تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
أوروبا في دوّامة الطاقة؛ التضخم والديون
ووافق قادة مجموعة السبع، يوم الجمعة 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، في اجتماع افتراضي طارئ على الإفراج عن 100 مليون برميل من النفط والديزل من الاحتياطيات الاستراتيجية؛ وذلك بغية تخفيف الضغط الناجم عن صعود أسعار الطاقة على الأسر، والقطاعات الصناعية، والاقتصادات الكبرى في العالم. وجاء في البيان الرسمي الصادر عن مجموعة السبع أن «سوق النفط العالمية تواجه تقلبات غير مسبوقة، وأن ارتفاع الأسعار بات يهدد الاستقرار الاقتصادي ورفاهية المواطنين».
وبناءً على هذا القرار، ستدخل 100 مليون برميل من الاحتياطيات إلى السوق على مدى أربعة أشهر، ومن المقرر أيضاً طرح قسم كبير من الديزل خلال الأيام العشرين الأولى. بل إن مجموعة السبع طلبت من الوكالة الدولية للطاقة بحث إمكانية السحب الإضافي من احتياطيات الديزل في حال تواصلت الضغوط.
وتأتي هذه الخطوة استكمالاً لقرار كان قد اتُّخذ في شهر آذار/ مارس؛ حيث وافقت الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة 11 آذار/ مارس 2026 على تحرير غير مسبوق لـ400 مليون برميل من الاحتياطيات المخصصة لحالات الطوارئ لاحتواء الصدمة التي أصابت السوق العالمية للنفط. ورحب الاتحاد الأوروبي آنذاك بهذا القرار، معلناً أن الهدف الملحّ يتمثل في الحفاظ على استمرار تدفق شحنات الطاقة واستئناف حركة العبور في مضيق هرمز.
وعلى هذا النحو، شهدت سوق الطاقة في غضون أقل من سبعة أشهر مرحلتين كبيرتين من التدخل الطارئ. وتُعدّ المرحلة الثانية بطبيعة الحال، من الوجهتين القانونية والتنفيذية، جزءاً من التزامات أوسع أقرّتها خطة شهر آذار/ مارس، غير أن القرار المستجد لمجموعة السبع يعكس أنه، خلافاً للآمال الأولى، لم تستعد السوق أوضاعها الطبيعية بعد، وأن الحكومات تجد نفسها مضطرة من جديد لضخ شطر من احتياطياتها الاستراتيجية في الأسواق. وترتد جذور هذه الأزمة إلى المكانة المحورية لمضيق هرمز في التجارة الدولية للطاقة؛ إذ أعلنت الوكالة الدولية للطاقة، في تقرير رسمي صدر في شهر آذار/ مارس 2026 أن النزاعات الدائرة في غرب آسيا تسببت في أضخم خلل في الإمدادات عبر تاريخ سوق النفط العالمية. فقد كان يعبر مضيق هرمز قبل اشتعال شرارة الأزمة نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات البترولية، بيد أن هذا المنسوب تقلص في مرحلة معينة إلى مستويات ضئيلة للغاية، وخفضت الدول المطلة على الخليج الفارسي إنتاجها اليومي بما لا يقل عن 10 ملايين برميل. ولا تقتصر أهمية مضيق هرمز بكل تأكيد على النفط فحسب؛ إذ يعبر هذا الشريان المائي نصيب وافر من تجارة الغاز الطبيعي المسال الدولية، ومن ثم فإن حدوث أي اضطراب في هذا الممر الاستراتيجي ينعكس بصورة فورية على أوروبا. فقد أضحت القارة العجوز، في أعقاب تقليص وارداتها من الطاقة الروسية خلال الأعوام الخوالي، أكثر ارتهاناً بالسوق العالمية للغاز الطبيعي المسال، وباتت كل صدمة تقع في مسارات الخليج الفارسي تتردد أصداؤها سريعاً في أسعار الغاز الأوروبية.
وأفادت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في أحدث مراجعة لها، بأن مخزونات الغاز الأوروبية تقف حالياً، بالنسبة لمثل هذه الفترة من السنة، عند أدنى مستوى يُسجل منذ أزيد من 15 عاماً. ويوضح التقرير نفسه أن المخزونات النفطية المرصودة عالمياً تراجعت في الفترة ما بين شباط/ فبراير وآب/ أغسطس بنحو 507 مليون برميل، وهو ما يوازي أكثر من 6%، بينما انحدرت احتياطيات زيت الوقود لدى الدول الأوروبية الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بما يتجاوز الـ20%. وتُبرهن هذه المعطيات الرقمية على أن مساحة الأمان التي تمتعت بها الاقتصادات الكبرى لدى اندلاع الأزمة لامتصاص صدمة الطاقة قد تآكلت الآن؛ ويؤكد مراقبون أن السحب المتكرر من الاحتياطيات المخصصة للطوارئ قد يُسهم في لجم الأسعار على المدى القريب، بيد أنه لا يمثل بديلاً حقيقياً عن الاستئناف المستقر لتدفق الطاقة الطبيعي عبر مضيق هرمز.
