تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
فرنسا تنفجر غضبًا
800 ألف متظاهر.. الشارع يحاصر ماكرون والانفجار الاجتماعي يهدّد مستقبله السياسي
وقدّرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 550 ألف متظاهر في 110 مسيرات، بينهم قرابة 110 آلاف في باريس، فيما رفع المنظمون الحصيلة إلى نحو 800 ألف. وشهدت التحركات مواجهات وأعمال تخريب ونهب وحرائق واعتقالات، فيما أثارت إصابات خطيرة، بينها إصابات طالت قاصرين، تساؤلات بشأن تعامل الشرطة مع المتظاهرين.
من الطلاب إلى العمال.. اتساع رقعة الغضب الاجتماعي
المطالب التي انطلقت من تدهور الأوضاع التعليمية ونقص الموارد امتدت إلى قضايا المعيشة والأجور والمعاشات وأسعار الوقود. وانضمت إلى التحركات النقابات ومجموعات من حركة «السترات الصفراء»، في تقاطع يعكس اتساع الاستياء الاجتماعي وتعدد الفئات التي ترى أن السياسات الحالية لا تستجيب بما يكفي لمشكلاتها اليومية.
وتكمن أهمية هذا الاتساع في تنوع الفئات التي التقت في الشارع؛ فالطلاب يطالبون بتعليم أفضل وفرص أكثر عدالة، والعمال يخشون تراجع قدرتهم الشرائية، والأسر تواجه أعباء المعيشة، فيما تتمسك النقابات بمطالب تتعلق بالأجور والحماية الاجتماعية.
من السترات الصفراء إلى احتجاجات اليوم.. مطالب تتجاوز الوقود
أعادت التحركات إلى الواجهة إرث حركة «السترات الصفراء» التي انطلقت عام 2018، عندما تحولت الاعتراضات على سياسات الوقود إلى احتجاج أوسع على تكاليف المعيشة والشعور بالتهميش. واليوم، تعود الأسئلة نفسها بصيغة أوسع: من يتحمل كلفة الضغوط الاقتصادية؟.
ولا تقتصر دلالة الاحتجاجات على الأرقام الوطنية، إذ شهدت مدن عدة، بينها باريس وليون ومرسيليا وبوردو وليموج، توترات وأعمال تخريب إلى جانب المسيرات ذات المطالب الاجتماعية والنقابية. ومن الضروري التمييز بين الاحتجاج السلمي وأعمال العنف التي وقعت على هامشه، لأن الخلط بينهما يختزل المشهد ويهمّش المطالب التي دفعت قطاعات واسعة إلى المشاركة.
مواجهات واعتقالات.. التوتر يتصاعد
في الشوارع الفرنسية
تتسع رقعة الغضب في فرنسا، فيما تبدو الحكومة عاجزة عن احتواء الاحتقان المتصاعد، فلا تجد أمامها سوى تشديد القيود الأمنية وملاحقة المتظاهرين. ففي باريس، أعلنت الشرطة اعتقال نحو 60 شخصًا صباح السبت، بالتزامن مع هجوم متظاهرين ملثمين على مقر قناة «سي نيوز» وتحطيم نوافذه، فيما أضرم محتجون في ليون النار في مكتب للسياحة.
وبدل أن تواجه الحكومة جذور الأزمة المتمثلة في الضغوط المعيشية وتراجع القدرة الشرائية وتفاقم الاستياء الاجتماعي، تبدو منشغلة باحتواء تداعيات الغضب في الشوارع، وكأن القبضة الأمنية قادرة على إخماد أزمة تتجاوز حدود الأمن والنظام العام. إن حماية الممتلكات لا تعفي السلطة من مسؤوليتها عن الاستماع إلى مطالب المواطنين، كما أن التذرع بالأمن لا يجوز أن يتحول إلى غطاء لتقييد حق التظاهر السلمي. وأمام اتساع الاحتجاجات، تجد الحكومة نفسها مطالبة بتقديم إجابات ملموسة، لا الاكتفاء بالإجراءات الأمنية، لأن تجاهل أسباب الغضب قد يزيد الاحتقان بدل أن يضع حدًا له.
الغلاء والتقشف في صلب الاحتجاجات.. من يتحمل الكلفة؟
في قلب الاحتجاجات سؤال مباشر: من يتحمل كلفة الضغوط الاقتصادية؟ فارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود والسلع الأساسية يضغط على الأسر، فيما تثير المخاوف من تقليص الإنفاق العام قلقًا بشأن مستقبل المدارس والخدمات الاجتماعية، وسط مخاوف من أن تتحمل الفئات الأقل قدرة على المواجهة النصيب الأكبر من الأعباء. وتواجه الحكومة معادلة صعبة بين ضغوط المالية العامة والحاجة إلى حماية الخدمات والقدرة الشرائية، لكن أي نقاش بشأن خفض الإنفاق أو إعادة ترتيب الأولويات لا يمكن أن يتجاهل أثره المباشر على حياة المواطنين، خصوصًا عندما تتعلق القرارات بالتعليم والخدمات التي يعتمد عليها أصحاب الدخل المحدود.
