أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الشهيد بهشتي في مقابلة مع «إرنا»:
العدوان على إيران يعمّق الانقسام بين الجمهوريين
أجرت الولايات المتحدة الأمريكية، يوم الثلاثاء (4 نوفمبر/ تشرين الثاني)، واحدة من أهم وأغرب دورات انتخابات المجالس التشريعية فيها، حيث ألحق الحزب الديمقراطي هزيمة لافتة بالحزب الجمهوري. وكان الجمهوريون، بوصفهم الحزب الداعم للرئيس الحالي، يتصدّرون المشهد ويتمتعون بمقاعد في العديد من الدوائر والولايات الأمريكية منذ سنوات، إلا أنهم فقدوا هذا التقدم في انتخابات 3 نوفمبر. وفي خضمّ التحليلات المتنوعة التي قدّمها محللون وسياسيون مختلفون بشأن أسباب هزيمة الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس الأمريكي، تتصدّر قضية الحرب مع إيران قائمة الأسباب. ويرى كثيرون أن هزيمة الجمهوريين جاءت نتيجة اندلاع حرب عبثية، فضلاً عن تكلفتها الباهظة، بقرار من رئيس جمهوري، وهو تحليل أقرّ به صراحة ترامب نفسه، والإدارة الأمريكية، بل ونائبه أيضاً. لبحث تأثير الحرب على إيران في هزيمة الجمهوريين، أجرت وكالة الجمهورية الاسلامية للأنباء «إرنا» حواراً مع حيدر علي مسعودي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الشهيد بهشتي، فيما يلي نصّه:
يبدو أنه على الرغم من الفوز الكبير الذي حققه الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي، فإن ترامب سيظل يؤدي دوراً حاسماً في السياسة الخارجية والأمنية الأمريكية تجاه إيران. وهناك ثلاثة عوامل على الأقل يمكن أن تمنح ترامب اليد العليا على المدى القصير:
العامل الأول هو الفاصل الزمني الذي يبلغ نحو شهرين قبل بدء عمل الكونغرس الجديد، وهي فترة تتيح لترامب فرصة مناسبة لمتابعة سياساته وإجراءاته تجاه إيران دون تدخل فعّال من الكونغرس.
أمّا العامل الثاني، فيتعلق بالظروف الداخلية للكونغرس. فعادة ما ينشغل النواب وأعضاء مجلس الشيوخ خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة الأولى من عمل الكونغرس الجديد بترتيب أوضاعهم الداخلية وشؤونهم التنظيمية، وخلال هذه الفترة لن يكون للكونغرس، على الأرجح، دور حاسم في توجيه السياسة الخارجية.
ويتمثل العامل الثالث في امتلاك الرئيس الأمريكي صلاحية استخدام حق النقض «الفيتو» ضد قرارات الكونغرس. فالديمقراطيون لا يمتلكون أغلبية الثلثين اللازمة لتجاوز نقض الرئيس. ومن بين الرسائل التي نشرها ترامب على شبكات التواصل الاجتماعي عقب الانتخابات ما أشار فيه إلى هذا النهج واستخدام حق النقض.
وفي الوقت الراهن، تستخدم بعض وسائل الإعلام الأمريكية تعبير «مستر فيتو» أو «السيّد فيتو» لوصف ترامب، في إشارة إلى أنه سيضطر على الأرجح خلال العامين المقبلين إلى استخدام هذه الصلاحية مراراً في مواجهة الكونغرس الجديد.
في ضوء نتائج انتخابات التجديد النصفي، ما السيناريوهات التي يمكن تصورها بشأن مستقبل العلاقات بين طهران وواشنطن، واحتمالات التوجه نحو الدبلوماسية أو الدخول في حرب جديدة ضد إيران؟
فيما يتعلق بالسيناريوهات المقبلة، يمكن طرح احتمالين: سيناريو متفائل وآخر متشائم. في السيناريو المتفائل، سيسعى الجمهوريون إلى تدارك نقاط ضعفهم، استجابة للرسالة التي وجهها إليهم الشعب الأمريكي في انتخابات التجديد النصفي، التي يمكن اعتبارها بمثابة استفتاء على أداء العامين الأولين للحكومة الموجودة في البيت الأبيض. ومن بين المجالات التي قد تشملها هذه المراجعة إعادة النظر في مواكبة الجمهوريين غير المشروطة لتوجهات ترامب، ولا سيما في مجال السياسة الخارجية والحرب على إيران. وفي مثل هذه الظروف، قد يكتسب الجناح الشاب داخل الحزب الجمهوري، الذي يتبنى توجهات مناهضة للحرب ويتقارب مع مواقف جيه دي فانس، مكانة ونفوذاً أكبر داخل الحزب والإدارة. ونتيجة لذلك، قد تتجه إدارة ترامب، من خلال الدور الأكثر فاعلية لفانس، نحو الحلول الدبلوماسية مع إيران.
