الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وثلاثة وتسعون - ٠٣ نوفمبر ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وثلاثة وتسعون - ٠٣ نوفمبر ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

من روما وباريس إلى مدريد وبروكسل؛

شوارع أوروبا المضطربة.. أين تكمن جذور الغضب الشعبي؟

/ شهدت شوارع العاصمة الإيطالية روما تظاهرات شارك فيها آلاف العمّال والطلاب والمواطنين المحتجين على السياسات الاقتصادية والعسكرية للحكومة الإيطالية. وانطلقت حشود المتظاهرين من أمام محطة السكك الحديدية المركزية، ومرّت بالقرب من مَعلم كولوسيوم التاريخي، معلنة رفضها لارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وزيادة الإنفاق العسكري.
وجاءت هذه الحركة الاحتجاجية في إطار إضراب عام استمر 24 ساعة، بدعوة من الاتحاد النقابي العمّالي «يو إس بي»، وامتدت إلى أكثر من 40 مدينة إيطالية. وأعلنت الجهة المنظمة أن عدد المشاركين في الاحتجاجات على مستوى البلاد تراوح بين مليون ومليون ونصف المليون شخص. وفي روما، ردَّد المتظاهرون شعارات مناهضة للسياسات الاقتصادية لحكومة جورجيا ميلوني، مطالبين بزيادة الأجور وتخصيص المزيد من الموارد للتعليم والإسكان والخدمات العامة. وأظهر شعار «نحن بحاجة إلى منازل، لا إلى قنابل»، الذي تردَّد صداه وسط الحشود، بوضوح كيف امتزج الاحتجاج على المشكلات المعيشية بمعارضة زيادة الإنفاق العسكري. وفي ميلانو، خرج الطلاب إلى الشوارع تحت شعار «سنستعيد مستقبلنا». وفي جنوى، دخل نحو 15 ألفاً من عمّال الموانئ والطلاب وغيرهم من المحتجين إلى منطقة الميناء، معلنين رفضهم لاستخدام الموانئ لنقل الشحنات العسكرية. أمّا في تورينو، فاستخدمت الشرطة مدافع المياه لإبعاد مجموعة من المتظاهرين. وكانت التظاهرات في إيطاليا سلمية إلى حد كبير؛ لكنها أدت في روما وعدة مدن أخرى إلى مواجهات بين الشرطة وعدد من المحتجين. وفي العاصمة، أقامت مجموعة من المتظاهرين حواجز في الشوارع وأضرمت النار في حاويات النفايات لمواجهة قوات الأمن. وتدخلت الشرطة لمنع المحتجين من التوجه نحو البرلمان، واعتقلت عدداً منهم. ومع ذلك، فإن أهمية التطورات في إيطاليا تتجاوز المشاهد التي شهدتها شوارع روما؛ إذ أصبحت البلاد الآن إحدى بؤر موجة من الاستياء الاجتماعي التي امتدت خلال الأسابيع الأخيرة من جنوب أوروبا إلى شمالها، ووضعت الحكومات أمام تساؤلات صعبة بشأن المستقبل الاقتصادي والاجتماعي للقارة.
من باريس إلى مدريد.. شوارع لا تعرف الهدوء
تُعدّ فرنسا إحدى أبرز بؤر هذه الموجة الاحتجاجية، التي بدأت في أواخر سبتمبر نتيجة استياء التلاميذ من نقص المعلمين، وتهالك المدارس، وعدم ملاءمة المرافق التعليمية، ثم تحولت تدريجياً إلى حركة واسعة مناهضة لارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع جودة الخدمات العامة، والسياسات الاقتصادية للحكومة. وقد بلغت هذه الاحتجاجات حجماً كبيراً، إذ تشير إحصاءات وزارة الداخلية الفرنسية إلى خروج نحو 550 ألف شخص إلى الشوارع في مختلف أنحاء البلاد. وبعد أسبوع، شارك نحو 410 آلاف شخص في التظاهرات. وحشدت الحكومة الفرنسية نحو 70 ألف عنصر من الشرطة والدرك لمواجهة الجولة الجديدة من الاحتجاجات. ويُعد تقييد مسارات المسيرات في باريس، ومنع الدخول إلى بعض المناطق، وفرض قيود ليلية، من بين الإجراءات التي اتخذتها السلطات الفرنسية للسيطرة على الأوضاع.
