آفاق التوترات بين إيران والولايات المتحدة
بهمن صيادي
خبير في الشؤون الأمريكية
لم تعد حرب الولايات المتحدة ضد إيران خلال الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب مجرد تكرار لسياسة «الضغوط القصوى». فقد باتت الحرب المباشرة والعقوبات الاقتصادية والتهديد العسكري والضغط على مسارات الطاقة والمفاوضات غير المباشرة تندرج جميعها ضمن إطار واحد.
ومن هذا المنظور، تجمع استراتيجية واشنطن بين ممارسة الضغط الاقتصادي لاستنزاف قدرة طهران على اتخاذ القرار، والتهديد العسكري لزيادة كلفة المقاومة؛ غير أن تجربة الحرب أظهرت أن تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية مستدامة أكثر تعقيداً من بدء العمليات العسكرية.
الضغط من أجل إبرام صفقة؛ والتهديد من أجل الإذعان
يقوم التحليل الذي نشره مركز السياسة الأمنية الأمريكي بشأن استراتيجية ترامب تجاه إيران، في ضوء تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة، على تقدير مفاده أن الضغوط العسكرية والاقتصادية ينبغي أن تدفع طهران إلى قبول اتفاق جديد. وقد نشر المركز أيضاً مادته في إطار دراسة مواقف ترامب الأخيرة وإمكان إجراء مفاوضات جديدة.
وقد تجلّى هذا المنطق كذلك في تصريحات ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. ففي 22 سبتمبر/ أيلول 2026، قال إن هناك «حراكاً كبيراً» للتوصل إلى اتفاق مع إيران؛ لكنه هدّد في خطاب آخر بعد يوم واحد بـ«تدمير» الجمهورية الإسلامية في حال فشل الدبلوماسية.
واعتبر مركز أبحاث «Responsible Statecraft» هذه المواقف نموذجاً للترابط بين الضغط الاقتصادي والتهديد العسكري في سياسة واشنطن تجاه طهران. ويُفضي هذا النهج إلى تناقض استراتيجي؛ فالمفاوضات تزيد فرص التوصل إلى اتفاق عندما يشعر الطرف الآخر بوجود خيارات حقيقية، في حين أن التهديد بالتدمير قد يقوّض أجواء التفاوض. ومن ثم، فإن «الضغط من أجل التفاوض» و«التهديد من أجل الإذعان» لا يعزّز أحدهما الآخر بالضرورة.
الضغط الاقتصادي في مواجهة القدرات الاستراتيجية
تتمثل إحدى ركائز الحسابات الأمريكية في العقوبات، والضغط على صادرات النفط، وتقييد الشبكات المالية والتجارية الإيرانية. وقد زعم مقال تناول شبكات الالتفاف على العقوبات، استناداً إلى ادعاءات الحكومة والمؤسسات الأمريكية، أن شبكات نقل النفط الإيراني وأنشطة السفن وبعض أساليب التسوية المالية باتت تفرض تكاليف ومخاطر أكبر على الشركات التجارية. ولا ينبغي التعامل مع هذه الادعاءات بوصفها حقائق مستقلة عن النزاع، بل باعتبارها حججاً طرحها ناشرو المقال.
ومع ذلك، لا تقتصر قدرة إيران على الصمود على مؤشرات سعر الصرف أو حجم صادرات النفط. فقد أظهرت تجربة الحرب أن طهران لا تزال تمتلك قدرات كبيرة في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والجغرافيا الاستراتيجية والشبكات الإقليمية، وهي قدرات يمكن أن تزيد كلفة توسيع نطاق الحرب. وفي المقابل، تفرض الضغوط الاقتصادية أيضاً تكاليف على الاستثمار والتجارة وقيمة العملة الوطنية والموازنة والرفاه العام، وهي تكاليف يمكن إدارتها ولا داعي لإنكارها.
وعليه، تتمثل المسألة الرئيسية في التنافس على القدرة على إدارة تكاليف الحرب، وإعادة بناء القدرات، والحيلولة دون تحقيق الطرف المقابل هدفه السياسي. وهذا الوضع نفسه يحوّل الحرب من مواجهة عسكرية قصيرة الأمد إلى منافسة استنزافية متعددة المستويات.
