تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
حرب غزة خارج الرواية الرسمية
25 دقيقة من التصفيق.. «نازا» يعرّي جرائم الاحتلال ويهزّ صورته أمام العالم
من التبرير إلى المساءلة.. تهاوي غطاء «الدفاع عن النفس»
منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، جعل كيان الاحتلال من شعار «الدفاع عن النفس» غطاءً سياسياً وإعلامياً لحربه على قطاع غزة، مستفيداً من الصدمة التي أحدثتها أحداث السابع من أكتوبر / تشرين الأول للحصول على دعم غربي واسع وتبرير تصعيده العسكري. لكن مع استمرار العدوان واتساع نطاق المجازر والدمار والتهجير والحصار، أخذ هذا الغطاء يتهاوى أمام حجم الوقائع التي فرضتها آلة الحرب الصهيونية على الأرض. فلم تعد رواية الاحتلال قادرة على حجب مشاهد الأحياء المدمرة والعائلات المستهدفة والنازحين المحاصرين، أو إقناع الرأي العام بأن ما يجري مجرد «دفاع عن النفس». ومع تراكم الشهادات والتقارير والمواد المصورة القادمة من غزة، لم يعد النقاش في الغرب مقتصرًا على مبررات الحرب، بل امتد إلى طبيعة العمليات العسكرية وآليات تنفيذها، وما إذا كان شعار «الدفاع عن النفس» قادرًا على تفسير حجم الخسائر والدمار في القطاع.
شهادات من الداخل.. عندما تنقلب المؤسسة على روايتها
تكمن أهمية «نازا» في اعتماده على شهادات جنود وعسكريين صهاينة سابقين شارك بعضهم في العدوان على غزة، ويتحدثون عن آليات الاستهداف والقصف وإدارة العمليات. وتكتسب هذه الشهادات أهمية إضافية من مصدرها، إذ تأتي من أشخاص خدموا داخل المؤسسة العسكرية، وليس من خصومها فقط.
ويتناول الفيلم، وفق ما يورده العمل، أنظمة الاستهداف والمراقبة واستخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف، إلى جانب عمليات عسكرية طالت مناطق مأهولة. كما يطرح شهادات تتصل بكيفية تنفيذ العمليات واتخاذ القرارات الميدانية، ما ينقل النقاش من نتائج الحرب إلى بعض الآليات التي تقف وراءها.
فيلم «نازا».. شهادات تثير عاصفة سياسية
أثار عرض الفيلم جدلًا واسعًا داخل كيان الاحتلال، خصوصًا مع انتقال النقاش من مضمون الشهادات إلى صانعي العمل. فقد وُجّهت إليهم اتهامات بالخيانة، وبرزت تهديدات بسحب الجنسية، كما دخلت تهمة «معاداة السامية» في سياق الهجوم على الفيلم ومنتجيه.
وأخرج هذا الجدل العمل من نطاقه السينمائي إلى مساحة سياسية وإعلامية أوسع، بعدما أصبح صانعوه أنفسهم جزءًا من النقاش حول حدود النقد وحرية التعبير في كيان الاحتلال.
وفي المقابل، حظي الفيلم باهتمام دولي بعد عرضه في مهرجان البندقية، فيما قد تصبح الشهادات الواردة فيه موضع اهتمام في النقاشات المتعلقة بالمساءلة القانونية عن الحرب في غزة، ولا سيما ما يرتبط باستخدام شهادات من داخل المؤسسة العسكرية في المنابر السياسية والقضائية الدولية.
من غزة إلى شاشات الغرب.. معركة الرواية
تكمن أهمية الفيلم أيضًا في انتقال النقاش حول الحرب إلى واحدة من أبرز المنصات الثقافية في العالم. فالمهرجانات والسينما والإعلام أصبحت ساحات مؤثرة في تداول الروايات والشهادات المتعلقة بالحرب، خصوصًا مع انتشار الصور والتقارير القادمة من غزة. ومن هنا، فإن التصفيق الطويل في البندقية لا يمكن اعتباره حكمًا سياسيًا شاملًا على مواقف الجمهور الغربي، لكنه يعكس حجم الاهتمام الذي حظي به عمل يقدم رواية مختلفة عن الحرب أمام جمهور دولي واسع.
