من تداعيات الحرب إلى اتساع الاعتراض

بعد ثلاث سنوات من العدوان على غزة.. تآكل صورة الاحتلال واتساع عزلته دولياً

/ بعد ثلاث سنوات على عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحولت حرب الإبادة على قطاع غزة إلى عامل رئيسي في النقاش الأوروبي بشأن كيان الاحتلال والقضية الفلسطينية. فقد أسهمت مشاهد الدمار والمعاناة الإنسانية، إلى جانب التغطيات الصحفية والتقارير الحقوقية، قطاعات من الرأي العام إلى المطالبة بمراجعة السياسات الصهيونية والعلاقات معها. وامتد هذا الاعتراض إلى الشوارع والمنصات الرقمية والمؤسسات الثقافية والأكاديمية والمهنية، وسط خلافات أوروبية بشأن ترجمة المطالب الشعبية إلى قرارات سياسية.
الاحتجاجات الشعبية وتراجع صورة الاحتلال
شهدت مدن أوروبية عديدة مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين طالبت بوقف العدوان، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. ووفقاً للمركز الأوروبي الفلسطيني للإعلام، سُجّلت 68,162 فعالية ميدانية ورقمية في 818 مدينة ضمن 30 دولة أوروبية، بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأكتوبر/تشرين الأول 2026.  وشملت الفعاليات مظاهرات واعتصامات وحملات إلكترونية، بحسب بيانات المركز، وهي أرقام لا تمثل إحصاءً رسميًا شاملًا لجميع التحركات الأوروبية. ولا تعكس هذه الأرقام بالضرورة موقفًا أوروبيًا موحدًا، كما يبقى التمييز ضروريًا بين انتقاد سياسات حكومة العدو الصهيوني ومعاداة اليهود. وفي ١٠ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٦، شهدت لندن وبرلين ودبلن وروما مظاهرات طالبت بوقف الحرب وفرض عقوبات على كيان الاحتلال ووقف صادرات السلاح إليها، إلى جانب مراجعة العلاقات العسكرية والتجارية وتعزيز الضغط السياسي لضمان حماية المدنيين وإيصال المساعدات إلى غزة.
الإعلام والمنصات الرقمية.. صراع الرواية
أدت التغطيات الإعلامية دورًا مؤثرًا في تشكيل النقاش الأوروبي بشأن الحرب على غزة، إذ أسهم تداول الصور والشهادات والتقارير الميدانية في إبقاء الأوضاع الإنسانية حاضرةً في الرأي العام، وتعزيز مساءلة الرواية الصهيونية الرسمية والنقاش بشأن مسؤولية الأطراف المختلفة. أما على المنصات الرقمية، فقد ساعدت مقاطع الفيديو والشهادات الميدانية والوسوم الإلكترونية على إيصال معاناة الفلسطينيين إلى جمهور واسع، ولا سيما بين الشباب،  كما أسهمت في تنسيق الاحتجاجات وحملات المقاطعة والضغط على الحكومات والشركات لمراجعة علاقاتها بكيان الاحتلال.
  وفي المقابل، أثار حذف بعض المنشورات وتقييد انتشارها، إلى جانب تداول معلومات مضللة أو غير موثقة، تساؤلات بشأن حرية التعبير وحيادية المنصات. لكن تحويل التفاعل الرقمي إلى ضغط سياسي وقانوني مستدام لا يزال تحدياً قائماً.
المقاطعة الثقافية والفنية والرياضية
امتد الاعتراض إلى المهرجانات الفنية والفعاليات الموسيقية والبطولات الرياضية، حيث واجهت مشاركة كيان الاحتلال في مناسبات دولية دعوات للاعتراض والمقاطعة. ففي مسابقة الأغنية الأوروبية عام ٢٠٢٦، انسحبت هيئات البث العامة في إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا وآيسلندا وهولندا احتجاجًا على استمرار مشاركة كيان الاحتلال، فيما اختارت بعض القنوات عرض برامج بديلة بدلًا من بث المسابقة. وفي المجال الفني، شهد مهرجان غلاستونبري البريطاني عام ٢٠٢٤ مواقف داعمة للفلسطينيين، إذ عبّر فنانون عن تضامنهم مع غزة خلال العروض، كما شاركت المغنية الفلسطينية إليانا في فقرة غنائية مع فرقة كولدبلاي. أما رياضيًا، فقد شهدت سباقات الدراجات في إسبانيا احتجاجات مؤيدة لفلسطين، تخللتها تعطيلات ومطالبات بمقاطعة الفرق الصهيونية. كما تصاعدت الدعوات إلى تعليق مشاركة كيان الاحتلال في البطولات الدولية لكرة القدم، من دون أن تتخذ الهيئات الكروية الدولية قرارًا عامًا باستبعادها.
