الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • ملحق خاص
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وواحد وستون - ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وواحد وستون - ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ - الصفحة ٦

سيّدان ومدرسة مقاومة واحدة؛

السيّدين الشهيدين في المنظومة الفكرية للإمام الشهيد

في تاريخ العالم الإسلامي المعاصر، تتجاوز بعض الشخصيات حدود تنظيم ما، أو بلد ما، بل وحتى جيل بأسره، لتتحول إلى حاملة لمعنى ودلالة تاريخية؛ فهم لم يعودوا مجرد رجل دين، أو سياسي، أو قائد، أو مدير تنظيمي، بل يمثلون جزءاً من الذاكرة الجمعية لأمّة، وتارة يتحولون لأمّة بأسرها. شخصيات من هذا الطراز، لا يمكن سبر أغوارها بمجرد دراسة مناصبهم الرسمية أو قراراتهم السياسية؛ فلفهمهم، يجب الالتفات إلى شبكة من المفاهيم، والقيم، والذكريات الجمعية، والعلاقات الاجتماعية التي صقلت شخصياتهم في كنفها. ويمكن دراسة كل من السيّد حسن نصر الله والسيّد هاشم صفي الدين(قدّس سرّهما) ضمن هذا الإطار؛ وهما عالما دين لبنانيان اقترن اسماهما بالتاريخ المعاصر لحزب الله في لبنان وتيار المقاومة الإسلامية. اشتُهر أحدهما بالخطابة، والتواصل الجماهيري، والقيادة الكاريزماتية، والحضور المباشر في الرأي العام، بينما عُرف الآخر بالتنظيم، والإدارة، والاستدامة التنظيمية، وأداء دور محوري في البنية الداخلية للمقاومة. ومع ذلك، ثمة رابط أعمق يجمع بين هاتين الشخصيتين: فكلاهما لا يمكن فهمهما بمعزل عن مفهوم «المقاومة»؛ وهو مفهوم لا يقتصر في المنظومة الفكرية لقائد الثورة الشهيد الإمام السيد علي الخامنئي(قدّس الله نفسه الزكيّة) على كونه مجرد تكتيك سياسي أو عسكري، بل ينطوي على أبعاد عقائدية، واجتماعية، وثقافية، وحضارية. من هذا المنظور، فإن استقراء شخصية هذين السيدين يمثل في واقع الأمر قراءة لجزء من التجربة التاريخية للمقاومة الإسلامية في لبنان ومكانتها في العالم الإسلامي.

الدكتور محمد علي صنوبري
خبير في علم الاجتماع السياسي

من الشخصية الفردية إلى المعنى التاريخي
في علم الاجتماع السياسي، ثمة فارق جوهري بين «القائد» و«الرمز»؛ فالقائد قد يمارس صلاحياته استناداً إلى هيكل رسمي، بيد أن التحول إلى رمز هو سيرورة وعملية اجتماعية. ويتحول الفرد إلى رمز حينما يعكس المجتمع جزءاً من قيمه، ومُثله العليا، وذاكرته الجمعية في شخصيته.
يتحدث عالم الاجتماع ماكس فيبر، في معرض تحليله لأنماط السلطة، عمّا يُعرف بـ«السلطة الكاريزماتية»؛ وهي سلطة لا تنبع حصراً من القانون والهيكل الإداري، بل من إدراك الأتباع للخصائص والصفات الاستثنائية التي يتحلى بها القائد؛ وبالطبع، فإن مفهوم الكاريزما هنا لا يعني تقديس الشخص أو إطلاق حكم قيمي على صوابية تيار سياسي بعينه؛ بل هو مفهوم تحليلي لتفسير طبيعة العلاقة بين القائد وأتباعه.
