تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
من ذاكرة الحضارة إلى فضاء «كوزموسكو»
الفنّ الإيراني.. إرث عريق يتحدّث بلغة الحاضر
«كازموسكو».. من المشاركة
إلى الحضور
في الدورة الرابعة عشرة من معرض سوق الفن الدولي للفن المعاصر «كازموسكو» في موسكو، شارك أكثر من 50 فناناً إيرانياً عبر ثمانية معارض، للسنة الثالثة على التوالي. وأعلن مسؤولو الجناح تحقيق «مبيعات جيدة» واستقبالاً لافتاً من الزوار. غير أن الدلالة الأهم لا تكمن في المبيعات، بل في الاستمرارية. فالحضور المتكرر ينقل الفن من مرحلة التعريف به إلى مرحلة تثبيت موقعه داخل سوق احترافي، حيث تتقاطع الأعمال مع الجامعين وأصحاب المعارض والخبراء والمؤسسات الثقافية.
«الفن الفارسي.. حوار الأجيال»
حمل الجناح الإيراني عنواناً بالغ الدلالة: «الفن الفارسي.. حوار الأجيال». وهو عنوان لخص فلسفة المشاركة؛ فالفن الإيراني المعاصر لا يُقدَّم باعتباره قطيعة مع الماضي، بل امتداداً خلاقاً له. وقد اجتمعت أعمال أسماء بارزة، بينها محسن وزيري مقدم، ورضا درخشاني، وفريدة لاشايي، وحسين كاظمي، وفرشيد ملكي، إلى جانب فنانين معاصرين. ويكشف هذا التنوع أن التراث، في التجربة الإيرانية، ليس أثراً متحفياً، بل مادة حية يعاد تأويلها وفق أسئلة الحاضر.
الفنّ.. جسراً بين الثقافات
تكتسب المشاركة بُعداً أعمق مع ازدياد معرفة الجمهور الروسي بالفن الإيراني. فقد أكدت مديرة ومؤسسة كازموسكو، مارغاريتا بوشكينا، على غنى الثقافة والفن الإيرانيين، وأشارت إلى أن الجمهور الروسي أصبح أكثر ألفة مع أعمال الفنانين الإيرانيين خلال السنوات الماضية.
وهنا تحدث النقلة الثقافية الحقيقية: من اكتشاف الآخر إلى الاعتياد على حضوره. فالهُوية الفنية لا تحتاج دائماً إلى خطاب يشرحها؛ أحياناً تكفي اللوحة لتفتح باباً للتأمل، وتمنح المتلقي فرصة لرؤية ثقافة كاملة من خلال لون أو شكل أو فكرة.
الدبلوماسية الثقافية
من جانبه، وصف المستشار الثقافي الإيراني في روسيا «عبدالرضا راشد» المشاركة بأنها نموذج للدبلوماسية الثقافية عبر الفن، فيما أكد السفير الإيراني في روسيا «كاظم جلالي» على أهمية التفاعل المباشر بين الفنانين والمعارض والمؤسسات في البلدين. وتكتسب هذه الرؤية أهميتها لأن الفن يترك للمتلقي مساحة من الحرية لا يوفرها الخطاب الرسمي. فاللوحة لا تفرض قراءة واحدة، بل تستدعي النظر والتأويل، ومن خلالهما تتشكل معرفة أعمق وأكثر استدامة.
سوق الفنّ.. اختبار للمكانة لا للبيع فقط
شاركت في كازموسكو 108 معارض من أصل 190 طلباً، وفق المنظمين، في ظل معايير تتصل بجودة الأعمال، والسجل المهني، ومفهوم المشروع، وطريقة العرض.
لذلك فإن وصول الفن الإيراني إلى هذه المنصة لا يعني مجرد عرض أعمال أو تحقيق مبيعات؛ بل يعني دخوله إلى منظومة دولية تخضع للمقارنة والاختيار والتقييم. وهنا يصبح الحضور المتواصل مؤشراً على محاولة الانتقال من التمثيل الثقافي إلى المشاركة الفعلية في النقاش الفني العالمي.
اللوحة تتكلم
تكمن قوة الفن الإيراني في قدرته على الجمع بين الأصالة والانفتاح، وأن يحمل ذاكرته دون أن يعيش في الماضي، ويعبر الحدود دون أن يفقد ملامحه. وفي موسكو، لا تبحث اللوحة الإيرانية عن جدار جديد فحسب، بل عن عين جديدة تقرأها، وعقل يتأملها، وذاكرة تستقبلها. وهكذا يتحول الفن من عمل معروض إلى جسر ثقافي، ومن حضور في معرض إلى حوار يتجاوز السياسة والجغرافيا.
