مبادرات ثقافية لترسيخ ذكرى الشهداء في الذاكرة الوطنية والعالمية

قصر سعدآباد يستعد لافتتاح متحف لتخليد ذكرى شهداء ميناب

/ في مسعى إلى إبقاء ذكرى شهداء ميناب حاضرة في الوجدان العام، تتجه إيران إلى توظيف الثقافة والفنون في توثيق قصتهم ونقلها إلى الأجيال المقبلة، من خلال مبادرات تشمل إنشاء متحف مخصص لهم في مجمع قصر سعد آباد بطهران، وإقامة نصب تذكاري يتيح للزوار والمسؤولين الأجانب التعبير عن احترامهم لذكراهم، إلى جانب تشجيع إنتاج الأعمال الأدبية والسينمائية والفنية التي تتناول هذه القضية. وتعكس هذه الخطوات توجهاً نحو تحويل الذاكرة من حدث مرتبط بزمان ومكان محددين إلى سردية إنسانية وثقافية متواصلة، تحافظ على حضورها في الوعي الوطني وتسهم في التعريف بها على المستوى الدولي.
وأكد وزير التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية، ضرورة مواصلة الجهود الرامية إلى إحياء ذكرى شهداء ميناب، محذراً من أن الاهتمام بالقضايا الكبرى قد يتراجع مع مرور الوقت إذا اقتصر التعامل معها على ردود الفعل الأولية والفعاليات المؤقتة. وشدد، خلال اجتماع اللجنة المعنية بمتابعة مجزرة شهداء ميناب، الذي عُقد في قاعة فجر التابعة للوزارة، على أهمية وضع برامج ثقافية مستدامة تضمن بقاء ذكراهم حاضرة في وجدان المجتمع.
وأشار سيد رضا صالحي أميري، إلى الدور الذي اضطلعت به  «المؤسسة الفنية» أي «حوزه هنري» منذ الأيام الأولى، من خلال تسخير إمكاناتها للمشاركة في هذه الجهود، مؤكداً أن تخليد ذكرى الشهداء مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون المؤسسات الثقافية والتعليمية والفنية، والعمل وفق رؤية متواصلة تتجاوز حدود المناسبات العابرة.
متحف ونصب تذكاري لتخليد ذكرى الشهداء
وفي إطار المبادرات المعلنة، أعلن صالحي أميري قرب افتتاح متحف مخصص لشهداء ميناب في مجمع سعد آباد بطهران، بالتعاون مع مؤسسة «حوزه هنري»، موضحاً أن مراسم الافتتاح ستُقام بحضور عائلات الشهداء. ويهدف المشروع إلى إيجاد فضاء ثقافي يوثّق قصة الأطفال الشهداء ويحفظ ذكراهم، ويتيح للأجيال المقبلة التعرف إلى أبعادها الإنسانية والتاريخية.
كما أعلن عن خطة لإنشاء نصب تذكاري يتيح للمسؤولين الأجانب الذين يزورون إيران التعبير عن احترامهم لذكرى شهداء ميناب. ومن شأن هذه المبادرة أن تمنح القضية حضوراً رمزياً يتجاوز نطاقها المحلي، وتوفر مناسبة للتعريف بها أمام شخصيات وزوار من مختلف البلدان.
وشدد صالحي أميري، على أن المسؤولية لا تقتصر على إقامة المتحف أو تنظيم فعاليات محددة، بل تتمثل في بناء مسار ثقافي متواصل يضمن انتقال الذاكرة بين الأجيال، ويحول دون تراجع الاهتمام بالقضية مع مرور الزمن.
من قصة ميناب إلى الذاكرة الوطنية والعالمية
وأكد صالحي أميري ضرورة تحويل مجزرة شهداء ميناب إلى سردية وطنية جامعة، قادرة على الوصول إلى الساحة الدولية، مشيراً إلى أهمية الاستفادة من التجارب التي أسهمت في ترسيخ أحداث وشخصيات في الذاكرة الجماعية الإيرانية. واستشهد بقصة ريزعلي خواجوي، وبالتجربة المرتبطة بمدينة خرمشهر خلال فترة الدفاع المقدس، موضحاً أن بعض الوقائع التاريخية تكتسب حضوراً مستداماً عندما تتحول إلى قصص يتناقلها المجتمع عبر الأجيال.
وأوضح أن ترسيخ قصة أطفال ميناب في وعي الناشئة يتطلب تقديمها بوصفها جزءاً من الذاكرة التاريخية والثقافية، مع إيلاء الاهتمام للبعد الإنساني للقضية. وفي هذا السياق، دعا إلى تعزيز دور وزارة التربية والتعليم والمؤسسات الثقافية في تعريف الأطفال والشباب بهذه القصة بلغة مؤثرة تتناسب مع أعمارهم، وتساعدهم على فهم أبعادها الإنسانية والتاريخية.
كما شدد على أهمية الأدب في حفظ الذاكرة ونقلها، داعياً إلى إهداء الكتب التي تتناول شهداء ميناب إلى الأطفال، والاستعانة بجهود الشعراء والكتّاب، إلى جانب تشجيع إنتاج الأفلام والأعمال الفنية والثقافية التي توثّق الواقعة وتعرض تفاصيلها للأجيال المقبلة.
التوثيق الثقافي والإعلامي لتعريف العالم بالقضية
وفيما يتعلق بالحضور الدولي لمجزرة ميناب، أكد صالحي أميري أن التعريف بأحداثها يتطلب الجمع بين المسارات الثقافية والفنية والإعلامية والقانونية، موضحاً أن الخطابات وحدها لا تكفي لإيصال الوقائع إلى العالم أو التعامل مع الروايات المتعارضة بشأنها.
وأشار إلى تجارب تاريخية، من بينها هيروشيما وفيتنام، التي تجاوز حضورها حدود الجغرافيا بفضل التوثيق والإنتاج الفني والإعلامي، داعياً إلى الاستفادة من مختلف الأدوات المتاحة لتقديم رواية موثقة عن أحداث ميناب وإيصالها إلى الرأي العام الدولي. وشدد كذلك على ضرورة تجاوز التقارير الإدارية التقليدية نحو خطاب متكامل يستند إلى التوثيق، ويوظف قدرة الثقافة والفنون على التأثير في الجمهور والتواصل معه عبر الحدود.
«قافلة ميناب الوطنية» لتوسيع المشاركة المجتمعية
وفي خطوة تستهدف توسيع المشاركة المجتمعية في إحياء الذكرى، طرح صالحي أميري فكرة تنظيم «قافلة ميناب الوطنية»، وهي مبادرة رمزية مقترحة تنطلق من طهران وتمر بعدد من المدن وصولاً إلى وجهتها النهائية، بمشاركة الشباب والطلاب والمجموعات الفنية. وتهدف الفكرة إلى تحويل إحياء ذكرى شهداء ميناب إلى نشاط وطني يتيح لمختلف فئات المجتمع المشاركة في التعريف بالقضية واستحضار دلالاتها. وتبرز هذه المبادرات أهمية توظيف المتاحف والنصب التذكارية والأدب والسينما والأنشطة الثقافية في حفظ ذاكرة شهداء ميناب ونقل قصتهم إلى الأجيال المقبلة. فإلى جانب دور المتحف في التوثيق والتعريف، تتيح الأعمال الفنية والإعلامية توسيع نطاق الوصول إلى الجمهور، وتقديم القضية في قوالب متعددة قادرة على تعزيز حضورها في النقاش الثقافي والإنساني داخل إيران وخارجها.
البحث
الأرشيف التاريخي