وفي إسبانيا، أشعلت أزمة الإسكان شرارة الغضب الشعبي. فقد أثار طرد امرأة تبلغ من العمر 87 عاماً من منزل في مدريد، عاشت فيه نحو سبعة عقود، موجة من الاحتجاجات. وأثّر انتشار صور نقل المرأة المسنة من منزلها على نقالة في الرأي العام بشدة، فيما ضاعفت وفاتها في المستشفى غضب المحتجين. وخرج آلاف الأشخاص إلى شوارع مدريد وبرشلونة، ونصب عدد من المتظاهرين خياماً في ساحة بويرتا ديل سول، مطالبين بالتصدي لارتفاع الإيجارات ومنع طرد المستأجرين.
وامتدّ نطاق الاستياء في إسبانيا إلى الساحة السياسية أيضاً. فقد مهّد إخفاق حكومة بيدرو سانشيز في حشد دعم البرلمان لإقرار إجراءات طارئة للسيطرة على أزمة الإسكان الطريق أمام الإعلان عن انتخابات مبكرة. وأظهر هذا التطور كيف يمكن للاحتجاجات في الشوارع أن تتحول إلى قضية حاسمة في المعادلات السياسية للبلاد. وفي البرتغال المجاورة لإسبانيا، لا تمرّ البلاد بأيام هادئة أيضاً. فقد تظاهر عشرات الآلاف في لشبونة احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة الإسكان. ونصب عدد من الشباب خياماً في الساحات العامة في لشبونة وبورتو، احتجاجاً على عجزهم عن تأمين المأوى. وفي بلجيكا، شهدت بروكسل مشاركة عشرات الآلاف من المحتجين على سياسات التقشف الحكومية. ووفقاً لإحصاءات الشرطة، شارك نحو 30 ألف شخص في التظاهرات، فيما قدرت النقابات العمالية عدد المشاركين بنحو 50 ألفاً. ولم تكن اليونان بعيدة عن هذه الموجة؛ إذ تظاهر نحو 10 آلاف تلميذ وطالب ومعلم في أثينا، مطالبين بزيادة ميزانية التعليم، وتحسين مرافق المدارس، وخفض تكاليف السكن الطلابي. كما شهدت سالونيك ومدن يونانية أخرى احتجاجات مماثلة.
وفي ألبانيا، اشتدّت الاحتجاجات المناهضة لحكومة إيدي راما، التي كانت قد بدأت قبل خمسة أشهر، مع انضمام الطلاب إليها في أكتوبر. ويُعدّ الاستياء من الفساد والمشكلات التعليمية ومحدودية فرص العمل من أبرز الأسباب التي تقف وراء هذه الاحتجاجات. وفي الوقت نفسه، وصلت موجة الاستياء إلى ألمانيا أيضاً، حيث دعت مجموعة من الشباب الألمان إلى تنظيم تجمعات يوم السبت في 34 مدينة، بينها برلين وميونيخ. وأعلن المنظمون أن أكثر من 160 ألف شخص أبدوا استعدادهم للمشاركة عبر الإنترنت.
من أين انطلقت الشرارة؟
تُظهر نظرة إلى خريطة الاحتجاجات في أوروبا أن هذه الحركات لم تنطلق من نقطة واحدة، وأن جميع المحتجين لا يتبنون المطالب نفسها. ففي فرنسا، شكّل نقص المعلمين والمشكلات التعليمية أحد الأسباب الرئيسية للاحتجاجات، فيما كانت أزمة الإسكان في إسبانيا والبرتغال، وسياسات التقشف في بلجيكا، والضغوط المعيشية وزيادة الإنفاق العسكري في إيطاليا، من أبرز العوامل التي أدت إلى اندلاعها.
