو قيود الوصول إلى الخدمات؛ فإن الآثار السلبية لذلك لا تتوقف عند حدود الفرد، بل تطال الأسرة، وسوق العمل، والبنية المجتمعية برمتها. وعليه، فإن معالجة ملفات المرأة ودعمها ليس منحة أو امتيازاً يُقدم لشريحة محددة، بل هو ركن أصيل من سياسات التنمية المستدامة، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وصيانة الرأسمال البشري للوطن.
ما هو المؤشر الأبرز لديكم لقياس مدى النجاح في ملف التماسك والانسجام الوطني؟
المؤشر الأهم والأبرز هو مستوى الثقة والشعور بالانتماء لدى النساء والأسر؛ أي مدى إحساسهن بأن أصواتهن مسموعة، وأنهن يتمتعن بفرص متكافئة وعادلة، وقادرات على التأثير والمشاركة في القرارات المصيرية المرتبطة بتفاصيل حياتهن. ولإجراء قياس دقيق وموضوعي، نعتمد على منظومة متكاملة من المؤشرات الكمية والنوعية، تشمل: ردم وتقليص الفجوة في التوظيف والدخل، وتيسير وصول النساء والأسر للخدمات الصحية والحماية الاجتماعية، ونسبة حضور النساء في مواقع اتخاذ القرار على المستويين الوطني والمحلي، وحجم المشاركة في المنظمات المدنية وشبكات التكافل المجتمعي، والشعور بالأمان في الفضاءين العام والرقمي، ومستوى الثقة بالمؤسسات الرسمية.
وبالإضافة إلى تعداد النساء اللواتي يشغلن مناصب ومسؤوليات، يجب قياس «فاعلية وأثر المشاركة» بدقة؛ عبر رصد عدد السياسات والقرارات التي عُدّلت وأُعيدت صياغتها كنتيجة مباشرة لآراء النساء وتجاربهن وملاحظاتهن الميدانية. ولابدّ من تحديد خط أساس مرجعي لهذه المؤشرات وقياس معدلات التغير السنوي الطارئة عليها. فالنجاح الحقيقي والملموس يتحقق عندما يرى المواطنون ثمار هذه البرامج ومخرجاتها منعكسة في تفاصيل حياتهم اليومية، وليس بمجرد مراكمة أعداد الجلسات وزيادة القرارات المكتوبة.
البحث
الأرشيف التاريخي