وتبرز انعكاسات هذا الارتباك حالياً بجلاء في مؤشرات التضخم الأوروبية؛ حيث ذكرت الدائرة الإحصائية للاتحاد الأوروبي، الخميس الماضي، أن المعدل السنوي للتضخم في منطقة اليورو صعد في شهر أيلول/ سبتمبر إلى 8/3%، مقارنة بـ2/3% المسجلة في الشهر الذي سبقه.
وطبقاً لهذا التقرير، فقد استقر تضخم قطاع الطاقة في منطقة اليورو عند 3/14% خلال شهر آب/ أغسطس، غير أنه قفز في أيلول/ سبتمبر مسجلاً 8/18%. تجدر الإشارة هنا إلى أن نسبة التضخم، بمعزل عن قطاع الطاقة، لم تتعد 2/3%، ما يُثبت أن القسم الأعظم من هذه الطفرة السعرية المستجدة ينبع مباشرة من قطاع الطاقة.
وقد أقرّ البنك المركزي الأوروبي هو الآخر علانية بالعلاقة العضوية القائمة بين أزمة غرب آسيا وأسعار الطاقة وتنامي معدلات التضخم؛ إذ أقدم مجلس محافظي البنك في 10 أيلول/ سبتمبر 2026 على رفع أسعار الفائدة الرئيسية بواقع 25/0 نقطة مئوية. وصرّح بأن المواجهات في غرب آسيا ما فتئت تُولّد ضغوطاً تضخمية، وأن التضخم سيظل مستقراً لأمد طويل فوق الهدف المرسوم البالغ 2%. وشدد البنك المركزي الأوروبي على أن ارتفاع كلفة مصادر الطاقة أدى إلى اشتعال الأسعار، متوقعاً امتداد تداعيات ذلك خلال شطر كبير من السنة القادمة.
وهنا على وجه التحديد تنحدر أزمة الطاقة نحو مسار أكثر تعقيداً؛ فإن الرفع المتواصل لأسعار الفائدة بهدف احتواء التضخم يُلقي بأعباء اقتراض إضافية على كاهل الأسر والمؤسسات، ويضاعف في الآن ذاته الضغوط على الحكومات المثقلة بديون طائلة. وأوردت مؤسسة أليانز الاقتصادية، ضمن قراءة تحليلية لسوق السندات الأوروبية، أن ارتداد أسعار الطاقة نحو الصعود منذ شهر تموز/ يوليو قد فاقم توقعات التضخم واحتمالات تشديد السياسة النقدية من جانب البنك المركزي الأوروبي، وزاد من حرج موقف سوق الديون وأعباء استدانة الحكومات في أوروبا، منبهةً إلى أن استمرار كلفة الاقتراض المرتفعة يُعزز من هواجس عدم استدامة المديونية لدى هذه الدول. وتُعدّ فرنسا، في الوقت الحالي، أحد أجلى الشواهد على هذه الضغوط؛ حيث أعلن المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء في 29 أيلول/ سبتمبر 2026 أن الدين العام الفرنسي سجّل مع انقضاء الربع الثاني من العام الجاري ثلاثة تريليونات و595 ملياراً و500 مليون يورو.
ويمثل هذا الرقم ما نسبته 119% من الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا، مسجلاً ارتفاعاً قدره 59 ملياراً و600 مليون يورو خلال ثلاثة أشهر فحسب، علماً بأن منسوب الدين في الربع الأول من العام كان يستقر عند 5/117%.
ويعني تصاعد أسعار الفائدة أن كلفة سداد وخدمة هذا الركام الهائل من الديون ترتفع باطراد يوماً تلو الآخر. ولا تقف هذه المعضلة عند حدود فرنسا وحدها؛ فالبلدان الغارقة في الديون داخل منطقة اليورو تقع تحت وطأة مطرقة وسندان في آن واحد: فمن جهة، يترتب عليها سداد عوائد أضخم لإعادة تمويل وتمديد ديونها السابقة، ومن جهة أخرى، تجد نفسها ملزمة بإنفاق أموال عامة إضافية للحد من وطأة الفواتير الباهظة للطاقة على المواطنين والأنشطة الصناعية.
وكانت المفوضية الأوروبية قد قدّرت في شهري نيسان/ أبريل - أيار/ مايو 2026 إجمالي حزم الدعم والإعانات التي تبنتها أو أعلنت عنها حكومات الاتحاد لمجابهة التداعيات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن غلاء الطاقة المرتبط بصراعات غرب آسيا بنحو 14 ملياراً و500 مليون يورو. وحذرت المفوضية في حينه من أن استمرار العمل بحزم المساعدة هذه حتى نهاية السنة قد يقفز بكلفتها الإجمالية إلى عتبة 38 ملياراً و600 مليون يورو. وقد أنتجت هذه الملابسات معضلة مركبة أمام الحكومات الأوروبية: فالطاقة المرتفعة ترفع وتيرة التضخم، والبنك المركزي يرفع الفائدة لمحاصرة التضخم، وارتفاع الفائدة يجعل من استدانة الحكومات أمراً أكثر كلفة وعسراً، في حين تضطر الحكومات عينها لضخ مليارات اليوروهات كدعوم جديدة لموازنة أثمان الطاقة الصاعدة. وأطلق صندوق النقد الدولي تحذيرات صريحة إزاء هذه الدوامة بالذات؛ حيث رجّح الصندوق في أحدث تقديراته ألّا يتجاوز النمو الاقتصادي لمنطقة اليورو خلال عام 2026 نسبة 9/0%، مشيراً إلى أن المواجهات الدائرة في غرب آسيا ألقت بظلال قاتمة على الآفاق الاقتصادية لهذه المنطقة.