ورغم هذه الاختلافات، يمكن ملاحظة خيط مشترك يربط بين هذه التطورات؛ إذ يشعر قطاع كبير من المواطنين الأوروبيين، ولا سيما الشباب، بأن الدخول والإمكانات المتاحة لم تعد تكفي لتغطية تكاليف المعيشة، وأن الوعود بمستقبل أفضل تصبح يوماً بعد يوم أكثر صعوبة في التحقق. وترسم الإحصاءات الرسمية أيضاً صورة مقلقة عن الضغوط الاقتصادية. فوفقاً لتقرير مكتب إحصاءات الاتحاد الأوروبي، بلغ معدل التضخم السنوي في منطقة اليورو 8/3% في سبتمبر 2026، مقارنة بـ2/3% في أغسطس. كما ارتفعت أسعار الطاقة بنسبة 9/18% مقارنة بالعام السابق. وتكشف أزمة الإسكان جانباً آخر من هذا الاستياء. وتُظهر بيانات «يوروستات» أن أسعار شراء المساكن في البرتغال ارتفعت بنحو 180% منذ عام 2015 وحتى نهاية عام 2025. وقد جعلت هذه القفزة، إلى جانب النمو المحدود للدخول، حصول قطاع كبير من جيل الشباب على مسكن أمراً صعباً. وتجاوزت هذه المشكلات الآن مستوى الاستياء الاقتصادي، لتتحول إلى تساؤل بشأن العلاقة بين الحكومات والمواطنين. فلماذا أصبح الشباب في بلدان لطالما تباهت بالرفاه العام والأمن الاجتماعي بوصفهما من إنجازاتها، مضطرين إلى النزول إلى الشوارع للاحتجاج من أجل الحصول على أبسط احتياجات الحياة، من التعليم المناسب إلى السكن والعمل؟
وتناول مدير برامج أوروبا وروسيا في مركز الأبحاث البريطاني تشاتام هاوس، غريغوار روس، هذه القضية في تحليل نشره الأسبوع الماضي. ويرى أن العقد الاجتماعي في أوروبا استند خلال العقود الماضية إلى توقعات بزيادة الرفاه والأمن الاقتصادي وتحقيق حياة أفضل للأجيال المقبلة؛ لكن هذه التوقعات تعرضت الآن لتراجع شديد. ولفت الاقتصادي الإيطالي لورينزو بيني سماغي، في تحليل نشرته جامعة بوكوني، الانتباه أيضاً إلى الفجوة بين الأجيال. وكتب أن «الحكومات الأوروبية خصصت مع مرور الوقت حصة أقل من الإنفاق العام للتعليم، في حين ارتفعت حصة نفقات التقاعد». ويرى أن قسماً كبيراً من النقاشات السياسية والإعلامية يقتصر على أعمال العنف التي تقع على هامش الاحتجاجات، بينما لا يحاول سوى عدد قليل الإجابة عن السؤال المتعلق بسبب استياء هذا العدد الكبير من الشباب، الذين يحتجون غالباً بصورة سلمية، من مستقبلهم. ويتوافق هذا التحليل مع نتائج دراسات أخرى بشأن أوضاع الشباب الأوروبي. فوفقاً لبيانات الاتحاد الأوروبي، يعتبر 40% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و30 عاماً أن تكاليف المعيشة من أبرز مصادر قلقهم. كذلك، كان نحو 3/26% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً معرضين لخطر الفقر أو الحرمان الاجتماعي في عام 2025. وبالنسبة إلى هذا الجيل، لا تقتصر المشكلة على ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، بل إن القلق الأعمق يتمثل في أن سنوات الدراسة والجهد لا تؤدي بالضرورة إلى الحصول على وظيفة ذات دخل مناسب، ومسكن مستقل، وحياة مستقرة.
من تكاليف الحروب إلى الضغوط على موائد المواطنين
إلى جانب المشكلات الهيكلية، فرضت التطورات الجيوسياسية وزيادة الإنفاق العسكري ضغوطاً جديدة على الاقتصاد الأوروبي. فقد أدت تداعيات العدوان العسكري الأميركي - الصهيوني على إيران، والاضطرابات في أسواق الطاقة، إلى زيادة تكاليف استيراد الوقود والإنتاج في الدول الأوروبية. وتأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه العديد من الحكومات الأوروبية تواجه أصلاً مشكلات تتعلق بالدين العام، وضعف النمو الاقتصادي، ومحدودية موارد الميزانيات.
