الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وأربعة وتسعون - ٠٤ نوفمبر ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وأربعة وتسعون - ٠٤ نوفمبر ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

تحولات سياسية متسارعة تكشف تراجع نفوذ التدخل الأميركي

أميركا اللاتينية تستعيد صوتها؛ من انتصار لولا إلى صمود كوبا

/ يرى محلل تشيلي أن إلقاء نظرة على التطورات الأخيرة في أميركا اللاتينية، بدءاً من الفوز غير المتوقع لـ«لولا دا سيلفا» في الانتخابات الرئاسية البرازيلية، وصولاً إلى المواجهة الشجاعة لوزير الخارجية الكوبي في الأمم المتحدة، وتصويت الجمعية العامة بشأن العقوبات، يكشف عن مؤشرات على صحوة جديدة للشعوب وفشل السياسات التدخلية القديمة للإمبريالية في المنطقة.
ففي أعقاب التقدم الذي بدا عاصفاً لمبدأ مونرو والقوى الرجعية والبدائية المرتبطة به، شمال نهر ريو غراندي وجنوبه (في إشارة إلى جانبي الحدود بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية)، بدأت أخيراً تطورات لافتة للنظر تشهدها أميركا اللاتينية. فمن الفوز المفاجئ والحاسم للولا دا سيلفا في الانتخابات الرئاسية البرازيلية، إلى الموقف المشرف الذي اتخذه وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز في الأمم المتحدة، بدأت تظهر بوادر التغيرات الأولية.
وأضاف الصحفي والمحلل الأوكراني-التشيلي أوليغ ياسينسكي في هذا المقال: «أعتقد أن التحولات السياسية الناشئة حقاً لا يمكن قياسها وفقاً للنماذج السابقة، ولا سيما في الوقت الراهن، بعدما فقد الجميع الأمل في التيارات اليسارية السطحية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة. وهي تيارات لم تقدم للمجتمع، بدلاً من العمل الحقيقي، سوى آمال زائفة أدت إلى إصابته بالسلبية والجمود؛ تماماً على غرار البرنامج الأميركي «التحالف من أجل التقدم» في ستينيات القرن الماضي، الذي صُمم لتحييد تأثير الثورة الكوبية. ومن الصادم للغاية أن نرى كيف يعود التاريخ الذي مضى عليه أكثر من نصف قرن ليلاحقنا مجدداً، ويضعنا بصورة مفاجئة على حافة الهاوية السياسية التي نواجهها اليوم».
وتابع الكاتب: «كانت وفاة المخرج الوثائقي التشيلي الكبير باتريسيو غوزمان مناسبة دفعتني إلى مشاهدة تحفته السينمائية «معركة تشيلي» مرة أخرى. ففي الجزء الثالث من الفيلم، الذي يحمل عنوان «السلطة الشعبية»، نشاهد الشعب الواعي والمستيقظ في عهد «أليندي»؛ ذلك الشعب الذي كان، بوعيه وحزمه، متقدماً حتى على قادته أنفسهم. ويساعدنا هذا الفيلم على إدراك الفرق بين الثورة الحقيقية والاحتجاجات الشكلية التي نشهدها هذه الأيام، والتي لا تؤدي إلا إلى زيادة معاناتنا.
فعندما تتعلم الشعوب التفكير بنفسها والتوحد، يشعر الحكّام وأصحاب السلطة بالخوف. وهذا تحديداً ما يفسر العنف المروع الذي اتسمت به الانقلابات في أميركا اللاتينية خلال سبعينيات القرن الماضي؛ إذ كان منفذوها يدركون جيداً طبيعة الشعوب الواعية التي يواجهونها، ولذلك لجؤوا إلى القبضة الحديدية لإخضاعها وقمعها مجدداً.
وخلال العقود الماضية، شهدنا كيف وصلت بعض حكومات أميركا اللاتينية إلى السلطة رافعة شعارات التغيير الديمقراطي؛ لكنها لم تتمكن من إحداث تغيير عميق، ولا من الدفاع عن إنجازاتها، ولا من خلق قيم جديدة؛ ولهذا السبب، سقطت بالسرعة نفسها التي صعدت بها».
ووفقاً لصاحب المقال، فإن اليمين المتطرف، الذي لم تقضِ عليه هذه الثورات المزعومة، بل لم تتمكن حتى من إضعافه، ظل خلال السنوات الأخيرة ينتظر بصبر، ويجمع القوة والثروة والتكنولوجيا. وبالاعتماد على حليفه الجديد في البيت الأبيض، شن مجدداً، وبنجاح، هجوماً مضاداً على الخريطة السياسية للقارة، مستخدماً الحيلة ذاتها المتمثلة في التغيير الديمقراطي.