وفي هذا الإطار، قد تميل واشنطن إلى التوصل إلى اتفاق جديد يتضمن قدراً أكبر من الشروط الإيرانية، مقابل قبول طهران ببعض المطالب والامتيازات التي تسعى إليها الولايات المتحدة. في المقابل، يستند السيناريو المتشائم إلى افتراض أن ترامب يتمتع بشخصية شديدة التمحور حول الذات، وبنزعة تضخيم الذات، وأنه يهتم بتسجيل إرث شخصي في التاريخ السياسي الأمريكي أكثر من اهتمامه بإرث حزبه. بناء على ذلك، قد يتوصل ترامب إلى قناعة مفادها أن شن هجوم واسع النطاق؛ لكنه قصير الأمد، أو ما يُطلق عليه «حرب قصيرة الأمد عالية الشدّة»، يمكن أن يوجه ضربة قاسية إلى إيران، ويدفع طهران إلى قبول الاتفاق الذي تريده واشنطن؛ وهو اتفاق تستطيع الحكومة الأمريكية تقديمه باعتباره إنجازاً كبيراً. ومع تعزيز التوجه المناهض للحرب في البيت الأبيض، ولا سيما في ضوء مواقف جيه دي فانس، ينبغي لإيران تهيئة الظروف لمتابعة مبادرات دبلوماسية جديدة.
إلى جانب هذه المسألة، توجد نظرية في العلوم السياسية تُعرف باسم «الحرب التحويلية» أو «حرب صرف الانتباه»، ومفادها أن الأنظمة السياسية قد تلجأ إلى عمل عسكري ضد دول أخرى من أجل تعويض إخفاقاتها الداخلية وصرف أنظار الرأي العام عن الفشل والأزمات السياسية. ويمكن أخذ هذه النظرية أيضاً في الاعتبار ضمن إطار السيناريو المتشائم.
يبدو أنه في السيناريو المتشائم، فإن اجتماع نزعة ترامب إلى خوض المخاطر، ورغبته في صرف أنظار الرأي العام عن الهزيمة الانتخابية للجمهوريين، إلى جانب علاقاته الشخصية مع بنيامين نتنياهو، قد يمهد الطريق لدخول الولايات المتحدة في حرب جديدة ضد إيران. في المقابل، يقوم السيناريو المتفائل على افتراض أن الجمهوريين سيسعون إلى مراجعة أولوياتهم وتوجهاتهم، وأن التيارات المناهضة للحرب وشخصيات مثل جيه دي فانس ستكتسب نفوذاً أكبر، وأن واشنطن ستتجه في نهاية المطاف نحو حل دبلوماسي يحظى بتوافق مع طهران.
تعتبر إيران هذه الانتخابات شأناً داخلياً أمريكياً، وتؤكد أن هذه الانتخابات لا تحدد أساس سلوكها. من وجهة نظركم، ما السلوك الأمثل الذي ينبغي لطهران اتباعه إزاء هزيمة ترامب في هذه الانتخابات؟
فيما يتعلق بالنهج الذي ينبغي لإيران اتباعه إزاء نتائج هذه الانتخابات، يبدو أن هناك وجهتي نظر مختلفتين. تقوم وجهة النظر الأولى على الاعتقاد بأنه مع تعزيز موقف أنصار التوصل إلى اتفاق مع إيران والحلول الدبلوماسية داخل البيت الأبيض، ينبغي لطهران ألّا تكتفي بمواصلة التأكيد على مواقفها وشروطها السابقة، بل يمكنها أيضاً طرح شروط جديدة على طاولة المفاوضات.