وحذّر مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، دان يورغنسن، من أن أوروبا تواجه مجدداً أزمة طاقة، وأن شتاءً صعباً ينتظر المواطنين واقتصاد القارة. ووفقاً لما أوردته شبكة يورونيوز، قدّرت الهيئة الرقابية على سوق الطاقة في الاتحاد الأوروبي أن تداعيات الحرب ضد إيران أدت إلى زيادة تكاليف واردات الغاز الأوروبية بما يتراوح بين 18 و33 مليار يورو. وقد تحولت هذه الضغوط الآن إلى أحد أسباب الاستياء الاجتماعي؛ إذ تؤثر زيادة تكاليف الطاقة تدريجياً في أسعار النقل والإنتاج والخدمات والسلع الاستهلاكية، وتؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية للأسر التي كانت تعاني أصلاً من الضغوط الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، أدت قرارات الحكومات الأوروبية بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى تصاعد الجدل بشأن أولويات الميزانيات. ويتساءل المحتجون عن سبب زيادة الموارد المالية المخصصة للبرامج العسكرية، في حين تعاني المدارس من نقص الإمكانات، وتزداد صعوبة الحصول على مساكن مناسبة.
وقد تجلّى هذا الاعتراض بوضوح في الشعارات التي رُفعت خلال التظاهرات في شوارع إيطاليا. فقد سار العمّال الذين يعانون من ارتفاع أسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية جنباً إلى جنب مع الطلاب المطالبين بزيادة ميزانية التعليم وخفض الإنفاق العسكري.
بطبيعة الحال، لا يمكن إرجاع جميع الاحتجاجات الأوروبية إلى تداعيات الحرب أو السياسات العسكرية. فأزمة الإسكان في إسبانيا والبرتغال، ومشكلات الخدمات العامة في فرنسا، لها جذور أقدم. ومع ذلك، فإن ارتفاع تكاليف الطاقة والضغوط على الميزانيات أديا إلى تفاقم المشكلات المتراكمة، وزيادة القيود المفروضة على قدرة الحكومات على الاستجابة للمطالب.
ردّ الحكومات.. الحوار أم المواجهة الأمنية؟
في ظل اتساع نطاق الاستياء، أصبحت طريقة تعامل الحكومات الأوروبية مع المحتجين أيضاً أحد المحاور الرئيسية للجدل. وتُعدّ فرنسا من أكثر النماذج إثارة للجدل في هذا السياق. فقد ذكرت صحيفة لوموند، في تقرير لها، أن 6877 شخصاً اعتُقلوا ونُقلوا إلى مراكز الاحتجاز خلال الاحتجاجات الطلابية، في الفترة الممتدة من 23 أغسطس 2026 وحتى 8 أكتوبر 2026، وكان 86% منهم دون السن القانونية. وأثار انتشار صور تعامل قوات الأمن مع المراهقين، والتقارير التي تحدثت عن إصابة عدد من التلاميذ بجروح خطيرة، انتقادات واسعة. وعزت السلطات الفرنسية تدخل الشرطة إلى أعمال العنف وتخريب الممتلكات العامة؛ لكن المنتقدين يرون أن الاستخدام الواسع للإجراءات الأمنية أسهم في تأجيج الغضب الشعبي.
وفي بلجيكا أيضاً، شهدت تظاهرات النقابات العمالية في بروكسل، التي كانت سلمية إلى حد كبير، اشتباكات على هامش التجمعات. واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه والهراوات لمواجهة مجموعات أقدمت على رمي أشياء وإشعال حرائق.
أمّا في البرتغال، فقد أثارت الأحداث رد فعل من منظمة العفو الدولية. وأعلنت المنظمة يوم 15 أكتوبر 2026 أنه وفقاً للتقارير الأولية، أدى تدخل الشرطة لفض اعتصام سلمي للمحتجين على أزمة الإسكان في بورتو إلى إصابة 37 شخصاً.