ونحن الآن نراقب بخوف وارتجاف عودة وحوش من أعماق التاريخ، كنا نعتقد حتى وقت قريب أنها انقرضت؛ إنه مشهد حزين وخانق ومدمر.
دروس البرازيل
لكن أحداث الأسبوع الماضي أظهرت أن جميع الأطر والتصورات تنهار مجدداً؛ ففي البرازيل، وعلى خلاف جميع التوقعات والحسابات والتنبؤات والظنون والتكهنات، حقق لولا دا سيلفا فوزاً حاسماً للغاية في الانتخابات، رغم أن كل الظروف كانت عملياً ضده.
أمّا منافسه، فلافيو بولسونارو، فقد اختار طريقاً ثالثاً بين الاعتراف بالنتيجة والتحول إلى زعيم للمعارضة، وهو الفرار إلى الولايات المتحدة برفقة عائلته؛ في هروب يشبه تماماً فرار ديكتاتور نيكاراغوا سوموزا عام 1979، وذلك وفق خطة وضعها أكثر الشخصيات السياسية شؤماً في الأرجنتين، سانتياغو كابوتو، العقل المدبر والمستشار المقرب للرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي.
ورغم أن فرار بولسونارو كان الحدث الأكثر إثارة للاهتمام في هذه المرحلة، ومادة دسمة لوسائل الإعلام، فإن النقطة الأهم في الانتخابات البرازيلية تمثلت في القدرة الهائلة والمذهلة التي أظهرها اليسار البرازيلي على التعبئة خلال ثلاثة أسابيع فقط؛ وهو جهد شاق وواضح المعالم، نجح في تغيير الأجواء السياسية لمصلحة لولا، بعدما بدا أنه لا يملك أي فرصة للفوز.
وأضاف المحلل: «أعتقد أن تناول الانتصارات لا يقل أهمية عن تحليل الهزائم. فإذا انتهى هذا الانتصار الانتخابي إلى شعور جماعي بالغرور، وأربع سنوات من الخمول والاكتفاء بالتغني بأمجاد الماضي، فإنه سيتحول حتماً إلى هزيمة أخرى.
إن هزيمة المرشح المرتبط بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في أكبر دولة بأميركا اللاتينية تُعد خبراً رائعاً؛ لكن علينا أن نتذكر أيضاً الجهات الأخرى التي كانت ترغب في هزيمته. فلم تقتصر هذه الجهات على التيارات اليسارية والمناهضة للتطرف، بل شملت كذلك الحزب الديمقراطي الأميركي وحلفاءه الغربيين.
ومن المؤكد أن الهاجس الرئيسي لهذه المجموعة الأخيرة لم يكن إنقاذ استقلال البرازيل أو مكافحة اليمين. فأميركا اللاتينية، بالنسبة إليهم، ليست سوى ساحة لصراع القوى بين نموذجين من الإمبريالية: أحدهما يرتدي قناعاً غربياً منافقاً ومرائياً، والآخر يظهر بوجه ترامب القاسي الذي لا يعرف الرحمة. فهؤلاء أيضاً يدافعون عن مبدأ مونرو نفسه، وعن العقوبات ذاتها المفروضة على كوبا، وما زالوا ينظرون إلى أميركا اللاتينية باعتبارها حديقتهم الخلفية؛ لكنهم لا يعلنون هذه النظرة على الملأ. ويفضلون أن يظهروا بمظهر المنتقد للكيان الصهيوني أو لديكتاتورية بينوشيه؛ لكنهم يتظاهرون بنسيان أن كليهما نشأ وترعرع نتيجة سياسات الحكومات الغربية السابقة، وكان من صنعها ونتاجاً لها».
وأكد ياسينسكي: «لا أشك في أنهم سيبذلون كل ما في وسعهم لاستغلال انتصار لولا بما يخدم مصالحهم، وهم ليسوا قليلي الخبرة في هذا المجال». وشدد على أن «الفائز الرئيسي والحقيقي في هذه الانتخابات له اسم واحد فقط: الشعب البرازيلي»، مضيفاً: «لهذا السبب، من المهم للغاية ألّا يسرق أحد هذا الانتصار من الشعب غداً. فتحويل النجاح الانتخابي إلى انتصار حقيقي يتطلب الكثير من العمل والجهد، وقد أثبتت البرازيل أن تحقيق ذلك أمر ممكن».
