تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
رئيس الجمهورية، مُشدّداً على ضرورة إصلاح حقيقي للآليات الدولية:
سنُعزّز علاقاتنا مع الدول الإسلامية ودول الجوار وسنجعلها أكثر منطقية وقوّة
وصرح الدكتور بزشكيان، أمس السبت، في اجتماع مغلق لقادة مجموعة البريكس الذي عُقد في نيودلهي بالهند، بأن مصداقية أيّ نظام حكم تقوم على قدرته على حماية حقوق جميع الدول، كبيرها وصغيرها، وقال: إذا لم يستطع ميثاق الأمم المتحدة حماية الدول من الاستخدام غير القانوني للقوّة، وإذا كانت القواعد الدولية ملزمة للبعض وقابلة للتفسير للبعض الآخر، فلا يمكننا الحديث عن تعدّدية حقيقية.
وأردف رئيس الجمهورية قائلاً: اختبرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية هذا الواقع عملياً. فقد أودى العدوان العسكري الذي شنّته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران بحياة أبرياء، وألحق أضراراً بالغة بالبنية التحتية الحيوية والاقتصادية والمدنية للبلاد. في اليوم الأول من هذه الحرب التي استمرت أربعين يوماً، استشهد قائد الثورة الإسلامية و168 طفلاً بريئاً في مدرسة ميناب على يد الولايات المتحدة وكيان الإحتلال، وأظهر الهجوم على مدرسة ميناب وملعب لامرد كيف يمكن للأحادية والنزعة الحربية والوحشية التي تمارسها الولايات المتحدة وكيان الاحتلال، إلى جانب تقاعس الأمم المتحدة ومجلس أمنها، أن تهدّد حياة البشر تهديدًا مباشرًا.
يجب ألّا يقتصر ردّنا على إصدار البيانات
في الوقت نفسه، فإن ما يحدث للمدنيين في غزة ولبنان قد هزّ ضمير الإنسانية. إذا كان النظام الراهن عاجزا عن حماية أرواح البشر وسيادة الدول من الحرب والإبادة الجماعية والعدوان، فكيف لنا أن نثق بشرعيته؟ يجب ألا يقتصر ردّنا على إصدار البيانات، بل نحتاج إلى إصلاح حقيقي للآليات الدولية.
وأوضح الرئيس بزشكيان في هذا الصدد: من منظور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تقوم الحوكمة الشاملة على أربعة أركان: أولًا، الاحترام المتساوي لسيادة الدول والتطبيق غير التمييزي للقانون الدولي؛ لا ينبغي إعفاء أي دولة من القواعد الملزمة للآخرين بسبب قوتها الاقتصادية أو العسكرية. ثانياً، لابد من إصلاح هياكل الحوكمة العالمية؛ إذ ينبغي لمجلس الأمن والمؤسسات المالية الدولية أن تعكس الحقائق الجديدة للعالم والدور الحقيقي لدول الجنوب العالمي. ثالثاً، لابد من تحويل التعددية من مجرد شعار إلى واقع ملموس؛ من خلال توسيع التجارة بالعملات الوطنية، وتعزيز آليات الدفع المستقلة، وتدعيم دور مؤسسات مثل بنك التنمية الجديد في البنية الاقتصادية لنظام عالمي أكثر توازناً. رابعاً، المواجهة العملية والجدّية للعقوبات الأحادية؛ تلك العقوبات التي لا تستهدف الحكومات فحسب، بل تستهدف أيضاً الشعوب والمرضى والأطفال، ومسار التنمية في الدول.
