في اليوم العالمي للطفل

بين الحرب والخيال.. سينما الأطفال تبحث عن طريق إلى الأمل

/ للأطفال عالمهم الخاص الذي تصنعه الحكايات والخيال واللعب، وتأتي السينما لتمنح هذا العالم صورة وصوتاً ومساحة للتعبير. وفي اليوم العالمي للطفل، تكتسب سينما الأطفال أهمية مضاعفة، ليس باعتبارها وسيلة للترفيه فحسب، وإنما بوصفها لغة قادرة على ملامسة مخاوف الصغار وأحلامهم، ومساعدتهم على فهم عالم مضطرب من حولهم.
وفي أصفهان، حيث تتواصل فعاليات الدورة الثامنة والثلاثين للمهرجان الدولي لأفلام الأطفال والناشئين، تحاول الشاشة أن تستعيد شيئاً من الفرح المسلوب من الطفولة، عبر أفلام تتناول الحرب والفقدان والخوف، لكنها تفتح في الوقت نفسه نوافذ للحلم والأمل.
السينما في مواجهة آثار الحرب
تقام فعاليات المهرجان تحت شعار «أحلام الأطفال على شاشة نقش جهان»، في أجواء لا تخلو من القلق والذكريات المؤلمة للحرب. وبينما تضيء شاشات السينما قصص الأطفال وتتعالى ضحكاتهم، يحضر في خلفية المشهد أطفال آخرون فقدوا حياتهم أو تعرضوا للإصابة جراء الحروب والقصف في إيران وغزة ولبنان ومناطق أخرى.
واستشهد 383 طفلاً خلال الهجوم والعدوان على إيران، بينهم سبعة أطفال دون عام واحد، و255 طفلاً بين عام وعام و12 عاماً، و121 طفلاً بين 12 و18 عاماً، فيما أصيب 2115 طفلاً، بينهم 70 طفلاً دون عامين.
وفي هذا السياق، تبدو سينما الأطفال أكثر من مجرد احتفال فني؛ فهي محاولة لمنح الصغار مساحة آمنة لاستعادة اللعب والضحك والخيال، والتعامل مع مشاعر الخوف والفقدان بلغة يفهمونها.
«بابا بندري».. جدّ يحرس ذاكرة حفيده
من بين الأفلام التي تحمل هذا الهم الإنساني الفيلم القصير «بابا بندري»، المستوحى من مأساة أطفال مدرسة «الشجرة الطيبة» في ميناب. يروي الفيلم قصة جد فقد حفيده، لكنه يرفض أن تنقطع صلته به. يزور قبره كل ليلة، وينشد له أناشيد المهد ويحكي له القصص، في محاولة للتخفيف من وطأة الفقد والحفاظ على ذاكرته حاضرة.
استند المخرج بهمن رضايي إلى صورة حقيقية انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وحوّلها إلى سيناريو يعالج آثار العنف والحرب والإرهاب في الأطفال. ويؤدي رضا فياضي الدور الرئيسي، في عمل يحوّل الحكاية الفردية إلى تحية لأطفال فقدوا حياتهم وأسر ما زالت تحمل ألم الغياب.
«افسانه سبهر».. الخيال طريقاً إلى الأمل
في المقابل، يقدم فيلم الرسوم المتحركة «افسانه سبهر» أي «أسطورة سِبهر» عالماً أكثر قرباً من طبيعة الطفولة، حيث المغامرة والموسيقى والمرح، إلى جانب رسالة واضحة عن الأمل والهوية.
وتتحول شخصية «سِبهر» إلى وسيلة للتواصل مع الأطفال، ولا سيما أولئك الذين عاشوا الخوف والفقدان بعد الحرب. ويؤكد الفيلم أهمية القصص واللعب والخيال والضحك في مساعدة الطفل على استعادة إحساسه بالحياة الطبيعية. واكتسب الفيلم بعداً إنسانياً إضافياً من خلال عرضه للأطفال في ميناب، حيث تحولت شخصية سِبهر إلى وسيلة للعب والتفاعل، في محاولة لمنح الصغار لحظات من الفرح وسط ظروف صعبة.
«يجور ديكه ادامه ميدم».. السينما تواجه أثر الفقدان
أما فيلم الرسوم المتحركة «يجور ديكه ادامه ميدم» أي « سأواصل بطريقة أخرى»، للمخرج علي عبيري، فيقترب من الجانب النفسي لتجربة الفقدان، ويركز على الأطفال والناشئة الذين تترك الحروب والأزمات آثاراً عميقة في حياتهم.
ويطرح الفيلم سؤالاً حول قدرة الطفل على التعامل مع المشاعر الصعبة، مؤكداً أن آثار الحرب لا تتوقف عند لحظة وقوعها، وإنما قد تمتد إلى الأسرة والمجتمع، وربما إلى أجيال لاحقة. ومن خلال السينما، يحاول العمل تقديم مساحة لفهم الألم والتعامل معه، بدلاً من ترك الطفل وحيداً أمام مشاعر لا يستطيع التعبير عنها.
مهرجان يراهن على حق الأطفال في الحلم
يعود مهرجان أصفهان الدولي لأفلام الأطفال والناشئين إلى عقد الثمانينيات، وتحمل دورته الحالية خصوصية استثنائية، لأنها تجمع بين الاحتفاء بالطفولة واستحضار المآسي التي يعيشها أطفال في مناطق مختلفة.
وفي النهاية، يظل صوت الطفل، بما يحمله من خيال وبراءة، حاضراً على الشاشة بوصفه صوتاً للحياة. وبينما تحاول الحرب انتزاع الأمان من عالم الصغار، تأتي السينما لتذكرهم بحقهم في الحلم والضحك واللعب، وبأن الطفولة تستحق أن تُروى حكاياتها بعيداً عن الخوف، وأن تُفتح أمامها دائماً نافذة إلى مستقبل أكثر أمناً وسلاماً وكرامة.
البحث
الأرشيف التاريخي