تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
من الجغرافيا إلى القوة الاقتصادية؛
كيف تتحوّل الممرات التجارية إلى محرّك جديد لاقتصاد إيران؟
الجغرافيا الفريدة لإيران في المنطقة
تُعدّ جغرافيا إيران واحدة من أهم المزايا التنافسية لاقتصاد البلاد. فوجودها عند نقطة اتصال آسيا الوسطى، والقوقاز، وشبه القارة الهندية، والخليج الفارسي، وبحر عُمان، والأسواق الأوروبية، خلق قدرة نادرة للقيام بدور في التجارة الإقليمية والدولية. ويرى بعض خبراء النقل والتجارة أن قلة من الدول في المنطقة تمتلك مثل هذا الموقع، أي الجغرافيا والسياسة والقوة. فإيران توفر في الوقت نفسه إمكانية الربط بين الشمال والجنوب، وبين الشرق والغرب، وهذه السمة هي التي جعلت كثيراً من الممرات الدولية المهمة تمر عبر أراضي البلاد أو تمتلك قابلية المرور منها. ومع ذلك، فإن جزءاً مهماً من هذه القدرة لم يُستخدم على نحو كافٍ خلال السنوات الماضية. أما الآن، فقد أدت الظروف الجديدة إلى جذب انتباه صانعي السياسات إلى هذه الميزة الاستراتيجية أكثر من أي وقت مضى.وتُظهر تجربة اقتصادات مختلفة في العالم أن كثيراً من الإصلاحات الاقتصادية الكبرى تشكلت في سياق الأزمات والقيود. وما حدث للاقتصاد الإيراني في الأشهر الأخيرة يندرج في الإطار نفسه. فقد دفعت القيود في بعض مسارات النقل التقليدية الأجهزة التنفيذية نحو تصميم مسارات بديلة، وتفعيل القدرات الأقل استخداماً، وإعادة النظر في الخريطة التجارية للبلاد. وكانت نتيجة هذه العملية تشكّل برنامج لنقل جزء من تجارة البلاد إلى الموانئ الشمالية، والحدود البرية، والمسارات السككية.
فرصة اقتصادية جديدة في الموانئ الشمالية
يُعدّ الاستخدام الأقصى لقدرات الموانئ الشمالية للبلاد أحد أهم محاور البرنامج الجديد للحكومة. فالموانئ الواقعة على سواحل بحر قزوين يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في نقل البضائع بين إيران وروسيا وجمهورية أذربيجان وكازاخستان وسائر دول المنطقة. إن تفعيل هذه القدرات لا يساعد فقط في تخفيف الضغط عن بعض المسارات التقليدية، بل سيُسهّل أيضاً وصول إيران إلى سوق أوراسيا الكبرى. وهي سوق يمكن أن تكون وجهة مهمة لصادرات السلع الإيرانية، وأن تخلق فرصاً جديدة للمنتجين المحليين.
ومن بين المسارات الترانزيتية، يحتل ممر الشمال - الجنوب الدولي مكانة خاصة، فهذا المسار، الذي يربط الهند بروسيا وأوروبا عبر إيران، يُعدّ واحداً من أهم مشاريع المنطقة. ولا تقتصر أهمية هذا الممر على نقل البضائع فحسب. فتطوير هذا المسار يمكن أن يحوّل إيران إلى حلقة وصل بين الاقتصادات الآسيوية والأوروبية الكبرى، وأن يحقق للبلاد عائدات ترانزيتية ملحوظة. وفي الواقع، كلما ازداد حجم مرور البضائع عبر الأراضي الإيرانية، استفادت من هذه العملية قطاعات مختلفة من الاقتصاد، بما في ذلك النقل، والتأمين، والخدمات اللوجستية، والتخزين، والبنى التحتية التجارية.
الهند؛ شريك محتمل
إلى جانب روسيا ودول منطقة أوراسيا، تُعدّ الهند أيضاً أحد اللاعبين المهمين الذين يمكن أن يكون لهم دور حاسم في مستقبل الممرات التجارية الإيرانية. وفي هذا الصدد، يرى محلل شؤون شبه القارة الهندية، نوذر شفيعي، أن الهند، بوصفها إحدى القوى الصاعدة في الاقتصاد العالمي، تمتلك قدرات واسعة للتعاون مع إيران في مجالات الترانزيت والتجارة والطاقة. كما أن الروابط التاريخية والثقافية بين البلدين وفرت أرضية مناسبة لتطوير هذه التعاونات. ومع ذلك، فقد تأثر جزء من قدرات التعاون بين طهران ونيودلهي خلال السنوات الأخيرة بمتغيرات إقليمية ودولية، ولم يُستخدم على نحو كافٍ.
وفي ظل اشتداد المنافسة على الممرات التجارية في المنطقة، فإن تفعيل القدرات المشتركة بين إيران والهند يمكن أن يعزز مكانة البلاد في معادلات الترانزيت الإقليمية. كما يعتقد كثير من المحللين أنه كلما أدت إيران دوراً أكثر بروزاً في ممر الشمال ـ الجنوب، ازدادت جاذبيتها الاقتصادية بالنسبة إلى شركاء كبار مثل الهند.
تطوير العلاقات التجارية مع الصين
وإلى جانب ممر الشمال - الجنوب، يحظى تطوير العلاقات التجارية مع الصين بأهمية خاصة أيضاً. فقد وسّعت إيران والصين خلال السنوات الماضية تعاونهما في مجالات النقل البحري والجوي والسككي. وفي هذا الصدد، يرى مهدي فرامرزي، رئيس دائرة الصين في وزارة الخارجية، أن وثائق التعاون بين البلدين تغطي جميع أنماط النقل، وأنه ينبغي الآن استخدام هذه القدرات لتعزيز صمود التجارة الخارجية. إن زيادة الرحلات التجارية بين إيران والصين والاهتمام المتجدد بالمسار السككي إيوو - إيران، يمثلان مؤشراً على السعي إلى تنويع مسارات النقل.
ورغم أن المسار السككي بين البلدين واجه في السنوات الأخيرة بعض التحديات اللوجستية والإقليمية، فإنه لا يزال يُعدّ إحدى أهم قدرات ربط إيران باقتصاد شرق آسيا. ويمكن لتطوير هذا المسار أن يعزز مكانة إيران في إحياء طريق الحرير الجديد، وأن يرتقي بدور البلاد في سلسلة الإمداد الإقليمية.
تُظهر التجربة العالمية أن تطوير الممرات التجارية لا يتحقق بمجرد بناء الطرق أو السكك الحديدية أو الموانئ. فنجاح هذه المشاريع يتطلب دبلوماسية اقتصادية نشطة وتنسيقاً مستمراً مع الدول الجارة والشركاء التجاريين. وتُعدّ المشاورات التي أُجريت مع الدول الجارة والجهود المبذولة لإزالة العوائق اللوجستية جزءاً من هذا النهج. وفي مثل هذه الظروف، يمكن للدبلوماسية الاقتصادية أن تتحول إلى أداة فعالة لخفض تكلفة التجارة، وزيادة التعاون الإقليمي، وتطوير الأسواق التصديرية للبلاد.
