أمريكا في مواجهة شبابها

جيل «زد» ينتفض على خيبات الداخل وفاتورة الحروب؛ ويدير ظهره لصناديق الاقتراع

/ مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، تواجه واشنطن اختباراً يتجاوز صراع الجمهوريين والديمقراطيين، ليكشف أزمة تضرب قلب النظام الأمريكي. فخلف صورة القوة العسكرية والهيمنة الاقتصادية وشعارات الدفاع عن الديمقراطية، تتفاقم أزمات المعيشة والسكن والتعليم والرعاية الصحية، ويبرز جيل «زد» بوصفه مرآةً لأزمة الثقة المتصاعدة؛ جيل يتساءل عن جدوى الانتخابات وقدرة صناديق الاقتراع على تغيير واقعه، بعدما بات يشعر بأن النخب تتبادل السلطة، فيما تبقى أزماته بلا حلول جذرية.
مليارات للحروب.. وشباب عاجز عن تأمين أبسط مقومات الحياة
تكشف المفارقة الاقتصادية الأمريكية عن تناقض جوهري في أولويات الدولة. فبينما تتصدر القوة العسكرية والحسابات الاستراتيجية اهتمامات واشنطن، تتراجع قدرة قطاعات من المجتمع على تأمين احتياجاتها الأساسية، ويجد الشباب أنفسهم أمام معادلة قاسية تجمع بين ارتفاع الأسعار وصعوبة الحصول على مسكن مستقل وتزايد القلق بشأن الوظائف والاستقرار المالي.
وتشير بيانات الاحتياطي الفدرالي الأمريكي الصادرة في مايو/أيار 2026، بشأن الأوضاع الاقتصادية للأسر خلال عام 2025، إلى استمرار ارتفاع الأسعار بوصفه أحد أبرز مصادر القلق المالي لدى الأمريكيين، كما أظهرت أن 49% من الشباب دون الثلاثين كانوا يعيشون مع أحد الوالدين، بزيادة 12 نقطة مئوية مقارنة بعام 2019. 
وفي المقابل، بلغ الإنفاق العسكري الأمريكي نحو 954 مليار دولار خلال عام 2025، وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، لتبقى الولايات المتحدة أكبر منفق عسكري في العالم.
وتطرح هذه المفارقة سؤالاً جوهرياً بشأن أولويات الإنفاق العام: كيف تعبّئ الدولة موارد هائلة لحماية نفوذها العسكري العالمي، بينما يعجز مواطنون عن تأمين احتياجاتهم الأساسية من السكن والتعليم والرعاية الصحية؟.
الحروب تستنزف أمريكا والحريات تُقمع
في الداخل
في غزة، كشف الدعم العسكري والسياسي الأمريكي لكيان الاحتلال الهوة العميقة بين خطاب واشنطن عن حقوق الإنسان والقانون الدولي ومواقفها العملية من العدوان وكارثته الإنسانية.كما أعاد العدوان على إيران فتح التساؤلات بشأن كلفة الانخراط العسكري الأمريكي في المنطقة، وحجم الموارد التي تُسخّر للصراعات الخارجية. لكن فاتورة الحروب لا تُقاس بالمال وحده، فالدولة التي تقدم نفسها مدافعة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان تجد نفسها أمام تساؤلات محرجة بشأن تعاملها مع الأصوات المعارضة داخل جامعاتها ومؤسساتها، خصوصاً عندما تنتقد هذه الأصوات سياساتها تجاه غزة وإيران. وفي الجامعات الأمريكية، تحولت الاحتجاجات المناهضة للحرب على غزة إلى ساحة مواجهة بين الطلاب والإدارات الجامعية والسلطات الحكومية، وسط إجراءات تأديبية وتحقيقات واعتقالات طالت بعض المشاركين، ووصلت تداعياتها إلى ملفات التأشيرات والإقامة لطلاب أجانب بسبب مواقفهم السياسية. وأثارت هذه الإجراءات جدلاً واسعاً حول الخط الفاصل بين النشاط السياسي السلمي والمخالفات القانونية الفعلية، وحول ما إذا كان انتقاد سياسات الدولة قد أصبح سبباً كافياً لتعريض أصحابه للملاحقة. وتتضاعف خطورة هذه الممارسات حين يشعر الطالب أو الصحفي أو الناشط بأن كلمة يقولها أو موقفاً يتبناه قد يكلفه دراسته أو عمله أو حتى وضعه القانوني. فالتضييق لا يطال المستهدفين مباشرة فحسب، بل يبعث برسالة ترهيب إلى المجتمع بأكمله، ويدفع كثيرين إلى الصمت والرقابة الذاتية خشية العواقب. كما أن مراقبة النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي واستخدام البيانات الرقمية من دون ضمانات قانونية كافية يفتحان الباب أمام مخاوف جدية بشأن الخصوصية وحرية العمل السياسي.
