تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
شخصيات صنعت ذاكرة الأدب الفارسي
أبوالفضل البيهقي.. أب النثر الفارسي ورائد الكتابة التاريخية
وتكرّم الأوساط الثقافية هذا الأديب في الأول من شهر آبان الإيراني، الموافق 23 أكتوبر 2026، تقديراً لإسهاماته الأدبية والتاريخية، ولما تركه من أثر في تطور الكتابة الفارسية.
النشأة والتكوين
هو أبو الفضل محمد بن الحسين البيهقي، وُلد في حارث آباد بمنطقة بيهق، قرب سبزوار في إيران. اعتنى والده بتعليمه منذ الصغر، فتلقى دراسته في نيشابور، ثم انتقل في شبابه إلى غزنة، والتحق بديوان الرسائل في عهد السلطان محمود الغزنوي. وبفضل فطنته وتمكّنه من الكتابة، أصبح مساعداً لأبي نصر مشكان، رئيس الديوان، ونال ثقته، ما أتاح له الاطلاع على المراسلات الرسمية وأخبار الحكام وشؤون الدولة. كما امتلك معرفة واسعة بالعربية والفارسية، وحفظ أشعاراً باللغتين، ونظم الشعر أيضاً.
«تاريخ البيهقي»
يُعدّ «تاريخ البيهقي» أشهر مؤلفاته وأحد أهم المصادر لدراسة الدولة الغزنوية. بدأ تأليفه سنة 448هـ، الموافق نحو 1056م، وتناول تاريخاً يمتد على مدى اثنين وأربعين عاماً من حكم الغزنويين. ولا يقتصر الكتاب على أخبار السلاطين والوقائع السياسية، بل يقدم صورة غنية للحياة الاجتماعية والثقافية، ويكشف عن طبائع الشخصيات وتفاصيل البلاط وآليات الحكم.
جمع البيهقي بين دقة الملاحظة وقوة السرد والتحليل، واستفاد من التراثين العربي والفارسي وأدواتهما البلاغية. لذلك لُقّب بأبي النثر الفارسي، ووُصف كتابه بأنه «شاهنامة النثر الفارسي»، لما يتسم به من فصاحة وجمال في التعبير. وتكمن قيمته في مزجه التوثيق بالعبرة الإنسانية، مع عناية واضحة بالتفاصيل ومحاولة الإنصاف في عرض الأحداث، وإن ظلّ الحياد الكامل أمراً عسيراً على مؤرخ عاصر الوقائع. ويكشف عن تحولات عصره بعمق أيضاً.
إرث باقٍ عبر القرون
ظلّ الكتاب موضع اهتمام الباحثين والجامعات داخل إيران وخارجها. وطُبع نصه المتداول في كلكتا سنة 1862م، بتحقيق مورلي وبعناية ناسو ليز، وفقاً لما تذكره الروايات الببليوغرافية.
وفي عام 2024، أُزيح الستار في سبزوار عن مخطوط قرآني وقفي عريق، ضمن مجموعة من ست عشرة كراسة نفيسة منسوبة إلى البيهقي، قيل إنها وُقفت نحو عام 1130م؛ وهي معلومة تستحق التوثيق من مصادر متخصصة.
توفي البيهقي سنة 470هـ، الموافق نحو 1077م، بعد حياة حافلة بالعلم والكتابة. وبقي أثره شاهداً على قدرة الكلمة الموثقة على تجاوز عصرها، وعلى أن التاريخ حين يصاغ بوعي أدبي لا يحفظ الوقائع فحسب، بل يصون ذاكرة المجتمع ويمنح الأجيال اللاحقة نافذةً لفهم الماضي.
