الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وأربعة وسبعون - ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وأربعة وسبعون - ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

من الأكروبوليس إلى مضيق هرمز..

كيف حوّل روبيو العدوان على إيران إلى اختبار حضاري لأوروبا؟

/ أوقع العدوان العسكري المشترك الذي شنّته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران، منذ 28 فبراير/ شباط 2026)، البيت الأبيض في مأزق من صنع يديه، بعدما دخلت الحرب شهرها الثامن وفرضت تكاليف باهظة على أسواق الطاقة العالمية. وأمام هذا المأزق، لجأت واشنطن إلى توظيف التاريخ بصورة انتقائية في أثينا، وفبركة ملفات أمنية في القواعد العسكرية البريطانية، سعياً إلى جرّ حلفائها الأوروبيين الغاضبين والمهمّشين إلى حرب استنزاف، وتحويلهم إلى شركاء في العدوان. فقد انطلقت هذه المغامرة العسكرية منذ ساعاتها الأولى بناءً على خطأ كارثي في حسابات البيت الأبيض، بعدما قررت واشنطن تجاهل الآليات متعددة الأطراف، وشنّ عملياتها العسكرية من دون التشاور مع العواصم الأوروبية. واليوم، بعدما أُغلقت شرايين الملاحة الحيوية في مضيق هرمز وقفزت أسعار الوقود، بات مهندسو العدوان يطلبون المساعدة من الحلفاء أنفسهم الذين سبق أن تعرّضوا للتهميش والإهانة.
ويرى باحثون في العلاقات الدولية أن هذا التحول المفاجئ في السلوك الأميركي يعكس إدراكاً متأخراً من إدارة ترامب للعواقب الوخيمة لسياسة الأحادية. وقد فعّل البيت الأبيض عملياً حملة متعددة المستويات للضغط السياسي على أوروبا، تقوم على إعادة تعريف الحرب باعتبارها «دفاعاً عن الحضارة الغربية» ومسؤولية أوروبية، وربط استمرار المظلة الأمنية والوجود العسكري الأميركي بمدى ولاء الحلفاء. وبهذا، تضع واشنطن الأوروبيين أمام خيارين صعبين: إمّا الانخراط في الحرب إلى جانبها، وإمّا مواجهة النهج الأحادي لإدارة ترامب.
تجميل الحرب بشعارات حضارية
سعى جهاز الدبلوماسية العامة في البيت الأبيض إلى إضفاء الشرعية على العدوان، من خلال تغليف طبيعته الهجومية بسردية تقوم على الصراع بين النور والظلام. وكان محور هذه الحملة الدعائية الخطاب الأخير الذي ألقاه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عند هضبة الأكروبوليس في أثينا.
وحاول روبيو توظيف تاريخ اليونان القديمة لربط الجذور التاريخية لهُوية الغرب بالحرب الدائرة اليوم. ففي 7 أكتوبر/ تشرين الأول، ألقى وزير الخارجية الأميركي خطاباً من تلة بنيكس في أثينا، حيث كان الأثينيون، وفق الروايات التاريخية، يتخذون قرارات الحرب والسلام، فيما ظهرت هضبة الأكروبوليس خلفه. واختصر رسالته بالقول: «في عهد الرئيس ترامب، اتخذت الولايات المتحدة قرارها. لقد اخترنا السعي بلا مواربة إلى تعزيز القوة الوطنية». واتهم روبيو أوروبا، في الخطاب نفسه، بأنها غارقة في «سبات طويل»، مؤكداً أن واشنطن تؤمن بأن «أوروبا قادرة على الاستيقاظ من سباتها الطويل». كما أشاد بالتزام قادة حلف شمال الأطلسي، خلال قمة لاهاي، برفع الإنفاق الدفاعي والأمني إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. وهي رسالة تدعو أوروبا عملياً إلى تحمل أعباء مالية أكبر في المجال الأمني، بعدما ربطت واشنطن أمن القارة بالحرب التي تشنّها على إيران. ولم يكن اختيار المكان أو الاستعارات التاريخية في خطاب روبيو مصادفة. فقد استحضر المواجهة بين الأثينيين والملك الفارسي خشايار شاه، واضعاً إيران في موقع «وريثة بلاد فارس»، قبل أن يهاجم مَن وصفهم بـ«الملالي المتطرفين في إيران»، في رسالة واضحة إلى الأوروبيين مفادها أن هذه الحرب ليست حرب الولايات المتحدة وحدها، بل «إنها حربكم أيضاً». وبهذه السردية، تحاول واشنطن نقل أعباء الحرب وتداعياتها من كاهلها إلى أوروبا، وتحويل المشاركة فيها إلى «واجب حضاري» يتعين على الأوروبيين الاضطلاع به. وأظهرت جولة روبيو في اليونان وآيسلندا والبرتغال أن خطابه التصعيدي كان يخدم أيضاً هدفاً عملياً يتمثل في تأمين القواعد والإمدادات اللوجستية للطائرات الحربية المشاركة في العدوان.
