«أفشين علا» يستعيد حكاية الإيثار بلغة الشعر وأسئلة الحاضر

«الجارَ ثُمَّ الدّار».. قصيدة تعيد إحياء قيمة تقديم الآخرين على الذات

/ تتجلّى الذائقة الأدبية والشعرية لدى الإيرانيين في إرث ثقافي عريق، تتعانق فيه الحكمة بالعاطفة، والروحانية بالتأمل الإنساني. وفي أجواء إحياء ذكرى استشهاد السيّدة فاطمة الزهراء(س)، أنشد الشاعر الإيراني البارز «أفشين علا» قصيدته الجديدة « الجارَ ثُمَّ الدّار»، مستلهماً من سيرتها العطرة وموقفها الإنساني في تقديم الجار على أهل الدار، كما ورد في الرواية المنقولة عن الإمام الحسن المجتبى(ع). وفي هذه القصيدة، يستعيد علا قيمة الإيثار بلغة شعرية رقيقة، محوّلاً الحكاية إلى رسالة إنسانية وأخلاقية تدعو إلى التضامن والتراحم وتقديم الآخرين على الذات.
«الجارَ ثُمَّ الدّار»
«الجارَ ثُمَّ الدّار»، عبارة مقتبسة من مضمون حديث مشهور عن السيّدة فاطمة الزهراء(س)، وقد رُوي عن الإمام الحسن المجتبى(ع): «رأيت أُمّي فاطمة قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم، وتكثر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أُمّاه، لِمَ لا تدعون لنفسك كما تدعون لغيرك؟ فقالت: يا بُني، الجارَ ثُمَّ الدّار».
حكاية الإيثار في محراب الدعاء
يستحضر الشاعر مشهد السيّدة فاطمة الزهراء(س) وهي غارقة في الدعاء لجيرانها، حتى يستيقظ ابنها الإمام الحسن المجتبى(ع) متسائلاً عن سبب إيثار الآخرين بالدعاء، فتجيبه بوصيتها البليغة: «الجارَ ثُمَّ الدّار».
وفيما يلي بعض أبيات القصيدة باللغة بالعربية:
كنتِ غارقةً في الدُّعاء، والدموعُ تملأ عينيكِ/ تُفكِّرين في الجار، والبيوتُ متلاصقةٌ جداراً بجدار..
ومن فرط ما أكثرتِ الدعاء لهم تلك الليلة/ استيقظ طفلكِ المعصوم من نومه..
نهض من فراشه، وأقبل نحو حِجركِ/ ثمّ قال: «يا أُمّاه، إلى متى يظلّ همُّ الآخرين يشغلكِ؟..
أما دعوتِ اللهَ كثيراً لرفع معاناة الجار؟/ أفلا تذكرين حاجتنا نحن أيضاً، ولو مرّةً واحدة؟»..
احتضنتِه وقبَّلتِه بحنان/ وقلتِ: «لقد نلتُ من حبيبي كلَّ حاجاتي..
فالجارُ أولى من بيتنا، يا مجتبى، احفظ هذه الوصيّة في ذاكرتك...»
ثم ينتقل الشاعر من استحضار الحكاية إلى مخاطبة الحاضر، قائلاً: 
منذ أربعة عشر قرناً، يا سيِّدتي/ نُكثر من مدحكِ؛ لكنّنا لا نفعل سوى ترديد الكلام..
ولو كنّا نحن أيضاً نتراحم ونتفقد بعضنا بعضاً/ لما مرّت علينا لقمةٌ مُرّة، ولا غدت أحوالنا بائسة..
مسيرة أدبية وثقافية
«أفشين علا» كاتب وشاعر إيراني، وُلِد في 24 مارس 1969، في مدينة نور بمحافظة مازندران (شمال البلاد). بدأ بنظم الشعر منذ طفولته، وكانت والدته «بروين‌دخت ملك‌محمدي نوري» أول مَن شجعه، وهي مُعلّمة تمتلك موهبة شعرية وصوتاً عذباً.
تأثر في شبابه بالشاعر محمود كيانوش، واختار شعر الأطفال والناشئة مجالاً رئيسياً لإبداعه، ثم تأثر بتجارب شعراء منهم قيصر أمين‌بور وبيوك ملكي. حصل على شهادة الثانوية في فرع الثقافة والأدب عام 1987، والتحق في العام نفسه بكلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة طهران.
عمل مع مجلتي «كيهان بجه‌ها» و«سروش نوجوان»، وشارك مع فريدون عموزاده خليلي في تأسيس صحيفة «آفتاب‌كردان»، أول صحيفة للأطفال في إيران. كما تولى مسؤوليات تحريرية وإذاعية وثقافية متعددة، وكان عضواً في مجلس إدارة جمعية الشعراء الإيرانيين حتى عام 2016.
الجار أولاً.. والإنسانية هي الدار
تُقدِّم قصيدة «أفشين علا» رسالةً تتجاوز حدود الشعر لتلامس جوهر العلاقات الإنسانية؛ فالإيثار ليس ذكرى نستحضرها فحسب، بل قيمة نُحييها بالممارسة ونجسّدها في سلوكنا اليومي، والجار ليس مجرد إنسان يجاور بيتنا، بل جزء من مسؤوليتنا الأخلاقية. وهكذا تصبح عبارة «الجارَ ثُمَّ الدّار» نداءً للمحبة والتراحم، وتذكيراً بأن إنسانية البيوت تبدأ من إنسانية ساكنيها تجاه الآخرين.
البحث
الأرشيف التاريخي