تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
الدبلوماسية الثقافية الإيرانية في مواجهة الحرّية الفرنسية المزعومة
/ تقدّم فرنسا نفسها للعالم بوصفها إحدى مهد الحرّية والفكر والتعددية الثقافية، وترفع خطاب الحوار والانفتاح باعتبارهما من ركائز هُويتها السياسية والثقافية؛ لكن الواقع يكشف مفارقة تستحق التوقف والتأمل: فحين يأتي النشاط الثقافي من دولة تختلف معها باريس سياسياً، يبدو أن مساحة الحرية والتسامح تصبح أكثر ضيقاً. في هذا السياق، أقدمت الحكومة الفرنسية على طرد «الدكتورة نيلوفر شادمهري»، المستشارة الثقافية الإيرانية في فرنسا، بعد سنوات من النشاط الثقافي والفني. وقد أثار القرار اهتماماً واسعاً، خاصة أن عمل «الدكتورة شادمهري» لم يكن قائماً على النشاط السياسي، بل تمحور حول الثقافة والفن والتواصل مع النخب والشخصيات الثقافية الأوروبية.
كانت الدكتورة شادمهري معروفة قبل تولّيها مسؤوليتها الثقافية بكتابها «خاطرات سفير» أي «مذكّرات سفير»، الذي تناول تجاربها الشخصية خلال دراستها للتصميم الصناعي في مدينة أنجيه الفرنسية. وقدّمت من خلاله صورة تفصيلية عن تجربة امرأة مسلمة في المجتمع الفرنسي، وما واجهته من تحديات ثقافية واجتماعية خلال فترة إقامتها ودراستها.
وخلال مسؤوليتها الثقافية، شاركت في تنظيم فعّاليات فنية ومعارض إيرانية وإسلامية، وسعت إلى تقديم صورة مختلفة عن إيران والإسلام، كما عملت على تعزيز التواصل بين المجتمع الثقافي الإيراني ونظرائه الأوروبيين.
إحترام قوانين البلد المضيف أساس العمل الثقافي
وفي حوار مع قسم العلاقات العامة والإعلام في منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية، تحدّثت الدكتورة شادمهري بعد عودتها إلى إيران عن تجربتها في فرنسا والظروف التي أحاطت بإخراجها من البلاد. ورداً على سؤال حول تجربتها خلال أربع سنوات من النشاط الثقافي في فرنسا، قالت: إن تلك السنوات كانت «تجربة قيّمة جداً» ومليئة بالأحداث والإنجازات المختلفة، موضحة أن العديد من الأنشطة الثقافية والفنية أُنجزت خلال تلك الفترة. وحول طرد الدبلوماسيين الإيرانيين، قالت الدكتورة شادمهري: إن دبلوماسيين فرنسيين ارتكبا أفعالاً مخالفة للقانون في إيران، وإنه في إطار التعامل بالمثل مُنعا من العودة إلى إيران، قبل أن تطلب الحكومة الفرنسية بدورها من دبلوماسيين إيرانيين مغادرة منصبيهما. وأضافت: النقطة التي تهمنا هي أن النشاط الدبلوماسي، لاسيّما في المجال الثقافي، يستلزم احترام قوانين البلد المضيف. عندما تكون ضيفاً في بلد ما، يجب أن تحترم قوانين ذلك البلد وأن تعمل ضمن إطار مسؤوليتك وتخصصك، مؤكدة على أن تخصصها هو الثقافة والفن، وأنها حرصت طوال فترة مهمتها على ممارسة أنشطتها ضمن هذا الإطار.
الإعلام الفرنسي والاختبار الحقيقي للزمن
ورداً على سؤال حول ردود فعل وسائل الإعلام الفرنسية والأجنبية، قالت المستشارة الثقافية الإيرانية في فرنسا: إن الوقت لا يزال مبكراً لتقديم تقييم دقيق، موضحة أن معظم التغطيات الإعلامية الأولية ركّزت على تصريحات وزير الخارجية الفرنسي وتكرار الخبر. وأضافت: إن التحليلات الإعلامية والسياسية الأعمق تحتاج عادةً إلى مرور بعض الوقت، ولذلك ينبغي انتظار الأسابيع المقبلة لمعرفة النهج الذي ستتبناه وسائل الإعلام والمحللون تجاه القضية.
الثقافة الإيرانية في مواجهة الرواية السائدة
وحول تأثير الأنشطة الثقافية والإعلامية الإيرانية في فرنسا، أوضحت الدكتورة شادمهري أن الفعاليات الثقافية والفنية التي أُقيمت خلال السنوات الماضية، كان الهدف منها التعريف بإيران وثقافتها وفنونها، وكذلك توضيح إمكانات العالم الإسلامي، مؤكدة على أن هذه الأنشطة أسهمت في تعزيز معرفة الجمهور الفرنسي بإيران.
أمّا بشأن أداء إيران الثقافي والإعلامي خلال الحرب المفروضة التي استمرت أربعين يوماً، فجاء ردها حاسماً: لقد أدّت إيران أداءً رائعاً للغاية. أستخدم هذا التعبير عن قناعة كاملة، ولا توجد فيه أي مبالغة. وأشارت الدكتورة شادمهري، على سبيل المثال، إلى الرسوم المتحركة التي أُنتجت ونُشرت خلال فترة قصيرة، ومن بينها سأعمال تناولت موضوعات مرتبطة بـ«المينيونز» و«ليغو»، مؤكدة أنها حظيت باهتمام ملحوظ في وسائل الإعلام هناك.
حين يصبح الفن لغة تتجاوز السياسة
وترى المستشارة الثقافية الإيرانية في فرنسا أن إحدى النقاط اللافتة التي أثارت اهتمام المتخصصين تمثلت في قدرة الإيرانيين على فهم الثقافة الغربية بصورة جيدة، بل وإنتاج أعمال ثقافية وفنية تستند إلى تلك الثقافة نفسها. ووصفت هذا الأمر بأنه «مهم وقيم للغاية».
الحريّة الثقافية
ويبقى السؤال الأوسع من قرار الطرد نفسه: إذا كانت الحرية الثقافية والحوار بين الشعوب من القيم التي تفتخر بها الدول الأوروبية، فهل تشمل هذه الحرّية أيضاً الاستماع إلى رواية ثقافية مختلفة، أم أنها تتوقف عندما تأتي تلك الرواية من دولة تختلف معها سياسياً؟
إن الدبلوماسية الثقافية لا تُقاس فقط بعدد المعارض والفعاليات، بل بقدرتها على فتح النوافذ بين المجتمعات في أصعب الظروف. وقد يكون إخراج ممثل ثقافي من بلد ما قراراً سياسياً؛ لكنه لا يستطيع بالضرورة إخراج الثقافة نفسها من فضاء الحوار.