ويمكن اعتبار السيّد حسن نصر الله، استناداً إلى هذا الإطار بالذات، نموذجاً بارزاً لتحول القيادة التنظيمية إلى رأسمال رمزي. لقد شغل منصب الأمين العام لحزب الله لسنوات طوال، غير أن مكانته تجاوزت تدريجياً مستوى المسؤول التنظيمي؛ إذ جعلت كلماته، وحضوره الإعلامي، وأدبياته السياسية، وأسلوبه التواصلي من صورته لدى شريحة واسعة من الجمهور مقترنة بمفاهيم كالمقاومة، والصمود، والكرامة، والدفاع عن فلسطين.
وهذه السمة بالتحديد هي ما تجعل من شخصيته موضوعاً بالغ الأهمية للدراسة السوسيولوجية.
السيّد حسن نصر الله؛ الوجه الجماهيري للمقاومة
كان السيد حسن نصر الله من بين الشخصيات التي استطاعت المزاوجة والربط بين الخطاب الديني والخطاب السياسي؛ حيث وظّف في خطاباته مفاهيم كانت -رغم حمولتها الدينية- مفهومة وقريبة من مدارك الجمهور العام. فمفاهيم مثل «الكرامة»، و«العزّة»، و«المقاومة»، و«الشهادة»، و«الحرّية»، و«فلسطين» و«الدفاع عن الناس» لم تكن في خطابه مجرد مفردات سياسية عابرة؛ بل شكّلت جزءاً من منظومة دلالية متكاملة.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، تكمن إحدى أهم خصائص هذه المنظومة في القدرة على تحويل قضية سياسية إلى قضية هُوياتية؛ وحينما ترتبط قضية ما بالهُوية، لا يعود السلوك السياسي مجرد حسابات للربح والخسارة المادية، بل يتشابك مع مشاعر الانتماء، والذاكرة، والعقيدة، والمعنى الأخلاقي للفعل والتحرك. وفي هذه النقطة بالذات، ينبغي الالتفات إلى توصيف الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي للسيد حسن نصر الله. ففي بيانه عقب استشهاد السيد حسن نصر الله في 28 أيلول/ سبتمبر 2024م، وُصف بأنّه «المجاهد الكبير، حامل لواء المقاومة في المنطقة، العالم الديني الفاضل، والقائد السياسي المدبّر» و«السيّد العزيز للمقاومة». وفي البيان ذاته، رُسمت مكانته بما يتجاوز حدود حزب الله ولبنان، وجرى الحديث عن «العالم الإسلامي»، و«جبهة المقاومة»، و«الأمّة الإسلامية».
ويكتسب هذا النمط من التوصيف أهمية لافتة من منظور علم الاجتماع؛ لأن شخصية السيد حسن نصر الله لا تُعرّف هنا في نطاق الدولة اللبنانية أو تنظيم حزب الله فحسب، بل تُوضع في مستوى عابر للحدود الوطنية.
«السيّد العزيز للأمّة الإسلامية»
في خطبة صلاة الجمعة بتاريخ 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2024م، استخدم الإمام الشهيد في توصيفه للسيد حسن نصر الله تعبير «المجاهد في سبيل الله والسيد العزيز للأمّة الإسلامية»، واصفاً إياه بأنه «فخر العالم الإسلامي والشخصية المحبوبة ولسان شعوب المنطقة الصادق الناطق».
ويمكن اعتبار هذه العبارة إحدى أدق العلامات المفتاحية لفهم مكانة السيد حسن نصر الله في المنظومة الفكرية لقائد الثورة. فـ«الأمّة الإسلامية» هنا مفهوم يتجاوز مجرد مجموعة الدول المسلمة؛ إذ تمتلك الدول حدوداً وجنسيات ومصالح وطنية، في حين أن مفهوم الأمّة في الأدبيات الإسلامية يقوم على المشترك العقائدي والانتماء العابر للأوطان. نتيجة لذلك، فعندما تُوصف شخصية لبنانية بأنها «السيّد العزيز للأمة الإسلامية»، فإن مكانتها ترتقي فوق مستوى الزعيم الوطني أو التنظيمي لتندرج ضمن إطار هُوية أرحب وأشمل. وهذه النقطة تكتسب أهمية جوهرية لفهم ظاهرة المقاومة أيضاً. فالمقاومة، وفق هذه الرؤية، ليست مجرد فعل وتحرك محلي؛ بل جزء من شبكة دلالية كبرى تترابط فيها قضية فلسطين، واستقلال الشعوب، وكرامة المسلمين، ومواجهة الهيمنة الاستكبارية. وقد شدد الإمام الشهيد، في خطبة الجمعة ذاتها، على أن نطاق شعبية وتأثير الشهيد نصر الله قد تخطى حدود لبنان، وإيران، والدول العربية. ومن زاوية علم الاجتماع السياسي، يمكن توصيف هذا التخطي والتجاوز بأنه عولمة وتدويل للرأسمال الرمزي.