الدبلوماسية في خضمّ الحرب
أظهرت تصريحات الرئيس مسعود بزشكيان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر/ أيلول أن طهران، مع رفضها اتهامات واشنطن وتأكيدها على المقاومة، لم تغلق باب الدبلوماسية بالكامل. فقد رفض اتهام الولايات المتحدة لإيران بدعم الإرهاب، واعتبر إيران ضحية للهجمات الإرهابية، كما جرى التأكيد في الوقت نفسه على الاستعداد لمواصلة الحوار والتوصل إلى تسوية سياسية للأزمة انطلاقاً من موقف متكافئ وعادل.
ويمكن اعتبار هذا الموقف جزءاً من منطق التفاوض في ظروف الحرب. فطهران تميّز بين «قبول الحوار» و«التفاوض تحت الضغط». أمّا واشنطن، فمن جهة، تواصل فرض العقوبات والتهديد، ومن جهة أخرى، تُبقي القنوات غير المباشرة مفتوحة.
وتشير التقارير الأخيرة أيضاً إلى استمرار الاتصالات عبر الوسطاء. وفي 30 سبتمبر/ أيلول، أكدت إيران أنها تسلّمت الردّ الرسمي الأمريكي على أحدث مقترحاتها، وهو مقترح ربط إعادة فتح مضيق هرمز برفع الحصار وتخفيف جزء من العقوبات.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: اتفاق مؤقت ومحدود
في هذا السيناريو، يركّز الطرفان على حزمة محدودة من التفاهمات، من دون تسوية جميع الخلافات، ويمكن أن تشمل خفضاً نسبياً للعمليات العسكرية، وترتيبات لأمن الملاحة ومضيق هرمز، وبعض التخفيف للعقوبات، وآليات للرقابة النووية، واستئناف المفاوضات.
وتتمثل ميزة هذا الإطار في خفض الكلفة الفورية للحرب من دون معالجة الخلافات الجوهرية؛ غير أن تجربة التفاهمات السابقة أظهرت أيضاً أهمية ضمانات التنفيذ، وتسلسل الخطوات، ومسألة الثقة. وقد استند المقترح الإيراني الذي امتدّ سبعة أيام لإعادة فتح مضيق هرمز إلى خطوات متبادلة؛ لكن ترامب رفضه، وإن لم تتوقف قنوات التفاوض تماماً بعد ذلك.
السيناريو الثاني: استمرار الاستنزاف والحرب المحدودة
في هذا الوضع، لا يُتوصل إلى اتفاق نهائي، ولا تستمر الحرب الشاملة في الوقت نفسه، بل تتواصل العقوبات والعمليات السيبرانية والاستخباراتية والضغوط على الملاحة والهجمات المحدودة وتحركات الأطراف الإقليمية. وقد يحول هذا النمط دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة؛ لكنه ينطوي أيضاً على خطر «تحوّل الاستنزاف إلى وضع طبيعي»، كما يؤثر في اقتصاد المنطقة وأمن الطاقة وحسابات الأطراف الثالثة.
السيناريو الثالث: اتساع نطاق الحرب المباشرة والإقليمية
في هذا السيناريو، يمكن أن يؤدي فشل المفاوضات أو وقوع هجوم عسكري كبير إلى رفع مستوى المواجهة، ويفضي إلى هجمات مباشرة وأوسع نطاقاً. وفي مثل هذا الوضع، تترابط جغرافياً وعملياتياً ملفات مضيق هرمز والقواعد الأمريكية ومنشآت الطاقة في الخليج الفارسي والجبهات الإقليمية.
ولن تقتصر تداعيات ذلك على الجانب العسكري، بل قد تشمل اضطراب إمدادات الطاقة، وارتفاع أسعار النفط والغاز، وتزايد الضغوط على الملاحة البحرية، وامتداد المخاطر إلى العراق واليمن والخليج الفارسي والبحر الأحمر، فضلاً عن ارتفاع التكاليف التي يتحملها حلفاء الولايات المتحدة. وفي المقابل، يمكن أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى زيادة تكاليف الحرب الاقتصادية والسياسية أيضاً.
النتيجة
في المرحلة الراهنة، تشير المعطيات، بدلاً من ترجيح اختيار نهائي بين «التفاوض أو الحرب»، إلى استمرار الضغوط والدبلوماسية بالتوازي. فالولايات المتحدة تحافظ على ضغوطها الاقتصادية وتهديداتها العسكرية؛ لكن القنوات غير المباشرة مع طهران لا تزال نشطة. كذلك، لم ترفض إيران التفاوض؛ لكنها ربطته بترتيبات متبادلة ورفع جزء من الضغوط المفروضة عليها.
