تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
شبكة سكك الحديد تعيد رسم خريطة النقل والعبور في شرق إيران؛
من سواحل مكران إلى الحدود الأفغانية.. توجه نحو إنشاء ممر نقل متكامل
وتعد محافظة سيستان وبلوشستان من المحافظات القليلة في البلاد التي تتيح إمكاناتها الجغرافية أداء أدوار متزامنة في مجالات التجارة البحرية والنقل البري والعبور الإقليمي والتبادل التجاري عبر الحدود. فإطلالتها على المياه المفتوحة عبر بحر عمان، وامتلاكها ميناء تشابهار المطل على المحيط، فضلاً عن مجاورتها لباكستان وأفغانستان ووقوعها على مسارات الربط بين أسواق جنوب آسيا وآسيا الوسطى، تمنحها موقعاً استراتيجياً يمكن أن يتحول، في حال استكمال البنى التحتية اللازمة، إلى إحدى المزايا الاقتصادية المهمة للبلاد. ويعد معبر ميلك الحدودي، الواقع شمال محافظة سيستان وبلوشستان في مدينة هيرمند، أحد المنافذ التجارية المهمة لإيران مع أفغانستان، حيث تمر عبره المبادلات السلعية بين البلدين. ويحظى هذا المعبر، بفضل موقعه الجغرافي وقربه من مدينة زرنج الأفغانية، بإمكانات كبيرة لتطوير التجارة وحركة العبور في شرق البلاد.
تعزيز القدرات الترانزيتية في جنوب شرق البلاد
يعد خط سكك الحديد بين تشابهار وزاهدان أحد المشاريع الرئيسية للبنية التحتية في البلاد، والهادف إلى ربط ميناء تشابهار بشبكة سكك الحديد الوطنية. وقد جرى العمل على تنفيذ هذا المشروع خلال السنوات الماضية بهدف تعزيز القدرات الترانزيتية في جنوب شرق إيران، وتهيئة إمكانية نقل البضائع من سواحل مكران إلى مختلف مناطق البلاد.
وتشير أحدث التقارير المنشورة إلى الانتهاء من أعمال مد القضبان الحديدية على مسار تشابهار – زاهدان، فيما تتواصل الاستعدادات لاستكمال التجهيزات الفنية ومكونات الخط والمحطات، إلى جانب معالجة النواقص المتبقية. ووفقاً للتقديرات الموضوعة، من المتوقع دخول المشروع حيز التشغيل بحلول نهاية عام 2026. ولا تقتصر أهمية هذا المشروع على ربط ميناء واحد بشبكة سكك الحديد، إذ إن تشابهار، بفضل وصوله المباشر إلى المياه المحيطية المفتوحة، يمكن أن يؤدي دوراً محورياً في نقل البضائع بين إيران والأسواق الإقليمية. كما أن ربط هذا الميناء بمدينة زاهدان عبر سكك الحديد يمهد الطريق لنقل جزء من الشحنات إلى الشبكة الوطنية، ويسهم في تطوير الخدمات اللوجستية.
زاهدان-زابل-ميلك.. حلقة مكملة لتطوير شبكة سكك الحديد
في ظل هذه المعطيات، تكتسب الأنباء المتعلقة بتهيئة الظروف اللازمة لبدء تنفيذ مشروع خط سكك الحديد بين زاهدان وزابل وميلك أهمية متزايدة. ويهدف هذا المشروع إلى توسيع نطاق الربط السككي لمنطقة سيستان بشبكة النقل في البلاد، وتهيئة الأرضية اللازمة لربطها بأفغانستان عبر معبر ميلك الحدودي في مدينة هيرمند. وتحتاج منطقة سيستان، الواقعة شمال محافظة سيستان وبلوشستان، نظراً لامتلاكها حدوداً مشتركة مع أفغانستان وما تزخر به من إمكانات تجارية واقتصادية، إلى بنى تحتية من شأنها تسهيل ارتباطها بالأسواق الداخلية والخارجية.
ومن شأن ربط مدينة زابل بمدينة زاهدان عبر سكك الحديد، وامتداد الخط وصولاً إلى معبر ميلك الحدودي، أن يتيح، في حال استكمال المشروع ودخوله حيز التشغيل، نقل كميات أكبر من البضائع بتكاليف اقتصادية أقل، وتطوير خدمات النقل، وتعزيز الأنشطة التجارية في المناطق المحيطة بالمعبر. كما يمكن لهذا المسار أن يعزز ارتباط منطقة سيستان بشبكة سكك الحديد الوطنية، وهو ارتباط تكتسب أهميته من دوره في الحد من القيود اللوجستية، وتحسين وصول الفاعلين الاقتصاديين إلى الأسواق الاستهلاكية، وتوسيع فرص إنشاء مراكز تخزين البضائع وتوزيعها.