الإعلام؛ وصناعة شخصية عابرة
للحدود الوطنية
في العصر الراهن، لا يمكن لأي زعيم سياسي أن يتحول ببساطة إلى شخصية عابرة للأوطان دون علاقة تفاعلية مع وسائل الإعلام؛ فالإعلام يتيح للشخصية السياسية تجاوز الحدود الجغرافية لنطاق نشاطها، لترسخ في ذاكرة جماهير لا تربطهم بها صلة مباشرة. وكان السيد حسن نصر الله ظاهرة جديرة بالدراسة من هذه الحيثية أيضاً. فخطاباته لم تكن مجرد إحاطات وإعلانات سياسية، بل قدّمت نوعاً من صناعة الرواية إزاء الواقع؛ إذ كان يسعى لوضع الأحداث ضمن إطار دلالي أوسع، إطار لا تُعدّ فيه المقاومة مجرد ردّ فعل على حدث طارئ، بل جزءاً من نضال تاريخي ممتد.
من هذا المنظور، يمكن دراسة شخصية السيد حسن نصر الله عند تقاطع ثلاثة حقول: القيادة الكاريزماتية، والاتصال السياسي، والهُوية الجمعية. وهذه الحقول الثلاثة مجتمعة هي ما يفسر بقاء اسم قائد تنظيمي راسخاً في الذاكرة العامة لفترة زمنية طويلة.
السيّد هاشم صفي الدين؛ شخصية الاستدامة
إذا كان السيّد حسن نصر الله يُمثل قبل كل شيء الوجه الجماهيري والرمزي للمقاومة، فإن السيّد هاشم صفي الدين ينبغي أن يُدرس إلى حدٍّ كبير من زاوية «الاستدامة المؤسسية والتنظيمية».
تولّى السيد صفي الدين لسنوات طويلة مسؤوليات جسيمة في هيكل حزب الله، وتصدّر قائمة الشخصيات البارزة في هذا التنظيم؛ إذ شغل منصب رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله، واضطلع بأدوار متعددة في شتى الميادين التنظيمية والاجتماعية إلى جانب هيكل القيادة.
وتكمن الأهمية السوسيولوجية لهذا الدور في حقيقة أن أي حركة سياسية لا يمكنها البقاء بالاعتماد حصراً على كاريزما فرد واحد. فالحركات تصبح قادرة على تجاوز جيل واحد حين تنجح في نقل خبراتها، وقيمها، وهُويتها، وهياكلها التنظيمية إلى الأجيال اللاحقة.
وفي أدبيات علم اجتماع الحركات الاجتماعية، يُعدّ الانتقال من حالة «الحركة» إلى «المؤسسة» إحدى القضايا الجوهرية. فالحركة التي ترتهن بقائد واحد فقط قد تعصف بها أزمة وجودية مع رحيله، غير أن الحركة التي استحدثت إلى جانب القيادة الكاريزماتية هياكل اجتماعية، وتنظيمية، وجيلية، تكتسب طاقة وقدرة أكبر على الاستمرار. وهذا هو السياق الموضوعي الذي يجب من خلاله فهم السيد هاشم صفي الدين.