جيل «زد» الأمريكي.. مستقبل يضيع وثقة تتآكل
لم ينشأ جيل «زد» في الولايات المتحدة وسط وعود اقتصادية مستقرة، بل في زمن الحروب والأزمات المالية والاستقطاب السياسي والتحولات التكنولوجية المتسارعة، ما جعله أكثر انشغالاً بمستقبله وقدرته على مواجهة أعباء الحياة. وتشير تقديرات مركز «سيركل» بجامعة تافتس إلى أن نحو 50 مليون شاب أمريكي تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً سيكونون مؤهلين للتصويت في انتخابات 2026، غير أن مشاركة الشباب في انتخابات التجديد النصفي لعام 2022 لم تتجاوز 23%، في مؤشر على اتساع الفجوة بين حجم هذه الفئة وتأثيرها الانتخابي. وتعزز نتائج استطلاع معهد السياسة بجامعة هارفارد، المنشورة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، صورة الفتور الانتخابي؛ إذ أكد 33% فقط من الشباب أنهم سيصوّتون بالتأكيد في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، مقارنةً بـ40% في استطلاعي ما قبل انتخابات 2018 و2022. كما بلغت نية التصويت 50% بين الشباب الديمقراطيين، مقابل 34% بين الجمهوريين. ولا تعني هذه الأرقام أن الشباب قرروا مقاطعة الانتخابات، لكنها تكشف تراجع الحماسة واتساع دائرة التردد. وتعكس تجارب الشباب حجم تأثير الضغوط المعيشية في مواقفهم السياسية؛ ففي بوسطن، لا يجد الطالب المستقل نيك راموس نفسه بالضرورة في القوالب الحزبية التقليدية، بينما يجسد العامل كيليب نوبل، البالغ 24 عاماً، إحباط شباب يرون أن الوعود الانتخابية لا تنعكس على واقعهم اليومي. ولا تقتصر مخاوف هذا الجيل على تكاليف المعيشة، بل تشمل التغير المناخي واللامساواة وتأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف، إلى جانب الحروب وحقوق الإنسان والحريات المدنية. وهكذا، تواجه الأحزاب الأمريكية اختباراً صعباً: كيف تستعيد ثقة جيل لا يرى في صناديق الاقتراع ضمانة لتحسين مستقبله؟
بين الجمهوريين والديمقراطيين.. جيل «زد» يفقد ثقته بالتغيير
لم يعد عزوف بعض الشباب الأمريكي عن التصويت مجرد لامبالاة سياسية، بل بات انعكاساً لأزمة ثقة عميقة بنظام لا يلمس كثيرون أثره في حياتهم. فبين إيجارات تلتهم الدخول، وديون تثقل كاهلهم بسبب تكاليف التعليم، وتراجع فرص العمل والاستقرار، والإنفاق الهائل على الحروب، يتساءل هؤلاء: ماذا سيتغير إذا صوّتنا؟ وتتعمق هذه الفجوة مع شعور قطاعات منهم بأن أصواتهم لا تنعكس على السياسات، وأن نفوذ أصحاب الثروات وجماعات الضغط يتقدم على مصالح الناخبين العاديين، فيما تزيد قضايا غزة والحريات والاحتجاجات من حدة الإحباط. ولا تقف أزمة الثقة عند حدود السياسات والقرارات، بل تمتد إلى القوى الحزبية التي تتنافس على إدارة البلاد، إذ لم يعد التناوب بين الجمهوريين والديمقراطيين كافياً لإقناع قطاعات من الشباب بأن التغيير ممكن عبر صناديق الاقتراع. فالجمهوريون يتعرضون لانتقادات بشأن أولوياتهم الاقتصادية والاجتماعية ومواقفهم من الحريات والحقوق المدنية، فيما يواجه الديمقراطيون تساؤلات حول عجزهم عن تحويل وعود العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق الاقتصادية وحماية حقوق الإنسان إلى سياسات ملموسة. وبين انتقادات تطال الطرفين وشعور متزايد بأن التنافس الحزبي لا يفضي إلى تغيير ملموس في حياتهم، يجد جيل «زد» نفسه أمام نظام تتراجع ثقته بوعوده، فيما قد يؤدي ابتعاده عن صناديق الاقتراع إلى إضعاف قدرته على التأثير في القرارات التي ترسم مستقبله. ختاماً، حين يفقد الجيل الجديد ثقته بصندوق الاقتراع، لا تكون الخسارة في مقاعد الانتخابات وحدها، بل في معنى الديمقراطية ذاتها؛ فهل تستطيع واشنطن استعادة ثقة شبابها، أم أن أزمة الداخل ستظل تكشف التناقض بين ما تدعو إليه في العالم وما يعيشه مواطنوها؟
البحث
الأرشيف التاريخي