وفي ألبانيا، كانت المواجهات أشدّ بكثير. فقد أعلن مركز الدراسات الشرقية البولندي، في تقرير له، أنه حتى 22 أكتوبر 2026، اعتُقل أو احتُجز نحو ألف متظاهر، وواجه ما لا يقل عن 388 شخصاً اتهامات قضائية. وتُظهر هذه الأمثلة أن الحكومات الأوروبية تواجه تحدياً مزدوجاً؛ فمن جهة، تقع على عاتقها مسؤولية الحفاظ على الأمن العام ومنع تخريب الممتلكات، ومن جهة أخرى، تواجه طريقة أدائها لهذه المسؤولية انتقادات تتعلق بتقييد حرية التجمعات والاستخدام غير المتناسب للقوة. والأهم من ذلك أن التعامل الأمني، حتى لو تمكن من تهدئة الشوارع لبعض الوقت، لا يعني بالضرورة معالجة أسباب الاستياء. وهذه هي القضية التي يعتبرها بعض المحللين الأوروبيين أحد عوامل استمرار الاحتجاجات.
لماذا لا تنطفئ نيران الاحتجاجات؟
ينبغي البحث عن الإجابة عن هذا السؤال في الفجوة القائمة بين مطالب المواطنين واستجابات الحكومات. فالاحتجاجات التي تبدأ في البداية من مدرسة أو حي أو قرار اقتصادي، تتسع رقعتها عندما ترى فئات أخرى من المجتمع أن مشكلاتها تنعكس فيها أيضاً. ففي فرنسا، تحولت احتجاجات التلاميذ على نقص الإمكانات التعليمية إلى حركة أوسع مناهضة لارتفاع تكاليف المعيشة. وفي إيطاليا، وقف الطلاب والعمال جنباً إلى جنب. أمّا في إسبانيا، فقد أدى طرد مستأجرة مسنة إلى خروج الاستياء المتراكم من أزمة الإسكان إلى الشوارع. وما يجمع هذه الاحتجاجات هو الشعور المشترك لدى فئات من المجتمع بأن مطالبها يجري تجاهلها. ويعتقد كثير من المحتجين أن المشكلات التي تحولت اليوم إلى أزمات كانت موجودة منذ سنوات؛ لكن الحكومات لم تتمكن من تقديم حلول مستدامة لها.
ومن هذا المنظور، فإن الاتساع الجغرافي للاضطرابات لا يعني بالضرورة نشوء حركة موحدة في جميع أنحاء أوروبا، بل يشير إلى تزامن عدة أزمات اجتماعية يعزز بعضها بعضاً في ظل الضغوط الاقتصادية وانعدام الثقة بالمؤسسات السياسية. والآن، مع اقتراب فصل الشتاء، وارتفاع تكاليف الطاقة، واستمرار المشكلات المعيشية، تواجه الحكومات الأوروبية، أكثر من أي وقت مضى، تساؤلاً حول كيفية تحقيق التوازن بين الإنفاق العسكري والالتزامات الاجتماعية والقيود المفروضة على الميزانيات، من دون تحميل المواطنين مزيداً من الضغوط. وتُظهر الصور التي شهدتها الأسابيع الأخيرة، من روما وباريس إلى مدريد وبروكسل، أن قضية أوروبا لم تعد تقتصر على تنظيم عدد من التظاهرات المتفرقة؛ فالفجوة التي تشكلت على مدى سنوات بين التوقعات الاجتماعية وأداء الحكومات أصبحت الآن واضحة في الشوارع.
وفي نهاية المطاف، ينبغي البحث عن الإجابة عن سؤال أسباب استمرار الاحتجاجات في هذه الفجوة نفسها؛ فما دامت الخلافات بشأن الأولويات الاقتصادية والعسكرية للحكومات قائمة، فإن احتمالات انحسار الاستياء بصورة مستدامة ستظل محدودة. وتواجه أوروبا اليوم اختباراً لن تحدد نتائجه أعداد قوات الشرطة المنتشرة في الشوارع، بل مدى قدرة الحكومات على الاستجابة لمطالب تراكمت على مدى سنوات، وأصبح صوتها يُسمع في هذه الأيام أعلى من أي وقت مضى.
 
البحث
الأرشيف التاريخي