شهادة السيّد صفي الدين؛ وتوصيف
قائد الثورة
في بيان الإمام الشهيد إثر استشهاد السيد هاشم صفي الدين، وُصف بأنه «السيّد المجاهد الرشيد والمضحّي» و«من أبرز الشخصيات الكبرى لحزب الله»، كما ذُكر بوصفه «العضد والرفيق الدائم» للسيّد حسن نصر الله.
ويكتسب هذا التوصيف أهمية تحليلية بالغة؛ فللوهلة الأولى قد يتوهم البعض أن السيد صفي الدين لا يُعرّف إلا بالقياس إلى السيد حسن نصر الله، غير أن نص بيان قائد الثورة يدحض هذا الفهم. فصفي الدين، وفي الوقت ذاته الذي يوصف فيه بأنه «الرفيق الدائم» لنصر الله، جرى تصويره كشخصية بارزة ومستقلة في تاريخ حزب الله. ويجب النظر إلى هذين المستويين في آن معاً: المستوى الأول يجسد علاقته الإنسانية والسياسية بنصر الله، بينما يمثل المستوى الآخر مكانته الذاتية والمستقلة في بنية المقاومة.
بناءً على ذلك، لا ينبغي حصر تعريف السيد صفي الدين في كونه مجرد «الرجل الثاني» أو «الخليفة» لقائد ما؛ بل كان جزءاً من جيل صان هيكل المقاومة وطوره على مدى عقود متتالية.
سيّدان؛ ونمطان من الرأسمال
يمكننا هنا توظيف مفهومي «الرأسمال الرمزي» و«الرأسمال التنظيمي». فالرأسمال الرمزي يرتبط بالاعتبار، والمكانة، والدلالة المعنوية التي تحظى بها الشخصية في وجدان المجتمع. أما الرأسمال التنظيمي، فيتعلق بالشبكات، والخبرة الإدارية، والهياكل، والطاقات المؤسسية.
ويمكن اعتبار السيد حسن نصر الله أحد أبرز حاملي الرأسمال الرمزي للمقاومة؛ في حين مثّل السيد هاشم صفي الدين -إلى جانب سائر قادة حزب الله- جانباً أساسياً من رأسماله التنظيمي. وبطبيعة الحال، فإن هذا التقسيم ليس حدّياً أو مطلقاً؛ فالسيد حسن نصر الله كان قائداً لمنظمة كبرى أيضاً، والسيد هاشم صفي الدين كان شخصية عامة وسياسية بدوره. غير أن هذا التمايز يفيد تحليلياً في تبيين تباين أدوارهما.
فالحركات المستدامة تحتاج عادةً إلى كلا الأمرين؛ فإذا اقتصرت الحركة على التنظيم وحده، فقد تفرغ من المعنى والروح، وإن اقتصرت على الرمز والكاريزما فحسب، فقد تصبح هشة مؤسسياً. ويمكن مقاربة تجربة حزب الله من هذه الزاوية بوصفها نموذجاً لدراسة التلازم بين «المعنى» و«التنظيم».
من الكاريزما إلى المؤسسة
يشير عالم الاجتماع ماكس فيبر، في سياق بحثه حول السلطة الكاريزماتية، إلى مسألة هامة: «كي تستمر الكاريزما، لابدّ لها من أن تتحول إلى نمط من الهيكل والتقليد المستقر». وفي مصطلح فيبر، يمكن تسمية هذه العملية بـ«مأسسة الكاريزما» أو تحويلها إلى روتين وممارسة اعتيادية؛ أي أن السلطة التي ترتكز في البدء على الشخصية الفردية تستقر تدريجياً داخل الهياكل، والقواعد، والتنظيمات.
