تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
هزيمة مدوية لترامب..
الديمقراطيون ينتزعون الكونغرس ويطوّقون البيت الأبيض.. و«ماغا» على حافة الانقسام
وتأتي هذه الهزيمة في ظل تصاعد الغضب الشعبي من ارتفاع تكاليف المعيشة، والجدل حول الرعاية الصحية والهجرة والسياسات الاقتصادية والخارجية. وبينما يواصل ترامب الترويج لشعارات استعادة القوة الأميركية، جاءت صناديق الاقتراع لتكشف أن قطاعات واسعة من الأميركيين لم تعد مقتنعة بوعوده. وهكذا، يجد ترامب نفسه أمام كونغرس معارض يمتلك أدوات دستورية واسعة لمراقبة إدارته وعرقلة مشاريعه، في مواجهة قد تتحول إلى واحدة من أكثر المراحل توتراً في تاريخ رئاسته.
فوز ديمقراطي يضرب نفوذ ترامب
أظهرت النتائج الأولية تقدم الديمقراطيين بـ54 مقعداً في مجلس الشيوخ مقابل 44 للجمهوريين، مع استمرار المنافسة على مقعدين في ألاسكا ومسيسيبي. أما في مجلس النواب، فقد حصل الديمقراطيون على 240 مقعداً مقابل 147 للجمهوريين، محققين أغلبية مريحة وفق الحصيلة الأولية.
ولا تقتصر أهمية هذا الانتصار على الأرقام، بل تكمن في امتداد التراجع الجمهوري إلى ولايات تُعد تقليدياً من معاقله الانتخابية، بينها تكساس وكانساس وأوهايو وآيوا وكارولاينا الجنوبية.
لقد راهن ترامب على شعارات القوة والاقتصاد والهجرة، لكنه اصطدم بواقع معيشي مختلف، إذ لم تعد الخطابات الشعبوية كافية لإخفاء الأزمات الداخلية. فالناخب الأميركي الذي يواجه ارتفاع الأسعار وتكاليف العلاج والسكن لا تعنيه كثيراً معارك استعراض القوة بقدر ما تعنيه قدرته على تأمين حياة مستقرة. ومن هنا، تبدو الخسارة رسالة مباشرة إلى البيت الأبيض بأن الأولويات المعيشية باتت تتقدم على الشعارات السياسية.
ترامب أمام كونغرس معارض.. الفيتو سلاح المواجهة
اعتباراً من الثالث من كانون الثاني/ يناير 2027، سيواجه ترامب كونغرس يسيطر عليه خصومه الديمقراطيون، ما سيضع أجندته السياسية أمام عراقيل جدية. ورغم احتفاظه بصلاحيات السلطة التنفيذية، فإن تمرير التشريعات الكبرى سيصبح أكثر صعوبة، خصوصاً أن القوانين تحتاج إلى موافقة المجلسين وتوقيع الرئيس.
وقد لوّح ترامب باستخدام حق النقض الرئاسي «الفيتو»، في إشارة إلى استعداده لمواجهة أي محاولة ديمقراطية لفرض تشريعات تتعارض مع توجهاته. لكن هذه الصلاحية لن تمنحه القدرة على الحكم منفرداً، كما لن تسمح له بتجاوز الكونغرس وفرض سياساته كما يشاء. فالديمقراطيون يستطيعون عرقلة أجندته التشريعية، فيما يستطيع الرئيس استخدام الفيتو لإحباط مشاريعهم، ولا يمكن تجاوز اعتراضه إلا بأغلبية الثلثين في كل من المجلسين. وبذلك، تدخل واشنطن مرحلة من التجاذب السياسي قد تتحول فيها المؤسسات التشريعية إلى ساحة تعطيل متبادل، في ظل صعوبة تمرير الملفات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى من دون تفاهمات بين الحزبين. وسيكون ترامب أمام خيارين: التفاوض مع خصومه أو الدخول في مواجهة مفتوحة قد تؤدي إلى شلل تشريعي يعرقل تنفيذ برنامجه السياسي.
إدارة ترامب تحت المجهر.. التحقيقات والتعيينات
ولا تقتصر خطورة التحول الجديد على تعطيل الأجندة التشريعية للبيت الأبيض، بل تمتد إلى توسيع الرقابة البرلمانية على أداء الإدارة. فسيطرة الديمقراطيين على رئاسة اللجان ستمنحهم أدوات مؤسساتية مهمة، أبرزها استدعاء المسؤولين والشهود، والمطالبة بالوثائق والسجلات، وفتح التحقيقات في أداء المؤسسات الحكومية.
وهذا يعني أن ترامب قد يجد نفسه أمام تحقيقات متواصلة في قرارات إدارته وسياساتها.
أما مجلس الشيوخ، فسيصبح ساحة أخرى لتقييد نفوذ الرئيس، خصوصاً في ملف التعيينات القضائية والإدارية، إذ يستطيع الديمقراطيون رفض المرشحين الذين تتطلب تعييناتهم موافقة المجلس أو تأخير المصادقة عليهم. وهذا ما يهدد طموح ترامب في ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة الفدرالية.