فقد كشفت الجولة أن خطاب «الدفاع عن الحضارة الغربية» يسير بالتوازي مع دبلوماسية القواعد العسكرية؛ إذ تدعو واشنطن أوروبا إلى التضامن معها تحت شعار الانتماء الحضاري المشترك، بينما تشيد في الوقت نفسه بحلفاء مثل البرتغال، التي سمحت باستخدام مشروط لقاعدة لاجس الجوية في جزر الأزور، لتزويد الطائرات الأميركية بالوقود وتقديم الدعم اللوجستي لعملياتها في الحرب على إيران.
فبركة الملفات الأمنية
تتمثل أداة الضغط الثانية التي يستخدمها البيت الأبيض ضد حلفائه التقليديين في تحويل الأراضي الأوروبية إلى ساحة تهديدات أمنية، واتهام إيران بالتخطيط لتنفيذ هجمات إرهابية. وخلال الأيام الماضية، أطلق الرئيس الأميركي علناً ادّعاءات كاذبة بشأن هجوم إيراني وشيك على أوروبا. وكانت قاعدة فيرفورد الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني مسرحاً لأبرز فصول هذا السيناريو.
وخلال الأسبوع الماضي، قدّم ترامب روايتين متوازيتين بشأن قدرات إيران على توجيه تهديدات أمنية. ففي الرواية الأولى، استند إلى تقارير استخباراتية تتحدث عن مخطط محتمل للحرس الثوري الإيراني لتنفيذ هجوم بطائرات مسيّرة على قاعدة فيرفورد الجوية في بريطانيا، وربط سحب 12 قاذفة أميركية من طراز «بي-1» من القاعدة بوجود «بعض التهديدات». ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين أميركيين وبريطانيين أن واشنطن سحبت القاذفات من فيرفورد استناداً إلى معلومات استخباراتية عن هجوم محتمل بطائرات مسيّرة، يُعتقد أنه كان سيُنفذ بأوامر من الحرس الثوري؛ لكن إيران نفت هذه الاتهامات، فيما أكد وزير الخارجية الأميركي عدم وجود صلة مباشرة بين سحب القاذفات والمخطط المزعوم. وذكرت شبكة «إيه بي سي نيوز» أن الهدف الخفي من هذه الحملة يتمثل في كسر الخط الأحمر الذي وضعته لندن لتجنب الانخراط الرسمي في المواجهة العسكرية.
فالرسالة التي تريد واشنطن إيصالها إلى الرأي العام البريطاني واضحة: «مادامت قواعدكم العسكرية تُستخدم لانطلاق القاذفات الأميركية، فإنكم تشاركون في الحرب، سواء أردتم ذلك أم لا». وفي الوقت نفسه، صعّد ترامب خطابه بشأن التهديد الإيراني المزعوم خلال تجمعاته الانتخابية. فقد قال بداية إن إيران قادرة على «تدمير مدينة»، مضيفاً: «دعوهم يدمرون لوس أنجلوس أو سان دييغو؛ فهذا ثمن ضئيل للغاية». ثم عاد يوم الأربعاء الماضي، خلال كلمة ألقاها في سان أنطونيو، إلى تكرار هذه التصريحات، موضحاً أنه كان يتحدث عن التهديد الذي قد تشكله إيران إذا امتلكت أسلحة نووية. وقال: «دعوهم يطلقون صاروخاً في طريقه إلى سان دييغو أو لوس أنجلوس؛ لكننا لن نسمح بحدوث ذلك، وسنحمي مدننا».
وتأتي هذه التصريحات رغم أن إيران لا تمتلك أسلحة نووية، ولا صواريخ يصل مداها إلى ولاية كاليفورنيا. وفي تفسير آخر مثير للاستغراب لتصريحاته بشأن استهداف المدينتين، زعم ترامب أنهما تقعان على مسار يسهل استهدافه بالصواريخ الإيرانية؛ لكنه رجّح أن تبدأ إيران باستهداف أوروبا أولاً، قبل أن يضيف أنه لا يوجد حالياً ما يدعو إلى القلق بهذا الشأن.