ماكرون أمام اختبار سياسي مع اقتراب انتخابات 2027
تضع الاحتجاجات ماكرون وحكومته أمام تحدٍّ يتجاوز إدارة الاضطرابات، فالتعبئة الواسعة تعيد فتح النقاش حول الحصيلة الاقتصادية والاجتماعية للسياسات الحكومية، وتزيد الضغط على السلطة في مرحلة تسبق الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027. ويحتاج العمال والنقابات والأسر المتضررة إلى استجابة تتجاوز الخطاب الأمني، وتترجم إلى قرارات ملموسة تستجيب لمطالبهم. لكن أثر الاحتجاجات على المشهد الانتخابي سيعتمد على تطورات متعددة، من بينها استجابة الحكومة، ومواقف القوى السياسية والنقابات، ومدى استمرار التعبئة خلال الفترة المقبلة.
إصابات واعتقالات.. أسئلة بشأن استخدام الشرطة للقوة
تتصاعد المواجهات في فرنسا بين المحتجين والشرطة، وسط استخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، وأعمال نهب وتخريب طالت الممتلكات. وبعد إعلان أولي عن نحو 400 توقيف، نقلت تقارير لاحقة حصيلة بلغت 1,200 موقوف و150 شرطيًا مصابًا. لكن الأخطر يتمثل في إصابات القاصرين؛ ففي سانت إتيان، فُتح تحقيق بعد إصابة متظاهر قاصر أدت إلى بتر يده، وسط تقارير نسبت الإصابة إلى مقذوف أطلقته الشرطة. وفي دونكيرك، أثارت إصابة فتاة تبلغ 14 عامًا خلال حادثة مرتبطة بمركبة تستخدمها الشرطة تساؤلات بشأن حدود استخدام القوة. كما أشارت تقارير إلى إيداع أكثر من 6,700 قاصر الحجز منذ منتصف سبتمبر/ أيلول، ضمن فترة تتجاوز احتجاجات 17 أكتوبر/ تشرين الأول. وتضع هذه الوقائع السلطات أمام اختبار حاسم يتطلب تحقيقات شفافة ومحاسبة التجاوزات، وضمان تناسب استخدام القوة، بالتوازي مع حماية حق التظاهر ومساءلة مرتكبي العنف، دون استثناء أو تبرير.
أزمة اقتصادية ومأزق برلماني.. خيارات ماكرون تضيق
تواجه الحكومة الفرنسية أزمة مركّبة تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية مع الاحتجاجات الاجتماعية والمأزق البرلماني. فارتفاع تكاليف الاقتراض، وتوقّع بلوغ العجز المالي 5.4% من الناتج المحلي في عام 2026، يحدّان من قدرة الحكومة على تقديم تنازلات اجتماعية واسعة، فيما قد يؤدي تشديد التقشف إلى توسيع الغضب الشعبي وتعقيد تمرير موازنة 2027.
وفي قلب المعادلة، يمتلك حزب التجمع الوطني بقيادة مارين لوبان أوراقًا مؤثرة في تصويت حجب الثقة، لكنه يواجه بدوره حسابات سياسية تتعلق بكلفة إسقاط الحكومة وتداعيات الأزمة المالية. أمنيًا، لا يقتصر التحدي على احتواء أعمال العنف، بل يشمل احتمال تنسيق الطلاب والنقابات والشرائح المتضررة اقتصاديًا في تحركات جديدة، بما قد يمنح الاحتجاجات زخمًا أطول، خصوصًا مع الدعوات إلى تحركات نقابية جديدة خلال نوفمبر. ومن المرجح أن يسعى ماكرون إلى احتواء الأزمة بتنازلات اجتماعية محدودة، مع الإبقاء على حكومة سيباستيان لوكورنو ما أمكن. لكن تغيير رئيس الوزراء لن يبدّل موازين القوى في البرلمان، كما أن تعثر الموازنة واتساع الإضرابات قد يزيدان الضغوط على الحكومة ويفتحان الباب أمام أزمة سياسية أعمق. وهكذا، لا يقتصر التحدي على تجنّب سقوط الحكومة، بل يمتد إلى قدرة ماكرون على منع تحوّل ما تبقى من ولايته إلى مرحلة من الشلل السياسي والاستنزاف الاقتصادي، فيما تترقب القوى المنافسة تداعيات الأزمة مع اقتراب انتخابات 2027.
وفي المحصلة، يواجه ماكرون اختبارًا حاسمًا بين احتواء الغضب الشعبي ومعالجة أسبابه الاقتصادية والاجتماعية، وسط تحذيرات من أن استمرار التقشف وتجاهل المطالب قد يعمّقان الشلل السياسي قبل انتخابات 2027.
