تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
والأقصى في قلب المواجهة
الضفة الغربية تختنق.. حصار واستيطان واقتحامات وتصعيد يطوّق الفلسطينيين
المشهد لا يتوقف عند إغلاق المعابر. ففي الأيام الأخيرة، امتدت القيود إلى مداخل القرى والبلدات والطرق الرئيسية، بينما استمرت الاعتداءات الاستيطانية والتوسع الاستيطاني، وخرجت تصريحات صهيونية تدعو إلى توسيع العمليات العسكرية في الضفة وتفكيك السلطة الفلسطينية. وفي القدس، بلغ التصعيد داخل الأقصى مستوى لافتًا، إذ قالت محافظة القدس إن 1678 مستوطنًا اقتحموا المسجد خلال يومين فقط بالتزامن مع يوم الغفران.
إغلاق الضفة.. حين يتحول الطريق إلى أداة للسيطرة
في الضفة، قد يكون الطريق مفتوحًا على الخريطة، لكنه مغلق في الواقع. فمنذ الأحد 27 سبتمبر/ أيلول 2026، أغلقت السلطات الصهيونية المعابر المؤدية من الضفة الغربية وإليها، وفرضت قيودًا واسعة على حركة الفلسطينيين حتى 3 تشرين الأول/أكتوبر، مع استثناءات محدودة للحالات الإنسانية والطبية. ويأتي ذلك فوق شبكة واسعة من الحواجز والبوابات العسكرية التي تقطع الطرق بين المدن والقرى. وخلال الأيام السابقة، أغلقت القوات الصهيونية عددًا من الحواجز والمداخل في محافظة رام الله والبيرة، ما تسبب في احتجاز مركبات وتعطيل حركة السكان. وتنعكس هذه الإجراءات مباشرة على العمال والطلاب والمرضى والمزارعين، إذ يصبح الوصول إلى العمل أو الجامعة أو المستشفى أو الأرض مرتبطًا بقرار عسكري قابل للتغيير في أي لحظة.
اعتداءات المستوطنين.. عندما تصبح الأرض هدفًا
وفي مكانٍ آخر من الضفة، لا يأتي الضغط من الحاجز وحده؛ فهناك من يلاحق الفلسطيني حتى داخل قريته وأرضه. ففي قرية أبو فلاح شرق رام الله، أفادت تقارير فلسطينية بوقوع هجوم تخلله إحراق مركبات فلسطينية، إلى جانب اعتداءات على المزارعين والممتلكات والأراضي الزراعية. وتحدثت المصادر كذلك عن إتلاف محاصيل واقتلاع أشجار والاعتداء على منازل وممتلكات. وبالنسبة للمزارع، لا يمثل اقتلاع شجرة أو إتلاف محصول خسارة مادية فحسب، بل ضربة لمصدر رزقه وارتباطه بأرضه.
الاستيطان يتوسع بينما تضيق حركة الفلسطيني
وأفادت تقارير دولية في أيلول/سبتمبر بأن الأمم المتحدة أضافت شركات جديدة إلى قاعدة بياناتها المتعلقة بأنشطة مرتبطة بالمستوطنات الصهيونية، ليصل عدد الشركات المدرجة إلى 214 شركة. وتعتبر الأمم المتحدة المستوطنات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة مخالفة للقانون الدولي. ولا تقتصر القضية هنا على الإغلاق والحواجز، بل تمتد إلى تغيير الواقع الجغرافي للضفة ومستقبل الأرض.
سموتريتش.. التصعيد ينتقل من الميدان إلى الخطاب
وبينما تتحرك القوات على الأرض، ارتفع سقف الخطاب السياسي أيضًا. فقد دعا وزير المالية الصهيوني بتسلئيل سموتريتش إلى شن حرب واسعة في الضفة وتفكيك السلطة الفلسطينية، متحدثًا عن عمليات عسكرية ضد ما يصفه كيان الاحتلال بالبنى المسلحة الفلسطينية. ما أثار مخاوف فلسطينية من انتقال التصعيد من إجراءات مرتبطة بالأعياد إلى مسار عسكري أوسع.