أما وجهة النظر الثانية، فتستند إلى افتراض أن تعزيز التوجه المناهض للحرب في البيت الأبيض، ولا سيما في ضوء مواقف جيه دي فانس، يستدعي من إيران تهيئة الظروف لمتابعة مبادرات دبلوماسية جديدة، سواء عبر الوسطاء أو من خلال المفاوضات المباشرة مع المسؤولين الأمريكيين. وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر، ولا سيما في ضوء رسالة فانس إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وردود فعله عقب انتخابات التجديد النصفي، وتأكيده ضرورة إنهاء الحرب مع إيران، بل وإعادة النظر في العلاقات مع الكيان الصهيوني.
ويبدو أنه يمكن اعتماد مزيج من وجهتي النظر هاتين في جدول الأعمال. بمعنى أن تحافظ إيران، بالتزامن مع تعزيز مواقفها الدبلوماسية، على استعداداتها العسكرية وإرسال رسائل ردع إلى الطرف المقابل، وأن تهيئ في الوقت نفسه الظروف لبدء مفاوضات مباشرة مع المسؤولين الأمريكيين، ولا سيما جيه دي فانس.
هل يمكن لفوز الديمقراطيين في كلا المجلسين أن يؤدي إلى تغيير نهج واشنطن تجاه إيران، أم أن الخلافات بين الحزبين بشأن إيران ستظل قائمة بصرف النظر عن المنافسات الانتخابية؟
على مدى عقود، استندت سياسة الديمقراطيين والجمهوريين التقليديين تجاه إيران إلى استراتيجية الاحتواء. ويمكن اعتبار ويليام بيرنز، الدبلوماسي الأمريكي السابق، أحد أبرز الشخصيات التي مثلت هذا التوجه؛ إذ تولّى هذا الدبلوماسي مسؤولية المفاوضات الدبلوماسية مع إيران في كل من إدارة الجمهوري جورج بوش الابن وإدارة الديمقراطي باراك أوباما. وقد أشار في كتاب مذكراته المعنون «القناة الخلفية» إلى هذا النهج القائم على الاحتواء. وبموجب هذه الاستراتيجية، تسعى الولايات المتحدة من جهة إلى تجنب الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، ومن جهة أخرى إلى احتواء قوة إيران ونفوذها باستخدام الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية.
وفي إطار هذه الرؤية، تعتبر الولايات المتحدة، التي تنظر إلى نفسها باعتبارها قوة مهيمنة، أن إيران فاعل يتحدى النظام الهيمني الذي تسعى واشنطن إلى ترسيخه؛ ومن ثم، فإن الهدف الأساسي للولايات المتحدة يتمثل في مواجهة هذا التحدي والحد من قوة إيران، وليس بالضرورة الدخول في حرب عسكرية مباشرة معها.
يرى جزء من القاعدة الجمهورية أن سياسات ترامب تتعارض مع وعوده الانتخابية بإنهاء الحروب التي لا تنتهي. وفي مقابل هذا النهج القائم على الاحتواء، الذي تحول على مدى سنوات إلى نوع من التوافق بين الحزبين في السياسة الأمريكية تجاه إيران، شهدنا خلال السنوات الأخيرة ظهور نهج أكثر هجومية يتبناه ترامب، وهو النهج الذي يُعرف باسم «السلام من خلال القوة»، ويؤكد استخدام القدرات العسكرية الأمريكية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية لهذا البلد، بما في ذلك تجاه إيران.
نتيجة لذلك، يمكن القول إن هناك اتجاهين على الأقل داخل الحزب الجمهوري فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية والقضية الإيرانية؛ الأول نهج تدخلي يقوم على استخدام القوة العسكرية، ويتجلى في السياسة الخارجية لترامب، والثاني نهج مناهض للحرب يدعو إلى الحدّ الأدنى من التدخل، وتدعمه شخصيات مثل جيه دي فانس.
وقد أتاحت نتائج انتخابات التجديد النصفي والانتقادات الموجهة إلى السياسة الخارجية لترامب، مرة أخرى، المجال لطرح هذه الخلافات في الرأي. من جهة أخرى، بدأت تظهر تدريجياً، على هامش الحزب الجمهوري وفي أوساط الديمقراطيين التقدميين، توجهات تدعم التفاعل مع إيران وتقليص المساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية المقدمة إلى الكيان الصهيوني. ومع ذلك، لم يتحول أنصار هذا التوجه حتى الآن إلى تيار غالب ومؤثر في بنية النظام السياسي الأمريكي.
