انكسار شراكة السبعين عاماً

ترامب يحوّل كندا من حليف اقتصادي إلى ساحة ضغط

/ لم يعد الخلاف بين الولايات المتحدة وكندا مجرد نزاع تقليدي حول الرسوم الجمركية أو شروط التبادل التجاري، بل بات يعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة واشنطن لعلاقاتها الاقتصادية مع حلفائها. فبدلاً من التعامل مع التجارة باعتبارها مساحة للمصالح المشتركة، تتجه إدارة دونالد ترمب بصورة متزايدة إلى استخدام الرسوم الجمركية والضغط الاقتصادي كأدوات لانتزاع تنازلات سياسية وتجارية. ويظهر هذا التحول بوضوح في الأزمة الأخيرة مع كندا، بعدما فرضت واشنطن رسوماً بنسبة 50% على سلع كندية بقيمة نحو 20 مليار دولار، عقب انهيار المفاوضات، لترد أوتاوا بإجراءات مماثلة.
من التجارة الحرة إلى سياسة العقاب الاقتصادي
على مدى عقود، قامت العلاقة الأميركية الكندية على درجة عالية من التكامل الاقتصادي، إذ استفادت الشركات في البلدين من انسياب السلع والاستثمارات وسلاسل الإنتاج عبر الحدود. لكن إدارة ترامب تدفع بهذه العلاقة في اتجاه مختلف، يقوم على إعادة تعريف التجارة باعتبارها أداة قوة. فالرسوم لم تعد مجرد وسيلة لحماية صناعة أميركية محددة، وإنما أصبحت ورقة ضغط تستخدمها واشنطن عندما تريد من شريكها تقديم تنازلات.
وتكشف الأزمة الحالية هذا التغير بوضوح؛ فبعد ثلاثة أيام من المفاوضات، انهارت المحادثات بعدما قالت الحكومة الكندية إن واشنطن طرحت في اللحظات الأخيرة شروطاً جديدة اعتبرتها غير عادلة وغير اقتصادية، من بينها قيود تمس قدرة كندا على عقد اتفاقات تجارية جديدة. وهذا يعني أن الخلاف لم يعد مقتصراً على حجم الرسوم، بل أصبح متعلقاً بمدى قدرة دولة حليفة على اتخاذ قراراتها التجارية بصورة مستقلة.
ترامب يعيد رسم قواعد العلاقة مع الحلفاء
تكمن خطورة هذا التحول في أن الولايات المتحدة لا تستخدم أدوات الضغط تجاه خصومها فقط، بل تجاه حلفاء تقليديين أيضاً. فكندا ليست منافساً بعيداً لواشنطن، بل شريك تجاري وجار وحليف، واقتصادا البلدين مرتبطان بعشرات الآلاف من الشركات وسلاسل التوريد. ومع ذلك، اختارت الإدارة الأميركية رفع الرسوم إلى مستويات مرتفعة بدلاً من تسوية الخلاف عبر التفاوض وحده.
ويضاف إلى ذلك خطاب ترامب السياسي تجاه كندا، الذي يتجاوز أحياناً الملف التجاري. فقد عاد إلى مهاجمة «أوتاوا» بعد إعلان كارني الرد على الرسوم، وكتب أن كندا تريد الحصول على مزايا الولايات المتحدة من دون أن تكون جزءاً منها. هذا الخطاب، إلى جانب استخدام الرسوم، يعطي الانطباع بأن واشنطن تتعامل مع قوتها الاقتصادية باعتبارها وسيلة لإعادة ترتيب علاقة يفترض أنها قائمة على الندية والشراكة.