وأكمل الرئيس بزشكيان: أظهرت تطورات السنوات الأخيرة أنه لم يعد بالإمكان تعريف الأمن المستدام على أساس توفير الأمن للبعض وانعدام الأمن للآخرين. يتحقّق الأمن المستدام عندما تُحترم سيادة الدول، ولا يجوز لأي دولة استخدام أراضيها لتهديد دولة أخرى أو مهاجمتها. يجب علينا في مجموعة البريكس مقاومة تطبيع الهجمات على البنية التحتية المدنية والحيوية. وينطبق المبدأ نفسه على المنشآت النووية السلمية؛ يجب أن تبقى هذه المنشآت بمنأى عن الهجمات والتهديدات، لأن تعريضها للخطر ليس شأناً يقتصر على دولة واحدة، بل هو تهديد للسلم والأمن الدوليين.
يجب أن تكون مجموعة «بريكس» صوتاً للعدالة
وأكمل رئيس الجمهورية: إن القضية الفلسطينية اختبار آخر لمصداقية الحوكمة العالمية. للشعب الفلسطيني الحق في تقرير مصيره والعيش بأمان، ولا يمكن التوصل إلى حلّ عادل دون احترام إرادته. يجب أن تكون مجموعة البريكس صوتاً للعدالة، وأن تضطلع بدور أكثر فاعلية في إنهاء الاحتلال وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
وأكمل موضّحاً: تدعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية ثلاثة توجهات في مجموعة البريكس: تعزيز التنسيق السياسي بين الأعضاء دفاعاً عن ميثاق الأمم المتحدة وسيادة الدول؛ وتطوير التعاون الاقتصادي والمالي بمعزل عن أدوات الاحتكار؛ وتعزيز التعاون في مجالات العلوم والتكنولوجيا والطاقة والأمن الغذائي بما يعود بالنفع على جميع الأعضاء، ولا سيما دول الجنوب العالمي. اليوم، العالم في أمسّ الحاجة إلى التعاون؛ لكن التعاون المستدام لا يتحقّق دون عدالة. تتحقّق التعددية عندما يكون الجميع سواسية أمام القانون، وتصبح الحوكمة العالمية شرعية عندما تُسمع أصوات الدول النامية.
وأردف: ستنجح مجموعة البريكس في تحقيق أهدافها المنشودة، ولا سيما في إرساء نظام دولي قائم على العدالة قادر على تجاوز بعض التحديات داخل المجموعة. إن الالتزام بالمبادئ والأهداف الأساسية لمجموعة البريكس، وتجنب التأثر بالتوجهات والضغوط الخارجية، ومقاومة العقوبات غير القانونية والقمعية المفروضة على الأعضاء، وتحويل مجالات التنافس إلى تعاون، وإنشاء نظام، ومعالجة أوجه القصور الإدارية، وإنشاء أمانة عامة دائمة، وتعزيز آليات التنسيق بين الأعضاء، أمور جوهرية لضمان تنفيذ القرارات المشتركة بمزيد من التماسك والسرعة والكفاءة. إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أتم الاستعداد للتعاون ضمن إطار البريكس لتحقيق هذه الأهداف. نسعى إلى عالم لا تحل فيه القوة محل القانون، ولا العقوبات محل التعاون، ولا الحرب محل الحوار، ولا الاحتكار محل المشاركة. هذا هو المعنى الحقيقي للحوكمة العالمية الشاملة والتعددية.
الشعب الإيراني لن يستسلم
كما أكّد رئيس الجمهورية، خلال اجتماع حضره رجال دين ونخب ورجال أعمال من الهند، أن أمريكا لا تستطيع فرض الاستسلام على الشعب الإيراني بالترهيب، لذا فهي تسعى إلى إجباره على الاستسلام بسبب نقص سبل العيش والإمكانيات؛ لكن الشعب الإيراني لن يستسلم.