ورغم أن ادّعاءات ترامب بشأن الهجمات الصاروخية الإيرانية المحتملة على أوروبا والولايات المتحدة قد تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الهذيان، فإنها تهدف بوضوح إلى إثارة الخوف والذعر، وتصوير إيران بوصفها تهديداً مباشراً للدول الأوروبية.
من «النمر الورقي» إلى التهديد بشأن جزر فوكلاند
دفعت خيبة الأمل الناجمة عن رفض الجيوش الأوروبية والرأي العام الأوروبي الانخراط في الحرب، مسؤولي البيت الأبيض إلى تصعيد لهجتهم وصولاً إلى التهجم والإهانة. فقد وصف الرئيس الأميركي حلف شمال الأطلسي، في ذروة غضبه من عزوف الحلفاء عن المشاركة، بأنه «نمر من ورق»، واتهم أعضاءه القدامى بالجبن والخوف. وهدد ترامب مراراً، في منشوراته الليلية، بسحب الجيش الأميركي من هيكلية الحلف إذا استمر رفض المشاركة في الحرب.
وتكشف هذه المواقف العدائية، أكثر مما تعكس استعراضاً للقوة، عن ارتباك إدارة فقدت الأدوات اللازمة لفرض إرادتها على حلفائها. وخلال القمة الصيفية لقادة الحلف في أنقرة، غادر ترامب طاولة المفاوضات خالي الوفاض، من دون الحصول على أي التزامات جديدة. وبحسب ما كشفته وسائل إعلام أميركية، درس مستشارو البنتاغون، عقب قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا، مقترحات من بينها تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، والتراجع عن الاعتراف بسيادة لندن على جزر فوكلاند.
ويعكس هذا الارتباك العصبي بوضوح أن واشنطن لا تنظر إلى التحالف العسكري بوصفه تجمعاً لدول مستقلة، بل تريده أشبه بثكنة تضم جنوداً ينفذون الأوامر من دون اعتراض.
ردّ طهران القانوني والحازم على محاولات تحميلها المسؤولية
منذ الأيام الأولى للعدوان، وجّهت الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحذيرات صريحة إلى جميع الحكومات الأوروبية. وأكد الجهاز الدبلوماسي الإيراني مراراً للعواصم الغربية أن السماح باستخدام الأجواء أو الأراضي أو مرافق الدعم اللوجستي في العمليات العسكرية يُعدّ مشاركة مباشرة في العدوان.
وشددت إيران على أن قواتها المسلحة لن تتردد في استهداف مصادر الهجمات والقواعد التي تستضيف الطائرات الحربية المعادية. كما ذكّرت بأن استعادة الأمن في مضيق هرمز واستقرار أسواق الطاقة مرهونان بالوقف الفوري وغير المشروط للاعتداءات العسكرية على الأجواء الإيرانية والبنى التحتية للبلاد. وأكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد إضافي تقع على عاتق المعتدين في البيت الأبيض، وأي طرف ثالث يسهّل ارتكاب هذه الجرائم.
وتكشف الصورة العامة لهذه الحرب المستمرة منذ سبعة أشهر عن سقوط وهم فاعلية الأحادية العسكرية القائمة على استخدام القوة بصورة سافرة. فقد بدأت إدارة ترامب عدوانها باستعراضات النصر والتغريدات التهديدية؛ لكنها تجد نفسها اليوم عاجزة عن تحقيق حتى هدف استراتيجي واحد، بعدما انتقلت من لغة التهديد إلى استجداء المساعدة. ويحاول روبيو توظيف أساطير التاريخ القديم لتبرير إراقة الدماء، فيما يسعى الفريق الأمني في البيت الأبيض إلى استرضاء حلف شمال الأطلسي عبر سيناريوهات مفبركة عن الإرهاب؛ لكن الحقائق على أرض المعركة لا تتغير بالخطب الرنانة أو العروض الدعائية على الإنترنت.
وقد أدركت أوروبا، أكثر من أي وقت مضى، أن الانخراط في الاندفاع العسكري المتهور لواشنطن لن يعني سوى انتحار اقتصادي وأمني خلف جدران معبد البارثينون. ولم يعد الشرخ القائم اليوم بين ضفتي المحيط الأطلسي مجرد خلاف عابر في وجهات النظر، بل تحوّل إلى زلزال عميق يضرب أسس الهيمنة الغربية الآخذة في التراجع. أمّا نهاية هذا العدوان العسكري المشترك، فلن تُكتب باستحضار الأساطير الزائفة لليونان القديمة، بل بخضوع الجيش المعتدي أمام إرادة الحضارة الإيرانية العريقة وصمودها.
البحث
الأرشيف التاريخي