كندا ترفض منطق الإملاء
في المقابل، جاء موقف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني ليعكس محاولة واضحة لكسر هذا النمط. فبدلاً من قبول الشروط الأميركية، أعلنت أوتاوا أنها سترد «دولاراً بدولار»، عبر فرض رسوم على منتجات أميركية تشمل الصلب ومنتجات الألبان والإلكترونيات والأجهزة المنزلية والمعدات الزراعية، على أن تبدأ الإجراءات الجديدة في 8 أيلول/سبتمبر.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية أكبر لأن كندا تعتمد بدرجة كبيرة على السوق الأميركية. ومع ذلك، اختارت الحكومة الكندية الرد، في خطوة تحمل رسالة مفادها أن الاعتماد الاقتصادي لا يعني التخلي عن القرار المستقل. كما أن التصعيد الأميركي قد يدفع كندا إلى تسريع توجهها نحو تنويع أسواقها التجارية وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، وقد يؤدي ذلك، بصورة غير متوقعة، إلى إضعاف النفوذ الأميركي على المدى البعيد.
هل تضر سياسة ترامب بأميركا نفسها؟
المفارقة الأساسية في هذه السياسة أن الرسوم التي تهدف إلى الضغط على الشركاء قد ترتد على الاقتصاد الأميركي. فعندما ترتفع كلفة المنتجات المستوردة من كندا، فإن الشركات الأميركية التي تعتمد على هذه المنتجات أو مكوناتها قد تتحمل جزءاً من التكلفة، وقد تنتقل الزيادة في النهاية إلى المستهلكين. كما أن تعقيد سلاسل التوريد بين البلدين يمكن أن يضر قطاعات صناعية أميركية تعتمد على المدخلات الكندية.
وبذلك، لا تعني القوة الاقتصادية بالضرورة أن الولايات المتحدة ستخرج منتصرة من كل مواجهة. فالإفراط في استخدام الرسوم قد يدفع الحلفاء إلى البحث عن بدائل، وتوسيع علاقاتهم التجارية مع دول أخرى، وبناء قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي عن السوق الأميركية. وهذا تحديداً ما يجعل التحول في السياسة الأميركية ذا نتائج تتجاوز الأزمة الحالية.
تحول أوسع من كندا
الأزمة مع كندا ليست حالة منفردة، بل تأتي ضمن نهج أوسع في إدارة ترامب للعلاقات التجارية، إذ أصبحت الرسوم الجمركية وسيلة متكررة للتفاوض والضغط. وقد سبق أن استخدمت الإدارة الأميركية التهديدات والرسوم في ملفات تجارية متعددة، ما عزز لدى عدد من الشركاء مخاوف بشأن استقرار السياسة التجارية الأميركية.
ومن هنا يبرز سؤال أساسي: من سيربح الحرب التجارية مع كندا؟ بل: ماذا سيحدث لموقع الولايات المتحدة إذا بدأت الدول التي تعتمد عليها اقتصادياً في البحث عن بدائل؟ فالقوة الأميركية لم تُبنَ على حجم الاقتصاد وحده، وإنما أيضاً على الثقة بشبكة التحالفات والشراكات التي تقودها واشنطن.
ختاماً، تكشف المواجهة مع كندا أن السياسة التجارية الأميركية تشهد تحولاً واضحاً من منطق الشراكة إلى منطق الضغط واستخدام القوة الاقتصادية لتحقيق أهداف تفاوضية أوسع. وقد تبدو هذه السياسة قادرة على تحقيق مكاسب سريعة، لكنها تحمل في المقابل مخاطر استراتيجية، أبرزها دفع الحلفاء إلى تقليل اعتمادهم على الولايات المتحدة والبحث عن بدائل تجارية وسياسية.
أما كندا، فقد اختارت مواجهة هذا التحول بدلاً من الخضوع له، عبر الرد بالمثل والدفاع عن استقلال قرارها التجاري. ولذلك فإن المعركة الحالية لا تدور فقط حول الرسوم الجمركية، بل حول سؤال أكبر: هل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على نفوذها العالمي إذا تحولت علاقاتها مع حلفائها من شراكات قائمة على المصالح المتبادلة إلى علاقات يحكمها الضغط والتهديد الاقتصادي؟
البحث
الأرشيف التاريخي