وإذا أسقطنا هذا المفهوم على تجربة حزب الله، تتضح أهمية شخصيات من طراز السيد هاشم صفي الدين بجلاء؛ فقد كان جزءاً من هيكل أُنيط به نقل خبرة جيل وقيمه إلى الأجيال التالية. ولهذا السبب، فإن دراسة السيد صفي الدين تظل ناقصة دون استيعاب مفهوم «الجيل». فالأجيال السياسية ليست مجرد تجمعات لأفراد متقاربين في السن، بل هي مجموعات تتقاسم تجارب تاريخية مشتركة، وذكريات مشتركة، ولغة سياسية موحدة. وكان صفي الدين ينتمي إلى جيل عاش مخاضات لبنان، والاحتلال، والمقاومة، والحروب، والعمل التنظيمي، وتحولات العالم العربي ضمن إطار تاريخي موحد؛ مما ساعد في صياغة هُوية سياسية متماسكة.
الذاكرة الجمعية؛ وتخليد الشخصيات
يُبين عالم الاجتماع موريس هالبواكس في نظرية الذاكرة الجمعية أن الذكرى الفردية تتشكل دائماً ضمن أطر الجماعات والهياكل الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، لا يمكن دراسة شخصيات مثل السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين عبر حياتهم الفردية الصرفة؛ فقد اكتسبوا دلالتهم في كنف ذاكرة مجتمع ومسار تيار تاريخي.
وحين يستحضر مجتمع ما قائده مقترناً بمفاهيم مثل «المقاومة»، أو «الكرامة» أو «الشهادة»، فإنه يربط في واقع الأمر الشخصية الفردية بمنظومة من القيم الجمعية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية فيما يخص السيد حسن نصر الله؛ إذ جاء في بيان قائد الثورة إثر استشهاده التأكيد على أن «سيّد المقاومة لم يكن مجرد شخص، بل كان نهجاً ومدرسة». ولعل هذه العبارة تمثل، من منظور علم الاجتماع السياسي، المفتاح الأهم لفهم شخصية السيد حسن نصر الله. فالـ«شخص» يمكن إحلال بديل له، أمّا «النهج» و«المدرسة» فلهما دلالة جمعية ومؤسسية. وعليه، فإن المعنى الجوهري لشخصية السيد حسن نصر الله في هذا الإطار لا ينحصر في سماته الفردية، بل في الدور الذي اضطلع به لتحويل تجربة المقاومة إلى هُوية جمعية.
السيّد صفي الدين؛ ومفهوم «النهج»
يسري المنطق ذاته على السيد هاشم صفي الدين؛ ففي بيان قائد الثورة المؤرخ في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 2024م، وبعد الإشادة بالسيد صفي الدين والإشارة إلى رفقته الطويلة للسيد حسن نصر الله، جرى التأكيد على حيوية حزب الله ونموه وتجدده. ويُظهر هذا التأكيد أن الشخصيات، في هذه المنظومة الفكرية، تُمثل أجزاء من مسار تاريخي مستمر؛ فالسيد صفي الدين يحظى بالأهمية؛ لكن أهميته لا تقتصر على فرديته، بل في ارتباطه بتنظيم، وجيل، وتجربة تاريخية. لذلك، يمكن القول إن السيدين نصر الله وصفي الدين كانا يمثلان صورتين لـ«القيادة الجمعية»؛ والقيادة الجمعية تعني أن الحركة التاريخية لا يصنعها فرد واحد بمفرده، بل تسهم في بلورتها واستدامتها شبكة متكاملة من القادة، والعلماء، والقادة الميدانيين، والمديرين، والنخب، والقوى الاجتماعية.
العالم الإسلامي؛ من الجغرافيا إلى الهُوية
يتمثل أحد أهم أبعاد مكانة هاتين الشخصيتين في علاقتهما بمفهوم العالم الإسلامي؛ فالعالم الإسلامي ليس وحدة سياسية مندمجة ومصمتة، بل تتعدد داخله الدول، والشعوب، والمذاهب، والثقافات، وتكتنفه خلافات سياسية واجتماعية جمة. ومن ثَمّ، فإن الحديث عن «الأمّة الإسلامية» لا ينبغي أن يعني إغفال هذا التنوع. غير أنه إلى جانب هذه التمايزات، ثمة مستوى آخر: مستوى الهُوية الدينية والحضارية.