وأوضح صندوق النقد الدولي أن الاضطرابات التي تعصف بسوق الطاقة تشكل «أكبر مكامن عدم اليقين» بالنسبة لاقتصاد منطقة اليورو، محذراً من أن التهديد الجوهري يكمن في تسجيل تباطؤ في النمو يترافق مع تفاقم التضخم، وحثّ في الوقت نفسه الحكومات ذات المديونيات المرتفعة على انتهاج أقصى درجات الحيطة في تدابيرها المالية.
وصادقت المفوضية الأوروبية في تقريرها الربيعي على هذا التوجه ذاته، مبينةً أن أزمة غرب آسيا فجّرت صدمة مستجدة في قطاع الطاقة، وبعثت موجة التضخم من جديد، ومارست ضغوطاً متزايدة على منسوب الثقة الاقتصادية.
في غضون ذلك، ركّزت العواصم الأوروبية طوال الأشهر المنصرمة، عبر تسليط الضوء على الإفرازات الأمنية والملاحية لهذه الأزمة، على تأكيد حرّية الملاحة؛ إذ انتقد المجلس الأوروبي في مداولاته بتاريخ 19 آذار/ مارس 2026، دون أن يُدين العدوان العسكري لأمريكا والكيان الصهيوني ضدّ إيران الذي مهد السبيل لتمدد رقعة الأزمة واضطراب تجارة الطاقة، حق الدفاع المشروع، مؤكداً في الوقت عينه حتمية صون الملاحة البحرية الحرة عبر مضيق هرمز.
من جانبها، شددت إيران منذ اندلاع شرارة الأزمة على ضرورة تقييم واقع مضيق هرمز ضمن السياق الشامل لاعتداءات أمريكا والكيان الصهيوني ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية وانعكاسات اتساع رقعة المواجهة، مؤكدةً أنه لا يستقيم للدول الأوروبية التباكي على الأثمان الاقتصادية للأزمة دون أن تتبرأ من النهج العدواني لكل من واشنطن وتل أبيب.
وبعيداً عن تضارب الروايات، تنطق لغة الأرقام بحقيقة ناصعة؛ إذ إن تعطل حركة العبور في هرمز، وتراجع تدفق النفط، واشتعال أسعار الخام والغاز، قد تجاوزت الميادين العالمية لتتسلل مباشرة إلى نسب التضخم، ومعدلات الفائدة، وأعباء المعيشة اليومية، وتراكم ديون الحكومات الأوروبية.
ويكشف توجه مجموعة السبع نحو السحب الإضافي لـ100 مليون برميل أن الدول الصناعية لم تظفر بالقدرة على تقويض هذه الآثار بالاعتماد فقط على القنوات التقليدية للسوق؛ فكلما تواصل استنزاف المخزونات المخصصة للطوارئ، ضاقت مساحة الاطمئنان في قطاع الطاقة الدولي، وصار بمقدور أي هزة جديدة أن تُحدث ارتدادات عنيفة في مستويات الأسعار. كما حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من تآكل احتياطيات الوقود، الأمر الذي يجعل الاقتصاد الدولي أكثر انكشافاً وهشاشة حيال الصدمات القادمة.
وتجد أوروبا نفسها اليوم مقيدة بين خيارات سياسية واقتصادية معقدة؛ فبقاء أزمة الطاقة متأججة من شأنه ترسيخ التضخم لفترات مديدة فوق المعدلات المستهدفة، ودفع البنك المركزي الأوروبي للمضي في فرض فوائد مصرفية مرتفعة، ومضاعفة أعباء الدين السيادي على حكومات كبرى كفرنسا وإيطاليا. وتأسيساً على هذا المنظور، فمن المرجح أن تتعالى في الشهور القادمة وتيرة النقاشات حول جدوى المقاربة السياسية الخارجية لأوروبا في غرب آسيا في مقابل الأثمان الباهظة التي يسددها قاطنو هذه القارة عبر فواتير الخدمات، وأسعار المحروقات، ونسب الفوائد، والضغوط المالية الخانقة؛ إذ أثبتت العودة مجدداً للسحب من المخزونات الاستراتيجية أن أزمة هرمز لم تعد مجرد صراع إقليمي يدور خلف التخوم الأوروبية، بل غدت إحدى المعضلات الهيكلية التي تضرب في صلب الاقتصاد الداخلي للقارة العجوز.
