حين يصبح الثبات أقوى من الغياب؛
الشهيد يحيى السنوار.. من زنازين الأسر إلى العصا الأخيرة
في التاريخ رجالٌ تعبر أسماؤهم الأحداث، ورجالٌ تعبر الأحداث من خلال أسمائهم. وبين هؤلاء وأولئك، تظهر شخصيات لا يمكن اختزالها في منصبٍ تولّته، أو معركةٍ خاضتها، أو لحظةٍ انتهت عندها حياتها؛ لأن حضورها يتجاوز حدود السيرة الشخصية ليصبح جزءاً من ذاكرة شعبٍ وصراعٍ طويل. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تجربة القائد الشهيد يحيى السنوار، الرجل الذي خرج من مخيم خان يونس، وعبر سنوات الأسر الطويلة، وصعد إلى قيادة حركة حماس، قبل أن يرتبط اسمه بـ«طوفان الأقصى»، ثم بمشهد أخير في رفح، تحوّل لدى مؤيّديه إلى واحدة من أكثر الصور تعبيراً عن الصمود والتحدي. لم يكن السنوار في نظر أنصاره قائداً سياسياً تقليدياً، بل شخصية جمعت بين التجربة التنظيمية، والمعرفة بالخصم، والإصرار على أن القضية الفلسطينية لا يمكن إخراجها من التاريخ.
د. أكرم شمص
من الأسر إلى صناعة الإرادة
وُلِد الشهيد يحيى السنوار في مخيم خان يونس عام 1962، في بيئة فلسطينية حملت ذاكرة التهجير والاقتلاع. وهناك تشكّلت بدايات وعيه السياسي، قبل أن يصبح أحد الوجوه البارزة في حركة حماس؛ لكن المحطة الأشدّ تأثيراً في تكوين شخصيته كانت سنوات الأسر. فقد أمضى نحو 22 عاماً في سجون العدو الصهيوني، وهي سنوات لم يتعامل معها بوصفها زمناً معطلاً فحسب، بل استثمر جانباً منها في القراءة والتعلم ودراسة المجتمع العبري ولغته وبنيته السياسية والأمنية.
وفي الأسر، كتب روايته «الشوك والقرنفل»، التي تعكس جانباً من رؤيته للتاريخ الفلسطيني وللصراع الممتد بين الاحتلال والشعب الواقع تحت وطأته.
وهنا تتجلى مفارقة تستحق التأمل: قد يستطيع السجّان أن يفرض حدود المكان على الأسير؛ لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يفرض حدوداً على تفكيره.
لقد كان السجن بالنسبة إلى السنوار تجربة قاسية؛ لكنه أصبح أيضاً جزءاً من تكوينه الفكري والسياسي. ومَن يقرأ مسيرته اللاحقة يجد أن معرفة الخصم، والصبر التنظيمي، والقدرة على التفكير بعيد المدى، كانت عناصر أساسية في شخصيته القيادية.
وعندما خرج في صفقة تبادل الأسرى عام 2011، لم يكن يعود إلى الحياة السياسية من نقطة البداية، بل عاد حاملاً تجربة طويلة في العمل التنظيمي ومعرفة دقيقة بطبيعة الصراع.
القائد الذي أعاد ترتيب الأولويات
بعد تحرره، أخذ السنوار يتقدم داخل البنية القيادية لحركة حماس، حتى أصبح رئيساً للحركة في قطاع غزة عام 2017، ثم رئيساً لمكتبها السياسي في آب 2024.
وقد ارتبط اسمه بإعادة التركيز على بناء القدرات العسكرية والتنظيمية للحركة، وتعزيز صلاتها بالقوى الإقليمية الداعمة لها، في مرحلة شهدت تحولات واسعة في المنطقة.