عاصفة داخل الحزب الجمهوري
لم تقتصر تداعيات الهزيمة الانتخابية على خسارة الجمهوريين للكونغرس، بل امتدت إلى قلب الحزب، حيث بدأت تتصاعد الانقسامات بشأن مستقبله السياسي وحدود نفوذ ترامب وحركة «ماغا». وفي مقدمة المشهد، برز نائب الرئيس جي دي فانس، الذي حاول النأي بنفسه عن العدوان على إيران، بعدما أقرّ بأن الحرب كانت أحد أسباب الهزيمة الانتخابية، في موقف يقرأه مراقبون باعتباره محاولة مبكرة للتمايز عن خيارات ترامب والتمهيد لخلافته في انتخابات 2028.
وتكتسب مواقف فانس أهمية إضافية في ضوء إقراره بأن الناخبين الذين صوّتوا لترامب عام 2024 قد يعودون إلى صفوف الجمهوريين إذا انتهى العدوان على إيران، وأُعطيت الأولوية للمصالح الأميركية، وتغيّرت العلاقة مع كيان الاحتلال، إلى جانب الاهتمام بتكاليف المعيشة.
في المقابل، تتصاعد دعوات داخل الحزب إلى مراجعة النهج الشعبوي والتخلي عن الحروب التجارية والتصعيد الخارجي. فقد حذّر حاكم فلوريدا رون ديسانتيس من أن الجمهوريين باتوا أمام خطر الانقراض السياسي، فيما دعا المشرّع دون بايكون إلى استعادة مبادئ رونالد ريغان. وذهبت النائبة الجمهورية السابقة مارغوري تايلور غرين، المحسوبة سابقاً على تيار «ماغا»، إلى المطالبة بطرد ترامب من الحزب.
وتشير الأرقام الواردة في المعطيات الانتخابية إلى حجم المأزق الذي يواجهه الحزب؛ إذ خسر ما لا يقل عن 46 مرشحاً لمجلس النواب حظوا بدعم ترامب، إضافة إلى 26 مرشحاً لمجلس الشيوخ، ونحو 12 مرشحاً لمنصب حاكم ولاية من أصل 21. وهي حصيلة تطرح تساؤلات جدية حول كلفة ربط مصير الحزب بالولاء الشخصي للرئيس، ومدى قدرة هذا النهج على استقطاب الناخبين المستقلين واللاتينيين وسكان الضواحي.
ويواجه الجمهوريون صراعاً على هوية الحزب وقيادته، فيما يختبر فانس قدرته على وراثة «ماغا» والتحرر من إرث ترامب.
الاقتصاد والهجرة والسياسة الخارجية.. جبهات مفتوحة
لن تبقى المواجهة محصورة داخل أروقة الكونغرس، بل ستمتد إلى الملفات التي تمس حياة الأميركيين مباشرة. فالديمقراطيون يسعون إلى حماية برامج الرعاية الصحية والإنفاق الاجتماعي، مستفيدين من الاستياء الشعبي حيال ارتفاع تكاليف المعيشة. لكن قدرتهم على ترجمة هذه الوعود إلى سياسات فعلية ستبقى مرتبطة بمدى استعداد الإدارة للتفاوض معهم.
وفي ملف الهجرة، ستتحول سياسات ترامب إلى إحدى أبرز ساحات الاشتباك، إذ يستطيع الكونغرس الضغط عبر الموازنات وتشديد الرقابة على الأجهزة المسؤولة عن تنفيذ قوانين الهجرة، وإن كان لا يمتلك صلاحية إلغاء جميع القرارات التنفيذية للرئيس.
خارجياً، ستواجه سياسات ترامب ضغوطاً متزايدة، خصوصاً في ملفات العدوان على إيران والإنفاق الدفاعي والرسوم الجمركية. ورغم احتفاظه بصلاحيات واسعة، فإن الرقابة البرلمانية على التمويل والقرارات الاستراتيجية ستقيّد هامش تحركه، وتحوّل أي تصعيد عسكري أو التزام مالي إلى ساحة مواجهة مع الكونغرس.
ختاما كشفت الهزيمة الانتخابية عمق التصدّع داخل الولايات المتحدة، وأظهرت أن القوة العسكرية والاقتصادية لا تكفي لإخفاء أزمات الداخل وتراجع الثقة بالقيادة. فترامب الذي اعتاد فرض العقوبات والتهديدات وإملاء الشروط على الدول، يجد نفسه اليوم أمام كونغرس معارض وحزب جمهوري تتنازعه الانقسامات وصراع الخلافة. وما يجري في واشنطن يتجاوز خسارة انتخابية عابرة؛ إنه اختبار لهيبة القوة الأميركية وقدرتها على إدارة تناقضاتها.