الجامعات والنقابات والمؤسسات المهنية
شهدت جامعات أوروبية احتجاجات طلابية ومطالبات بمراجعة اتفاقيات التعاون الأكاديمي والبحثي مع مؤسسات صهيونية، خصوصاً الشراكات التي يرى المحتجون أنها قد ترتبط بالاحتلال أو بالصناعات العسكرية. وتركزت مطالبهم على كشف مصادر التمويل والاستثمارات والعقود، ومراجعة أوجه التعاون التي يعتبرونها موضع إشكال أخلاقي أو حقوقي، إلى جانب حماية حق الطلاب في التعبير عن مواقفهم. وفي المقابل، بقيت حماية حرية التعبير ومنع التمييز وخطاب الكراهية من أبرز التحديات أمام الجامعات. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلنت كلية للصيدلة الملكية في بريطانيا (Royal College of Pharmacy) إنهاء رعاية شركة «تيفا» الصهيونية للأدوية ومشاركتها في مؤتمرها السنوي، عقب مراجعة داخلية وضغوط من ناشطين مؤيدين للفلسطينيين. وجاء القرار بعد خطوة مماثلة اتخذتها كلية التمريض الملكية. وأوضحت الكلية الصيدلانية أن أنشطة للشركة أثارت مخاوف بشأن توافقها مع قيم المؤسسة، بينما أعربت «تيفا» عن خيبة أملها من القرار، معتبرة أن الرعاية الصحية ينبغي ألا تخضع للتسييس.
المقاطعة الاقتصادية والتعاون العسكري
تدعو حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات إلى مراجعة التعاملات مع الشركات العاملة في المستوطنات أو التي يُشتبه في مساهمتها في انتهاكات حقوق الفلسطينيين. وتستهدف هذه الحملات الضغط الاقتصادي عبر مراجعة الاستثمارات والعقود والمشتريات، لكن أثرها يختلف باختلاف الشركة والدولة وطبيعة العلاقة التجارية. أما التعاون العسكري، فيُمثل ملفاً أكثر حساسية لارتباطه بالأمن القومي وسلاسل التوريد العابرة للحدود. ففي فرنسا، شهدت تحركات نقابية اعتراضاً على شحنة من المعدات العسكرية قيل إنها موجّهة إلى شركة «إلبيت سيستمز» الصهيونية. وأثارت القضية جدلًا بشأن نقل المعدات ذات الاستخدام العسكري، وسط مطالبات بمنع وصولها إلى الشركات الصهيونية. وتعكس القضية الجدل بشأن نقل المعدات العسكرية، من دون أن تثبت وجود حظر أوروبي شامل على تصدير السلاح إلى كيان الاحتلال.
وكانت الحكومة البريطانية قد علّقت في سبتمبر/أيلول 2024 نحو 30 رخصة من أصل 350 لتصدير معدات عسكرية إلى كيان الاحتلال، بعد مراجعة قانونية، لكنها استثنت مكونات طائرات «إف-35» المصنّعة ضمن برنامج دولي. وفي يونيو/حزيران 2025، رفضت المحكمة العليا في إنجلترا وويلز الطعن القانوني في قرار الحكومة المتعلق بهذا الاستثناء، معتبرةً أن تقدير تداعياته الأمنية والدفاعية يدخل ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية. وبقيت هذه الاستثناءات، ولا سيما المتعلقة بمكونات طائرات «إف-35»، في صلب انتقادات الحركات المتضامنة مع فلسطين، التي تطالب بحظر كامل لصادرات السلاح البريطانية إلى كيان الاحتلال. 
انقسام الحكومات الأوروبية وحدود الاستجابة
على الرغم من اتساع الاحتجاجات وتعدد أشكال الضغط، لا يزال الاتحاد الأوروبي يواجه صعوبة في تبني سياسة موحدة تجاه كيان الاحتلال. فقد دفعت إسبانيا وأيرلندا باتجاه مواقف أكثر انتقاداً ومراجعة للعلاقات معه، بينما أبدت ألمانيا والنمسا تحفظات أكبر إزاء فرض عقوبات واسعة. وتعكس هذه التباينات اختلاف الحسابات الأمنية والاقتصادية، فضلاً عن التوجهات السياسية الداخلية والتقديرات المتعلقة بالعلاقات الإقليمية والدولية. ختاماً، لا يُقاس أثر الحراك بحجم المظاهرات والحملات وحده، بل بقدرته على التأثير في القرارات. ويظل التحدي في ترجمة المطالب إلى خطوات ملموسة تشمل حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ومراجعة العلاقات والصفقات وفق القانون الدولي، وتعزيز المساءلة عن الانتهاكات. 
البحث
الأرشيف التاريخي