كان يدرك، وفقاً لقراءته السياسية، أن القضية الفلسطينية تواجه تحدياً يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة؛ فهناك أيضاً معركة على الوعي، ومحاولات لتطبيع واقع الاحتلال وتحويل الحقوق الفلسطينية إلى قضية مؤجلة. ومن هنا، اكتسبت شخصيته أهمية تتجاوز موقعه التنظيمي. فقد مثّل بالنسبة إلى مؤيّديه نموذج القائد الذي ينظر إلى الصراع بوصفه معركة إرادات طويلة، لا مجرد سلسلة من المواجهات المحدودة.
7 أكتوبر.. الزلزال الذي أعاد القضية إلى الواجهة
شكّل السابع من أكتوبر 2023 تحولاً كبيراً في تاريخ الصراع الفلسطيني مع العدو الصهيوني. فقد كشفت عملية «طوفان الأقصى» عن إخفاقات واسعة في المنظومات الأمنية والاستخبارية والعسكرية للعدو، وأطلقت حرباً غيّرت المشهد الإقليمي، وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي.
وارتبط اسم السنوار بالتخطيط لهذا التحول وقيادته السياسية، وأصبح أحد أبرز الوجوه التي اختُزلت فيها المواجهة بين حركة حماس والعدو الصهيوني. ولم تكن التداعيات محصورة في الميدان؛ إذ أعاد الحدث فتح أسئلة تتعلق بمستقبل الاحتلال، وحدود التفوق العسكري، وقدرة التسويات الإقليمية على تجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية. غير أنّ التحوّل التاريخي لا يُقاس بحجم المفاجأة العسكرية وحدها، بل بما يكشفه من حقائق وما يُحدثه من تحوّلات في الوعي والمعادلات. فقد أعقب السابع من أكتوبر عدوانٌ صهيوني واسع ومدمّر على قطاع غزة، خلّف خسائر بشرية هائلة ودماراً طال المنازل والمستشفيات والمدارس والبنى التحتية. وكشف، من خلال المجازر الممنهجة التي ارتُكبت بحق المدنيين، عن الوجه العنصري والوحشي للعدو الصهيوني، وعن طبيعة مشروع استعماري لم يتورّع عن استخدام أقصى درجات العنف لإخضاع شعبٍ متمسّك بأرضه وحقوقه.
ومن هنا، فإن قراءة تجربة الشهيد يحيى السنوار تستدعي التوقّف عند حقيقتين متلازمتين: قدرة الفعل السياسي والعسكري على كسر المعادلات المفروضة وإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة التاريخ، وانكشاف الطبيعة الاستعمارية للعدو الصهيوني أمام الرأي العام العالمي، بما أعاد طرح السؤال الأخلاقي والإنساني حول الاحتلال وجرائمه وحقّ الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير.
رفح.. حين اختُزلت السيرة في صورة
في السادس عشر من تشرين الأول 2024، انتهت حياة الشهيد يحيى السنوار في حي تل السلطان بمدينة رفح، خلال مواجهة مع قوات العدو الصهيوني؛ ولكن المشهد الذي نشره الجيش المعادي للحظاته الأخيرة اكتسب دلالة تجاوزت الإعلان عن مقتله. حيث ظهر رجل جريح، ملثم، جالس على مقعد داخل مبنى مدمر، ثم ألقى بعصا كانت في يده باتجاه طائرة مسيّرة اقتربت منه. ولم تكن العصا سلاحاً قادراً على تغيير نتيجة المواجهة. ولم يكن المقعد القديم موقعاً عسكرياً محصناً. ومع ذلك، فقد تحوّل المشهد في وجدان كل انسان حرّ إلى صورة مكثفة لمعنى التحدي في لحظة تتضاءل فيها الإمكانات.