وقال الرئيس بزشكيان، مساء الجمعة، مخاطباً الأعداء: إذا كانوا رجال حرب، فليقاتلوا القوات العسكرية؛ ما شأنهم بخبز الشعب ومعيشته وبنيته التحتية؟ إذا كانوا بشرا، فلماذا يقطعون الماء والغذاء عن الشعب؟ وأضاف: مَن قال إن لحكومة ما الحقّ في اتخاذ قرارات للعالم أجمع وفرض نواياها الشريرة على الآخرين؟ وتابع: جميع البشر متساوون في الحقوق، ويجب أن يعيشوا معاً في ظل العدل والإنصاف؛ هذه رغبتنا، لكنهم لا يريدونها. وأضاف، مؤكّداً سعينا للعدالة ورفضنا للظلم: إن الشعب الإيراني، انطلاقاً من معتقداته الإنسانية والدينية، لن يرضخ للضغوط والتنمر.
وأكد الرئيس بزشكيان على موقف إيران المبدئي الرافض للتنمر ودعمها للمظلومين، قائلاً: إن وقوف إيران اليوم في وجه أمريكا والكيان الصهيوني ليس إلّا تصدّياً للتنمر. هؤلاء المدّعون لحقوق الإنسان شياطين يصفوننا بالإرهابيين. لن نرضخ للتنمر، ولن نتجاهل دماء المظلومين وحقوقهم، وسنقف إلى جانبهم. هذا هو إيماننا وقناعتنا.
وفي إشارة إلى سياسات أمريكا تجاه الشعب الإيراني، صرّح الدكتور بزشكيان: لا تريد أمريكا استقلال الدول. إنهم يبذلون قصارى جهدهم لمنعنا من خدمة شعبنا لتحقيق مآربهم في بلادنا. منذ انتصار ثورتنا، كثّفوا مؤامراتهم وحروبهم في بلادنا يوماً بعد يوم، ويسعون إلى إثارة الفتنة لتحقيق مآربهم. جميع البشر متساوون ولهم حقوق متساوية، ويمكنهم العيش معاً في ظل العدل والإنصاف، هذا ما لا يريده الأعداء.
الرئيس بزشکیان يلتقي عدداً من كبار القادة في «بريكس»
كما إلتقى رئيس الجمهورية، على هامش مشاركته في قمّة مجموعة بريكس، مع رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم. وصرح خلال اللقاء: سنعمل على تعزيز علاقاتنا مع الدول الإسلامية ودول الجوار، وسنجعلها أكثر منطقية وقوّة. وأردف: لن يتحقّق أمن الشرق الأوسط إلاّ بتضافر جهود دول المنطقة. واعتبر الرئيس بزشكيان تطوير العلاقات مع دول الجوار والدول الصديقة أحد أهم استراتيجيات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقال: جيراننا إخوتنا، وقد وسّعنا علاقاتنا معهم يوماً بعد يوم، وهذه العلاقات مع جميع الدول تسير بوتيرة أكثر منطقية وقوة. وصرّح مُؤكّداً: ليس لدينا أي مشكلة مع إخواننا وجيراننا المسلمين؛ لكن أمريكا هي التي تريدنا، نحن الدول الصديقة والشقيقة، أن نكون أعداءً لبعضنا البعض، بينما كل ما نريده هو حقوقنا والعدالة الدولية.
وقال: إن التصعيد المتعمّد للأوضاع في المنطقة ناتج عن الشمولية الأمريكية والأوروبية، وهو جريمة ارتكبها الكيان الصهيوني، لأنه لا يريد وجود دول مستقلة في المنطقة. وأضاف: نحن لا نسعى إلى الحرب ولا إلى استمرارها. على الرغم من كل الظلم الذي لحق بشعبنا، مازلنا نعتبر السلام أولوية. نريد احترام حقوقنا ورفع العقوبات الجائرة. وصرّح قائلاً: لسنا بحاجة إلى قوات أجنبية في المنطقة، فسلامة أراضي المنطقة وأمنها لن يتحقّقا إلاّ بتضافر جهود فاعليها الرئيسيين ودولها.
من جانبه، أكد رئيس وزراء ماليزيا أنّ بلاده مُستعدّة لتحويل الصداقة بين البلدين إلى تعاون أكثر جدوى واستدامة، بما يصب في مصلحة شعبي البلدين.