تصعيد متسارع في الأقصى.. اقتحامات واسعة وقيود متزايدة
يشهد المسجد الأقصى تصعيدًا متسارعًا خلال الأعياد اليهودية، مع اقتحامات واسعة نفذها آلاف المستوطنين، بمشاركة مسؤولين صهاينة، وتحت حماية أمنية مشددة، تخللتها صلوات وطقوس علنية داخل باحاته. ووفق محافظة القدس، تجاوز عدد المقتحمين 40 ألفًا منذ بداية العام، فيما صدرت نحو 800 قرارات إبعاد بحق مقدسيين، وسط تحذيرات من فرض تقسيمات زمانية ومكانية داخل المسجد.
وفي 27 سبتمبر/ أيلول ، اقتحم مئات المستوطنين الأقصى بالتزامن مع الإغلاق الشامل المفروض على الضفة بمناسبة عيد العرش. وقالت المحافظة إن 1678 مستوطنًا اقتحموا المسجد يومي 20 و21 أيلول/سبتمبر، في أعلى حصيلة خلال مناسبة يوم الغفران. وتتزامن هذه الاقتحامات مع دعوات جماعات مرتبطة بـ«منظمات الهيكل» لتكثيف حضورها خلال الأعياد، بينما يواجه الفلسطينيون قيودًا متزايدة على الوصول إلى القدس والأقصى. وتحذر المحافظة من أن استمرار التصعيد قد يكرّس وقائع دينية وميدانية جديدة، ويعمّق التوتر، ويفتح الباب أمام تداعيات أوسع في الضفة والمنطقة. ويأتي ذلك وسط توتر متصاعد في القدس، مع تشديد القيود على الفلسطينيين، ما يثير مخاوف من اتساع المواجهة وتحول التصعيد الديني إلى مسار مستمر يتجاوز المسجد والمدينة.
الفلسطينيون يدفعون الثمن
وفي نهاية هذه الإجراءات، يبقى الفلسطيني هو من يدفع الثمن: عامل يُعرقل وصوله إلى عمله، وطالب تُعطَّل دراسته، ومريض يواجه الحواجز في لحظة يحتاج فيها إلى العلاج، ومزارع قد يُمنع من الوصول إلى أرضه. بالنسبة للفلسطيني، لم تعد القيود الصهيونية على الحركة إجراءً عابراً، بل واقعاً يومياً يضيّق عليه حياته ويحدّ من قدرته على الوصول إلى عمله ودراسته وأرضه وأماكن عبادته.
ويبرّر الاحتلال هذه الإجراءات بذريعة «الأمن»، فيما يواجه الفلسطينيون على الأرض منظومة متكاملة من القمع والقيود، تمتد من الحواجز والاعتقالات والاقتحامات إلى التوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين. وتحوّل هذه السياسات حياة الفلسطينيين إلى واقع يومي مثقل بالحصار وتقييد الحركة، في وقت تتواصل فيه مصادرة الأرض وتوسّع المستوطنات. يدفع الفلسطينيون ثمن هذه السياسات من حريتهم وأرضهم وأمنهم وحياتهم، فيما تتحول الضفة الغربية والقدس إلى فضاء تتسع فيه القيود ويتعمق فيه واقع الاحتلال يوماً بعد يوم.
الضفة أمام منعطف أكثر توترًا
المشكلة أن هذه الأحداث لا تجري منفردة؛ إنها تتراكم فوق بعضها. إغلاق فوق حاجز، واعتداءات تتزامن مع توسع استيطاني، واقتحامات للأقصى، وتصريحات سياسية ترفع سقف المواجهة.
ومع استمرار هذه الوقائع في الوقت نفسه، تتزايد المخاوف من اتساع دائرة التوتر. فالقيود تضغط على الحياة اليومية، والاعتداءات على الأرض تزيد الاحتقان، والاقتحامات في الأقصى تضيف بُعدًا دينيًا وسياسيًا شديد الحساسية.
ختاماً، تقف الضفة الغربية أمام تصعيد متواصل يتسع على الأرض يوماً بعد يوم. حواجز تغلق الطرق، واستيطان يتمدد، واقتحامات تتكرر، وقيود تضيق على الفلسطينيين في تفاصيل حياتهم، من الوصول إلى أعمالهم وأراضيهم إلى الوصول إلى المسجد الأقصى. وفي قلب المشهد يبقى المسجد الأقصى عنواناً بارزاً، مع تصاعد الاقتحامات والتضييق، ما يزيد التوتر في القدس والضفة، ويعمّق المخاوف من موجة تصعيد جديدة.