من الميناء المطل على المحيط إلى الحدود الأفغانية
يمثل خط سكك حديد تشابهار – زاهدان والمسار المقترح زاهدان – زابل – ميلك مشروعين مستقلين؛ لكنهما متكاملان في إطار رؤية تطوير قطاع النقل في شرق البلاد. فالمسار الأول يربط ميناء تشابهار بشبكة سكك الحديد الوطنية، فيما يهدف المسار الثاني إلى توسيع نطاق وصول منطقة سيستان إلى هذه الشبكة، وإتاحة الربط السككي مع معبر ميلك الحدودي. ولا ينبغي النظر إلى هذين المسارين باعتبارهما خطاً حديدياً واحداً، أو مشروعاً يؤدي استكمال أحدهما تلقائياً إلى دخول الآخر حيز التشغيل؛ إذ إن استكمال المشروعين معاً من شأنه أن يمهد لتشكيل شبكة أوسع من خطوط الربط السككي، تربط ميناء تشابهار وزاهدان وزابل ومعبر ميلك ضمن سلسلة متكاملة للنقل والتجارة.
ومن شأن اعتماد هذه الرؤية أن يوجه خطط تطوير البنية التحتية في المحافظة من تنفيذ مشاريع متفرقة نحو استكمال ممرات النقل المتكاملة. وفي هذا الإطار، ينبغي ألّا يقتصر الاهتمام على إنشاء خطوط سكك الحديد فحسب، بل يجب أن يشمل أيضاً الطاقة الاستيعابية للمحطات، وإمكانات تحميل البضائع وتفريغها، وربط الخطوط بمراكز الإنتاج، ووضع أسطول النقل، فضلاً عن القدرة على نقل البضائع بصورة منتظمة ومستمرة.
من قطاع التعدين إلى التجارة الحدودية
لا تقتصر أهمية تطوير شبكة سكك الحديد في محافظة سيستان وبلوشستان على العبور الدولي، إذ تمتلك المحافظة أيضاً إمكانات واعدة في قطاعات التعدين والزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والتجارة الحدودية، من شأن تطوير البنية التحتية للنقل أن يسهم في الاستفادة منها بصورة أفضل. ففي قطاع التعدين، يمكن أن يشكل نقل المواد المعدنية والمنتجات المعالجة بكميات كبيرة وبتكاليف أقل ميزة إضافية لبعض الأنشطة الإنتاجية. أما في قطاعي الزراعة والثروة السمكية، فإن تحسين الوصول إلى الأسواق الاستهلاكية، ولا سيما من خلال تطوير مرافق التخزين وسلاسل التبريد، يمكن أن يسهم في خفض جانب من تكاليف النقل وتحسين فرص تسويق المنتجات.
كما أن تطوير المراكز اللوجستية والخدمات المرتبطة بقطاع النقل من شأنه أن يوفر فرصاً جديدة للتوظيف في مجالات التخزين والصيانة والإصلاح وتحميل البضائع وتفريغها والخدمات الجمركية وتوزيع السلع. ويعد الاستفادة من الكوادر البشرية المحلية وإشراك الشركات والأنشطة التجارية المحلية في هذه المنظومة من المسائل التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند وضع الخطط الرامية إلى تحقيق المنافع الاقتصادية لهذه المشاريع.
التمويل والجدول الزمني للتنفيذ
وتتمثل إحدى القضايا الأساسية في مشاريع البنية التحتية الكبرى في الفجوة الزمنية بين الإعلان عن الخطط، وتأمين الموارد المالية، وبدء العمليات التنفيذية، والوصول إلى مرحلة التشغيل النهائي. وتُظهر تجربة مشروع خط سكك حديد تشابهار – زاهدان أن الأهمية الاستراتيجية للمشروع وحدها لا تكفي لضمان استكماله في الموعد المحدد، بل إن توفير التمويل المستدام وإزالة العقبات التنفيذية يؤديان دورا حاسما في إنجازه. ومن هذا المنطلق، وبالتوازي مع الإعلان عن تهيئة الظروف اللازمة لبدء العمليات التنفيذية لمشروع خط سكك حديد زاهدان – زابل – ميلك، ينبغي تحديد وضع الدراسات والتراخيص القانونية ومصادر التمويل والجدول الزمني للتنفيذ وآليات الرقابة على تقدم المشروع بصورة واضحة.
وتمتلك محافظة سيستان وبلوشستان الشاسعة، الواقعة في جنوب شرق البلاد، مقومات تؤهلها للاضطلاع بدور أكثر فاعلية في قطاعي النقل والتجارة الإقليمية، بالاستناد إلى موقعها الجغرافي وميناء تشابهار المطل على المحيط وحدودها البرية وإمكاناتها الإنتاجية. غير أن تحقيق هذه الإمكانات يظل مرهوناً باستكمال البنى التحتية وتعزيز الترابط الفاعل بينها ضمن شبكة متكاملة وذات كفاءة عالية.