تعزيز العلاقات بين دول «بريكس»
كما إلتقى رئيس الجمهورية مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، حيث جرت بينهما مباحثات ثنائية على هامش مشاركته في قمة مجموعة البريكس. وأكّد الرئيس بزشكيان، خلال اللقاء، على أهمية تطوير العلاقات الاقتصادية بين دول البريكس، قائلاً: إن تعزيز العلاقات الاقتصادية والمالية بين دول البريكس من شأنه أن يُسهم في تنمية هذه الدول، وعلينا جميعا اتخاذ خطوات نحو زيادة التفاعلات.
وصرح الرئيس بزشكيان قائلاً: بمقاومة الشعب الإيراني، لن تحقق أمريكا والصهاينة نواياهم الخبيثة. لقد عزّزنا علاقاتنا مع الدول الإسلامية والدول المجاورة. لقد ترسخت علاقاتنا مع جيراننا منذ آلاف السنين، وسيستمر هذا التوجه في التطور يوما بعد يوم.
وفي معرض تعزيته باستشهاد قائد الثورة الاسلامية، قال رئيس الوزراء الإثيوبي: إن صمودكم ووطنيتكم أيها الإيرانيون إنجاز عظيم نتطلع نحن الشعب الإثيوبي إلى تعلمه منكم. ودعا آبي أحمد إلى تطوير العلاقات بين إثيوبيا وإيران.
استمرار الاتفاقيات الاستراتيجية بين إيران والهند
كما إلتقى رئيس الجمهورية، على هامش القمة، نظيرته الهندية دروبادي مورمو، وبحث معها القضايا ذات الإهتمام المشترك، وآخر التطورات بين البلدين.
في السياق أيضاً إلتقى الدكتور بزشكيان مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي. وأكد الرئيس بزشكيان، خلال اللقاء، على ضرورة استمرار الاتفاقيات الاستراتيجية بين البلدين، واعتبر تطوير قنوات التواصل بين دول البريكس في المجالات الاقتصادية والمالية أولويةً للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
كما أشار الرئيس بزشكيان إلى استضافة الهند لقمة البريكس، قائلاً: تُولي الجمهورية الإسلامية الإيرانية أهمية بالغة لتطوير التواصل بين دول البريكس في جميع المجالات، ولا سيما المجالات الاقتصادية والمالية.
من جانبه أعرب مودي، عن سعادته بلقائه مع الرئيس بزشكيان في نيودلهي، وأكّد على علاقات الصداقة المثمرة للطرفين. كما اجتمع رئيس الجمهورية، خلال مشاركته في قمة البريكس في نيودلهي، مع ولي عهد الإمارات خالد بن محمد آل نهيان، واجرى معه محادثات حول القضايا ذات الإهتمام المشترك وآخر التطورات في المنطقة.
«بريكس» تدين الأحادية
وفي بيان صادر عن نيودلهي، أعربت الدول الأعضاء في مجموعة البريكس عن قلقها البالغ إزاء تزايد العقوبات الأحادية والتدابير التي تعرقل التجارة وتتعارض مع قواعد منظمة التجارة العالمية، كما أدانت التدابير القسرية الأحادية التي تتعارض مع القانون الدولي. وأكد البيان على ضرورة تعزيز المشاركة في جهود منع النزاعات، بما في ذلك معالجة جذورها. كما جددت المجموعة إلتزامها بالحل السلمي للنزاعات الدولية من خلال الحوار والتشاور والدبلوماسية.
وأيدت الدول الأعضاء في مجموعة البريكس نهجاً متعدد الأطراف يحترم وجهات النظر والمواقف الوطنية المتنوعة بشأن القضايا العالمية الهامة، وشدّدت على أهمية الحوار والتعاون في مواجهة التحديات الدولية.