وقد أكد قائد الثورة الشهيد، في خطبة الجمعة في 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2024م، على مفهوم «تضامن المسلمين» ووضعه في مواجهة السياسات الهادفة لبث الفرقة. وفي هذا الإطار بالتحديد، استطاع السيد حسن نصر الله أن يحمل دلالة معنوية لجمهور يتجاوز جغرافية لبنان؛ فرغم كونه عالم دين لبنانياً، إلا أن القضايا التي كان يتناولها كانت تلامس وجدان العديد من المسلمين في شتى البلدان. وقضايا مثل فلسطين، والاستقلال، والكرامة، والمقاومة تعبر هنا حدود جغرافيا معينة لتتحول إلى مفاهيم قابلة لإعادة الإنتاج والتفاعل في فضاء عابر للحدود. وكان السيد صفي الدين يندرج ضمن هذه المنظومة ذاتها، مع فارق أن دوره برز أكثر في هيكل الاستدامة التنظيمية وبنائها.
لبنان؛ مجتمع تعددي وتجربة مركّبة
يتمثل أحد الأخطاء الشائعة في تحليل المقاومة اللبنانية في تبسيط الواقع الاجتماعي اللبناني؛ فلبنان مجتمع متعدد الطوائف ومتعدد الطبقات، اقترن تاريخه السياسي بتنوع مذهبي، وإثني، وطبقي، وسياسي مركب. ولذا، لا ينبغي لأي تحليل رصين حول حزب الله وقادته أن يفترض لبنان مجتمعاً متجانساً.
وفي مثل هذا المجتمع بالذات كان ينشط السيد حسن نصر الله؛ وتجلّت أهميته في قدرته على صياغة هُوية سياسية تبلورت حول المقاومة في شريحة واسعة من الفضاء الاجتماعي اللبناني، مع الإقرار في الوقت ذاته بأن نظرة القوى والفئات اللبنانية إليه لم تكن متطابقة.
ويجب أن تكون هذه النقطة واضحة وجلية في أي مقال علمي - تحليلي؛ فالتحليل العلمي يكتسب مصداقيته حين يحافظ على إدراك التعقيد الاجتماعي لموضوعه. والأمر عينه ينطبق على السيد هاشم صفي الدين؛ إذ يجب استقراء تجربته في سياق المجتمع اللبناني، وهيكل حزب الله، والشبكة الاجتماعية الحاضنة للمقاومة، لا في الفراغ.
لماذا تكتسب هاتان الشخصيتان أهمية
في الدراسة السوسيولوجية؟
يمكن تلخيص الإجابة في ثلاثة مستويات:
• أولاً: المستوى الفردي: كلاهما عالما دين انخرطا في معترك السياسة والتنظيم الاجتماعي.
• ثانياً: المستوى التنظيمي: كلاهما نشط في هيكل تنظيمي استطاع الاستمرار والصمود لعقود.
• ثالثاً: المستوى الحضاري: اكتسب خطابهما دلالته في إطار يتجاوز حدود لبنان، وانعكس بوضوح في أدبيات المقاومة الإسلامية وقضية فلسطين.
هذه المستويات الثلاثة هي ما يجعل منهما موضوعاً هاماً لعلماء الاجتماع السياسي؛ حيث لا يعود السؤال مقتصراً على «ماذا فعل السيد حسن نصر الله؟» أو «ما هي مسؤوليات السيد هاشم صفي الدين؟»، بل يمتدّ إلى تساؤلات أعمق: كيف يتحول الفرد إلى رمز؟ وكيف يمكن لمنظمة أن تنتج هُوية؟ وكيف تنتقل الذاكرة السياسية إلى الأجيال اللاحقة؟ وكيف تتحول تجربة محلية إلى خطاب عابر للحدود؟
من الفرد إلى المدرسة
إذا أردنا تلخيص هذا الطرح برمته في مفهوم جامع، فعلينا الانتقال من مستوى «الفرد» إلى مستوى «المدرسة». ففي بيان الإمام الشهيد بشأن السيد حسن نصر الله، ورد هذا التعبير بوضوح: «سيّد المقاومة لم يكن مجرد شخص، بل كان نهجاً ومدرسة». وتمتلك هذه العبارة طاقة تجعلها الأساس المحوري لتحليل شخصية السيد حسن نصر الله؛ فمدرسة المقاومة، وفق هذا الفهم، ليست مجرد ممارسات متفرقة، بل تنطوي على مرتكزات كالإيمان، والاستقلال، والصمود، والمسؤولية الاجتماعية، والدفاع عن المظلوم، واليقين بإمكانية مقاومة القوى المتفوقة مادياً.