وفي السياق نفسه، دعا بعض الشخصيات الديمقراطية، ومن بينهم حكيم جيفريز، الذي يُطرح اسمه باعتباره أحد الخيارات المحتملة لرئاسة مجلس النواب في الكونغرس المقبل، إلى إنهاء الحرب مع إيران فوراً، حتى قبل بدء عمل الكونغرس الجديد. وبالطبع، ينبغي الانتباه إلى أن الكونغرس لا يؤدي دوراً حاسماً بصورة مباشرة في توجيه السياسة الخارجية والأمنية الأمريكية؛ لكنه يستطيع زيادة التكاليف السياسية والتنفيذية لاستمرار الحرب على إدارة ترامب، من خلال أدوات مثل خفض الميزانيات الدفاعية أو وقفها، وممارسة الضغوط السياسية والإعلامية، وتفعيل الآليات القانونية والرقابية، بما في ذلك التحقيق والتقصي، واستدعاء المسؤولين الحكوميين، وفي ظروف معينة، إجراءات العزل.
ومع ذلك، ينبغي أخذ نقطتين في الاعتبار:
أولاً: قد يقاوم ترامب مثل هذه الضغوط؛ وبالنظر إلى تأكيده على تسجيل إرث شخصي في التاريخ السياسي الأمريكي، وميله إلى خوض المخاطر الكبيرة، فقد يكون مستعداً لتحمل التكاليف السياسية المترتبة على هذه المقاومة أيضاً.
ثانياً: يمتلك الرئيس الأمريكي صلاحية نقض قرارات الكونغرس، كما أن الديمقراطيين لن يمتلكوا أغلبية الثلثين اللازمة لتجاوز حق النقض الذي يستخدمه.
هل يمكن للهزيمة الانتخابية التي مُني بها ترامب أن تؤدي إلى تغيير حسابات الكيان الصهيوني بشأن استمرار الحرب مع إيران؟
فيما يتعلق بدور الكيان الصهيوني، يمكن تحليل المسألة على النحو الآتي: إن هذا الكيان وشخص بنيامين نتنياهو يؤثران بصورة ملحوظة في الخيارات السياسية لترامب.
وفي الوقت نفسه، حظي عدد من منتقدي الكيان الصهيوني وإجراءاته في فلسطين وقطاع غزة بقبول الرأي العام خلال انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وسيصلون إلى الكونغرس.
ويعارض بعض هؤلاء حتى المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية المقدمة إلى الكيان الصهيوني، ومن المرجح أن يستخدموا الأدوات القانونية للحد من هذه المساعدات.
بعبارة أخرى، يمكن الحديث عن نوع من ابتعاد شريحة من الرأي العام والنخب السياسية الأمريكية عن الكيان الصهيوني؛ وهو مسار سيؤدي بطبيعة الحال إلى إثارة قلق نتنياهو.
وقد أعرب العديد من النخب الصهيونية أيضاً عن قلقهم إزاء هذه المسألة. ومن المرجح أن يسعى نتنياهو إلى اتخاذ إجراءات تعويضية لتقليص مواطن الضعف في العلاقات بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة على المدى البعيد، ومن ذلك الإنتاج المشترك للأسلحة العسكرية مع الولايات المتحدة على أراضي الكيان الصهيوني، واتخاذ خطوات مماثلة.
مع ذلك، وبصرف النظر عن هذا القلق على المدى البعيد، يبدو أن نتنياهو لا يزال يعتقد أن الفترة الفاصلة بين انتهاء انتخابات التجديد النصفي وبدء عمل الكونغرس الجديد تمثل نافذة فرصة ذهبية لتوجيه ضربة أخيرة وحاسمة إلى إيران. وقد يتمثل الحدّ الأدنى من أهداف هذه الخطوة في التدمير الكامل للمنشآت النووية الإيرانية، فيما يتمثل هدفها الأقصى في إسقاط النظام السياسي الإيراني.
ومن هذا المنطلق، إذا لم تستغل إدارة ترامب فرصة الشهرين المتبقيين حتى تشكيل الكونغرس الجديد، فإن قدرتها على المناورة خلال العامين المتبقيين من ولايتها ستصبح محدودة للغاية، بالنظر إلى تركيبة الكونغرس المقبل.
وبالتالي، فمن الطبيعي أن يسعى الكيان الصهيوني، ولا سيما نتنياهو، إلى دفع الولايات المتحدة نحو الانخراط في حرب أخرى ضد إيران.