الغرب يتغير.. والغطاء لا يزال قائماً
لا يعني ذلك أن الغرب بات موحدًا في موقفه من كيان الاحتلال، فما تزال الاعتبارات الاستراتيجية والتحالفات السياسية والأمنية حاضرة في مواقف الحكومات الغربية. لكن النقاش داخل قطاعات من الرأي العام والجامعات ووسائل الإعلام والقطاع الثقافي اتسع مع استمرار الحرب وتزايد تدفق الصور والشهادات من القطاع.
ومع اتساع هذا النقاش، تبرز فجوة بين المواقف الرسمية في بعض الدول الغربية وبين مواقف قطاعات من مجتمعاتها تجاه الحرب، لتصبح القضية حاضرة ليس فقط في السياسة والدبلوماسية، بل أيضًا في المجال الثقافي والإعلامي.
التهديد بسحب الجنسية.. عندما يتحول الفيلم إلى قضية سياسية
أثار التهديد بسحب الجنسية من صانعي الفيلم، بدعوى «الخيانة»، جدلًا تجاوز مضمون العمل إلى التعامل مع منتجيه. وأدى ذلك إلى زيادة الاهتمام بالفيلم، وتحول صانعوه إلى جزء من نقاش أوسع حول حدود النقد وحرية التعبير.
وهكذا، انتقل «نازا» من كونه فيلمًا عُرض في مهرجان سينمائي إلى قضية سياسية وإعلامية داخل كيان الاحتلال وخارجه، بعدما دخلت المؤسسات السياسية على خط الجدل حوله.
من أزمة صورة إلى مأزق سياسي وإعلامي
الأزمة التي يواجهها كيان الاحتلال لا تختصر في فيلم أو مهرجان، بل ترتبط بتراكم صور وشهادات وتقارير بدأت تعيد تشكيل طريقة تلقي الحرب داخل قطاعات من المجتمع الغربي. وكلما طال أمد العدوان، أصبح من الأصعب اختزال المشهد في خطاب أمني واحد، أو حجب تبعات الحرب خلف شعار «الدفاع عن النفس».
وهنا تتحول الصورة إلى عبء سياسي. فكل شهادة جديدة من داخل المؤسسة العسكرية، وكل مادة موثقة عن الدمار في قطاع غزة، وكل عمل ثقافي يصل إلى جمهور غربي واسع، يضيف طبقة جديدة إلى النقاش حول مسؤولية الاحتلال وداعميه. ولم تعد المعركة على الأرض وحدها، بل أصبحت أيضاً معركة على الوعي والرواية والشرعية الأخلاقية.
25 دقيقة تختصر تحوّلاً أوسع
25 دقيقة من التصفيق لا تغيّر سياسة دولة، لكنها تكشف عن حجم الاهتمام الذي يمكن أن يحظى به عمل ثقافي عندما يأتي في لحظة تتزايد فيها الأسئلة حول حرب غزة. فـ«نازا» لم يحظَ بالاهتمام بسبب موضوع الحرب وحده، بل أيضًا بسبب طبيعة الشهادات التي يقدمها ومصدرها، ووصولها إلى جمهور دولي في مهرجان البندقية.
واللافت أن الرواية الصهيونيةلم تعد تتحرك وحدها في الفضاء الإعلامي والثقافي الغربي؛ فهناك شهادات وصور وتقارير وروايات أخرى تجد طريقها إلى الجمهور عبر السينما والإعلام والمنصات الثقافية.
لذلك، فإن التصفيق الذي استمر 25 دقيقة لا يمثل بحد ذاته نقطة تحول سياسية، لكنه يعكس انتقال جانب من النقاش حول الحرب إلى مساحة تتجاوز السياسة والدبلوماسية، لتشمل السينما والإعلام والرأي العام في الغرب.