وهنا تظهر واحدة من أغرب مفارقات الصورة في التاريخ السياسي. فالعدسة التي أرادت أن توثّق نهاية الرجل، ساهمت من حيث لا تقصد في صناعة حضوره الرمزي لدى العالم. ولم يعد الحديث عن العصا بوصفها قطعة خشب، بل بوصفها علامة على رفض الاستسلام في القراءة الشعبية للمشهد. ولم يعد الكرسي مجرد أثاث وسط الركام، بل أصبح جزءاً من ذاكرة بصرية أعاد الفنّانون والكُتّاب والناشطون إنتاجها في الرسوم والقصائد والتعليقات. والمهم هنا ليس الادّعاء بأن الرمز غيّر ميزان القوة، بل إدراك أن القوة العسكرية لا تحتكر صناعة المعنى.
لقد امتلك العدو الصهيوني الكاميرا التي سجلت مشهد رفح؛ لكنه لم يمتلك وحده حق تفسير الصورة. ففي الوقت الذي رآها دليلاً على نهاية أحد أبرز قادة حماس، رأى فيها مؤيدوه صورة لقائد بقي في الميدان حتى لحظاته الأخيرة. وهكذا تحوّلت الصورة نفسها إلى ساحة صراع بين روايتين.
القائد.. بين التاريخ والذاكرة
ثمة فرق جوهري بين أن يكتب التاريخ سيرة قائد، وأن تحتفظ الذاكرة الشعبية بصورته. فالتاريخ يسأل عن القرارات والنتائج، وعن النجاحات والإخفاقات، وعن الخيارات التي غيّرت مسارات الأحداث.
أمّا الذاكرة، فتنتقي غالباً اللحظات التي تختصر المعاني الكبرى في صورة واحدة. ومن هنا لا يمكن فصل رمزية السنوار عن سيرته الطويلة: من مخيم اللجوء، إلى السجن، إلى قيادة الحركة، إلى السابع من أكتوبر، وصولاً إلى مشهد رفح. إنها سيرة تجمع بين التحولات الشخصية والسياسية، وتفسّر لماذا تجاوزت ردود الفعل على استشهاده حدود الحدث العسكري المباشر. ومع ذلك، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي ألّا تتحول الرمزية إلى بديل عن التحليل. فالقادة يُدرسون من خلال ما أرادوا تحقيقه، وما أنجزوه بالفعل، وما ترتّب على قراراتهم من نتائج. والذاكرة الأكثر قوة ليست تلك التي ترفض الأسئلة، بل التي تستطيع الاحتفاظ بالمعنى من دون أن تلغي تعقيدات الواقع.
خاتمة: العصا التي بقيت في الذاكرة
لم يكن الشهيد يحيى السنوار أول قائد فلسطيني يُستشهد في مواجهة الاحتلال، ولن تكون صورته الأخيرة خاتمة الصراع الطويل على فلسطين؛ ولكن تجربته تكشف حقيقة تتكرر في تاريخ الشعوب: أن إنهاء حياة شخصية قيادية لا يعني بالضرورة إنهاء تأثيرها السياسي أو الرمزي.
لقد خرج السنوار من السجن بعد سنوات طويلة، ثم أصبح قائداً ارتبط اسمه بأحد أكبر التحولات في تاريخ القضية الفلسطينية المعاصر. وعندما انتهت حياته في رفح، لم تنتهِ الأسئلة التي أثارتها تجربته، بل انتقلت إلى ميدان آخر: ميدان التاريخ والذاكرة. قد تكون العصا قد سقطت من يده؛ لكن الصورة لم تسقط من ذاكرة الذين رأوا فيها معنى الصمود. وهذه هي المفارقة الأخيرة في سيرة السنوار: أن لحظة الغياب الجسدي أصبحت، لدى مؤيّديه، واحدة من أكثر لحظات حضوره الرمزي كثافة. فليس كل مَن يغيب يختفي، وليس كل مَن يمتلك القوة يمتلك الرواية، وليس كل مشهد يُصوَّر ليعلن النهاية يستطيع أن يمنع الذاكرة من أن تكتب له بداية أخرى.