وأضحى السيد حسن نصر الله ضمن هذا الإطار «رمزاً» لهذه المدرسة، في حين كان السيد هاشم صفي الدين إحدى الشخصيات التي ساهمت -على المستويين التنظيمي والجيلي- في استدامة هذه المدرسة وتثبيتها. ومن هذا المنظور، لا تُختزل العلاقة بينهما في إطار «القائد ونائبه» بالمعنى الإداري للكلمة، بل تمثل علاقة بين عنصرين متمايزين داخل منظومة تاريخية واحدة؛ حيث كان أحدهما حاملاً للمعنى والرمز، بينما مثل الآخر ركيزة أساسية للتنظيم والاستدامة.
إرث السيّدين
إذا أردنا اليوم تقييم إرث هاتين الشخصيتين، فلا ينبغي الاكتفاء بإحصاء عدد الخطابات، أو المناصب، أو الأحداث السياسية إبان مسيرتهما؛ بل ينبغي قياس الإرث السياسي لأي شخصية عبر أربعة مستويات:
1. الإرث الفكري: المفاهيم التي أدخلاها في الأدبيات السياسية للمجتمع.
2. الإرث الرمزي: الصورة الراسخة لهما في الذاكرة الجمعية.
3. الإرث التنظيمي: الهياكل والمؤسسات التي ساهما في تأسيسها واستدامتها.
4. الإرث الجيلي: الكوادر والطاقات التي باتت بعدهما حاملة لقيم وخبرات ذلك الجيل ذاته.
ويمكن دراسة السيد حسن نصر الله في كافة هذه المستويات الأربعة، بيد أن سمته الأبرز تجلت في المستويين الرمزي والتواصلي؛ كما يُدرس السيد هاشم صفي الدين في المستويات الأربعة جميعها، غير أن أهميته الخاصة تتجلى في المستويين التنظيمي والجيلي. ولهذا السبب، فإن وضع هاتين الشخصيتين معاً يقدم صورة أكثر اكتمالاً للمقاومة مقارنة بدراسة كل منهما على حدة.
ما وراء السياسة اليومية
لعل أهم ميزة للدراسة التاريخية حول هاتين الشخصيتين تكمن في فصلهما عن مستوى الأخبار اليومية العابرة؛ فالسياسة اليومية تتبدل باستمرار، في حين أن الشخصية التاريخية تكتسب قيمتها التحليلية حين يمكن معاينة دورها ضمن مسار استراتيجي طويل الأمد. فقد تحول السيد حسن نصر الله على مدى عقود من عالم دين شاب إلى قائد لتيار سياسي - اجتماعي، ثم إلى رمز عابر لحدود لبنان؛ كما ساهم السيد هاشم صفي الدين في الفترة ذاتها في بناء الهيكل التنظيمي لهذا التيار وصيانته، ليصبح أحد أبرز وجوه جيل القيادة في حزب الله. ولذا، لا تنحصر قيمة دراستهما في الوقائع الظرفية العابرة، بل لكونهما جزءاً من التاريخ الاجتماعي والسياسي للشرق الأوسط والعالم الإسلامي في العقود الأخيرة.

تتمة المنشور في الصفحة 7

البحث
الأرشيف التاريخي