كوبا؛ اختبار الاستقلال
وأضاف الكاتب: «أن حدثاً رمزياً آخر، تألف من شقين، وقع في مقر الأمم المتحدة بنيويورك. فمنذ سنوات، تتحمل الوفود الكوبية، بصبر وثبات، الوقاحة الصريحة والاتهامات والإهانات التي يوجهها الممثلون الرسميون للولايات المتحدة».
وفي يوم الثلاثاء، 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، كسر وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز الصمت أخيراً، ووقف في وجه السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، الذي كان قد وجّه من على منبر مجلس الأمن، وبغطرسته المعتادة، التهديدات والإهانات إلى كوبا، مدعياً أنه «لا يوجد أي حصار».
وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد نشر قبل أيام رسالة علنية دعا فيها الجواسيس الكوبيين إلى العمل لمصلحة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، ثم أصدر أمراً بطرد السكرتير الأول للبعثة الكوبية لدى الأمم المتحدة من الأراضي الأميركية. ومع ذلك، وخلال التصويت الذي جرى في 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، للعام الرابع والثلاثين على التوالي، قراراً يدعو بحزم إلى إنهاء الحصار والعقوبات الأميركية المفروضة على كوبا. ورغم اعتماد هذه الوثيقة مجدداً، فإن وسائل الإعلام الأميركية تتحدث عن نتائج التصويت بابتهاج، وتصفها بأنها «أدنى مستوى من الدعم الدولي لكوبا». وأظهرت النتائج الرسمية للتصويت تغيراً في الأرقام، إذ صوّتت 130 دولة لمصلحة رفع العقوبات، مقابل 17 دولة عارضت القرار، وامتنعت 25 دولة عن التصويت.
وصحيح أن هذا الوضع يختلف عما كان عليه في العام الماضي، عندما تمكنت كوبا من الحصول على أغلبية حاسمة بلغت 165 صوتاً مؤيداً، مقابل 7 أصوات معارضة فقط، و12 دولة امتنعت عن التصويت. كما أن عدداً من حكومات أميركا اللاتينية، من بينها كولومبيا والأرجنتين وباراغواي والإكوادور وكوستاريكا، غيّرت مواقفها التاريخية، وصوّتت ضد القرار إلى جانب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وأوكرانيا وغيرها من الجهات التابعة لها، لتشكل بذلك أكبر كتلة معارضة في تاريخ هذا القرار؛ لكن المثير للاهتمام هو أن هذا الانتصار المكلف والمفصّل على مقاس ترامب بات يواجه الآن حدثين غير متوقعين.
فمن جهة، كشف هذا الحدث أمام أنظار العالم الخريطة السياسية المحدّثة للاستعمار الجديد؛ إذ أظهر الدول التي لم تعد تجرؤ على التعبير عن آرائها بصورة مستقلة، والقوى الأوروبية التقليدية، مثل ألمانيا وإيطاليا، التي امتنعت للمرة الأولى منذ عقود عن دعم هذه الجزيرة، من خلال تصويتها التاريخي بالامتناع، لتثبت أنها لم تعد تملك الجرأة أو الرغبة في استقلالية القرار. وكشف كذلك عن الحكومات العميلة التي نصّبتها الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية خلال هذه السنوات، والتي لا تفوّت أي فرصة لإظهار الخضوع والتبعية. ومن جهة أخرى، لم يتمكن ترامب، رغم كل الإهانات والابتزاز والتهديدات والوعود، من إجبار 129 حكومة أخرى على التخلي عن التعبير عن تضامنها مع كوبا. واليوم، يدرك الجميع جيداً أن هذا التصويت لا يتعلق بالعقوبات المفروضة على كوبا فحسب، بل يمثل المعيار الأكثر دقة لقياس السيادة الحقيقية للدول والحكومات؛ وهو معيار يتجاوز بكثير التوجهات السياسية التقليدية. وجاء في ختام المقال: إن «أميركا اللاتينية والعالم عادا إلى الحركة مجدداً، ليضعا أمامنا آفاقاً وتحديات وآمالاً جديدة. فالمستقبل لم يُكتب بعد، وأبعاده تتشكل بما يتجاوز مجرد عملية تصويت أو انتخابات بعينها. والآن، بعد كل هذه السنوات والأشهر الصعبة، بدأ المارد النائم لهذه القارة يستيقظ من سباته مجدداً. ولم يذهب أي جهد سدى؛ فالصمود العنيد لكوبا الصغيرة، وهدير الشوارع البرازيلية، يسعيان إلى التلاقي والتكاتف في هذه المرحلة الجديدة. لم يضع شيء بعد؛ وما علينا سوى أن نتعلم دروس التاريخ بصورة أعمق وأفضل».
البحث
الأرشيف التاريخي