يحيى السنوار.. من ذاكرة الأرض إلى صفحات الأدب

/ ليست الحكايات الكبرى مجرد استعادة للأحداث، بل هي محاولة لفهم الإنسان في قلب التاريخ. ومن هذا المنطلق، تستعيد الذاكرة الثقافية الفلسطينية سيرة القائد الشهيد يحيى السنوار، وما ارتبط بها من أبعاد سياسية وإنسانية، وما أثارته من كتابات وأعمال أدبية وبحثية تتناول فلسطين وتحولاتها. وفي ذكرى استشهاده، تعود حكايته من ذاكرة الأرض التي أحبها، حيث تتشابك ملامح الإنسان بظلال التاريخ، وتتقاطع آلام الفلسطينيين مع آمالهم في المستقبل.
من أزقة خان يونس إلى المواجهة الأخيرة، ارتبط اسمه بفصول من الحكاية الفلسطينية، بما تنطوي عليه من صراع وأسئلة مفتوحة. وعلى الرغم من استشهاده، لا تزال سيرته حاضرة في الرواية والسيرة الذاتية والشعر والتحليل السياسي، موضوعاً لقراءات متعددة تتباين في رؤاها وتفسيراتها.
وبالتزامن مع ذكرى استشهاده، التي تصادف غداً الجمعة 16 أكتوبر، وفي أجواء إحياء ذكرى عملية «طوفان الأقصى»، نسلّط الضوء على مجموعة من الكتب التي تستعيد سيرته، وتتناول الحدث وسياقاته وتداعياته، من زوايا تتراوح بين الأدب والتوثيق والتحليل.
«الشوك والقرنفل»
تحتل رواية «الشوك والقرنفل» موقعاً بارزاً بين مؤلفات السنوار، إذ كتبها عام 2004 خلال سجنه في الكيان الصهيوني. وتتناول، عبر ثلاثين فصلاً، حياة عائلة فلسطينية في قطاع غزة، مستحضرة التحولات التي أعقبت حرب 1967، وصولاً إلى انتفاضة الأقصى عام 2000، مع استدعاءات تعود إلى نكبة 1948.
اختار السنوار الشكل الروائي لاستحضار تجارب المجتمع الفلسطيني، موضحاً في تقديمه أن الأحداث تستند إلى وقائع عاشها أو سمعها ممن عايشوها، فيما يتمثل الخيال أساساً في تحويلها إلى شخصيات وبناء سردي. وهكذا تتقاطع الذاكرة الفردية والجماعية في نص يقدّم الرواية بوصفها وسيلة لقراءة التاريخ الاجتماعي والسياسي، لا مجرد حكاية شخصية. وقد تُرجمت الرواية إلى الفارسية بعنوان «خار وميخك».
وإلى جانبها، ارتبط اسم السنوار بعناوين أخرى، منها «الشاباك بين الأشلاء»، و«الأحزاب الإسرائيلية»، و«المجد»، في سياق اهتمامه بالكتابة والترجمة خلال سنوات الاعتقال. وتمثل هذه الأعمال، باختلاف موضوعاتها، مدخلاً لدراسة صلته بالقراءة والمعرفة السياسية، مع ضرورة التمييز بين التوثيق الأدبي والتحليل التاريخي المستقل.
«اسمه يحيى»
انتقلت صورة السنوار، بعد استشهاده، إلى أعمال ألّفها كتّاب آخرون، ومن أبرزها رواية «اسمه يحيى» للروائي اليمني الدكتور أمين الشامي. وقد ارتبطت الرواية بمسابقة أدبية أُقيمت بالتعاون مع جائزة فلسطين العالمية للآداب، وأُعلن فوزها بالمركز الأول ضمن فعاليات المسابقة التي اختُتمت في مسقط عام 2025. تستعيد الرواية محطات من حياة السنوار، من الطفولة والسجن إلى صعوده السياسي، مستندة إلى السرد والتفاصيل التاريخية لبناء صورة أدبية لشخصية تشكّلت في سياق الاحتلال والصراع الفلسطيني. 
«يحيى»
وفي كتاب «يحيى»، للمؤلف راسل بُرنا، تُقدَّم سيرة السنوار ضمن إطار تحليلي يتجاوز الأحكام المبسطة. ويتتبع الكتاب، طفولته في خان يونس، وسنوات اعتقاله، وعلاقته بحركة حماس، ودوره في التحولات السياسية الفلسطينية.
ويكتسب هذا المنظور أهميته من محاولة وضع الشخصية داخل سياقاتها الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية، بدل الاكتفاء بصورة البطل أو الخصم. فقراءة الشخصيات التاريخية تقتضي مساءلة الظروف التي صنعت مساراتها، وفحص أثرها ونتائج قراراتها من خلال مصادر متنوعة.
«طوفان الأقصى»
ومن السيرة إلى الشعر، يأتي كتاب «طوفان الأقصى»، بإشراف محمد مهدي عبداللهي، جامعاً قصائد لنحو 110 شعراء إيرانيين، من أجيال واتجاهات شعرية متعددة. وتتنوع نصوصه بين الأشكال الشعرية المختلفة، معبّرة عن مواقف أصحابها ومشاعرهم تجاه فلسطين وأحداث السابع من أكتوبر 2023.
وتكشف المجموعة كيف تستقبل الثقافة الأحداث الكبرى عبر اللغة والصورة والإيقاع، وكيف يتحول الحدث السياسي إلى مادة شعرية تحمل ذاكرة الجماعات ومواقفها. غير أن القيمة الأدبية تظل مرتبطة أيضاً بقدرة القصيدة على تجاوز الشعارات إلى التجربة الإنسانية المركبة.
«طوفان الأقصى برواية أمين الثورة»
وفي سياقٍ متصل، يأتي كتاب «طوفان الأقصى به روايت أمين إنقلاب» أي «طوفان الأقصى برواية أمين الثورة»، الصادر عن مؤسسة «قدر ولايت» الثقافية والفنية، والذي يجمع تصريحات قائد الأمّة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) بشأن عملية «طوفان الأقصى»، وينظمها في ثمانية فصول، مع شروح وصور توضيحية. ويقدّم الكتاب قراءة رسمية إيرانية للوقائع، ما يجعله مادة لدراسة الخطاب السياسي وكيفية بناء الروايات الوطنية والإقليمية للأحداث.
«دراسات حول طوفان الأقصى»
أما في الجانب البحثي والتحليلي، يضم كتاب «جستارهايي درباره طوفان الأقصى» أي «دراسات حول طوفان الأقصى»، بإشراف فرهاد وفائي فرد، ثماني مقالات وتقريراً مترجماً، تتناول جوانب أمنية وسياسية وإعلامية وإقليمية للعملية وتداعياتها. وتشمل موضوعاته الإخفاق الاستخباراتي الإسرائيلي، والمواقف الأمريكية، واستراتيجيات القوى الإقليمية، وتأثير الحرب في الرأي العام.
وبذلك ينتقل تناول الحدث من الانفعال المباشر إلى محاولة تفكيك أسبابه ونتائجه. وتظل قيمة هذه الدراسات رهينة بمنهجيتها، وتنوع مصادرها، وقدرتها على الفصل بين الوقائع والاستنتاجات والتوجهات السياسية.
البحث
الأرشيف التاريخي