تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
الأسرى اللبنانيون في قلب معركة السيادة والردع
الاحتلال يعتقل ويناور.. والمقاومة تضع تحرير الأسرى في صلب المواجهة
والدليل الأوضح أنه تزامن الإفراج عن خمسة محتجزين مع توغّل قوة صهيونية في مزرعة حلتا واعتقال ثلاثة لبنانيين في اليوم نفسه. ولا يبدو هذا التزامن عابراً، بل يكشف طبيعة السلوك الصهيوني على الجمع بين الإفراج المحدود من جهة، واستمرار الاعتقال والتصعيد الميداني من جهةٍ أخرى؛ خطوة محدودة في مسار، وتصعيد ميداني في مسار موازٍ.
ويكشف هذا التزامن أن الاحتلال لا يتعامل مع الأسرى كحالات منفصلة، بل كجزء من سياسة أوسع تقوم على الضغط وفرض الوقائع واختبار قدرة لبنان على حماية أبنائه وأرضه. لكن استمرار هذه السياسة لا يعني أن الاحتلال نجح في كسر معادلة الردع، بل يؤكد أن الجنوب ما زال ساحة مواجهة على السيادة والوجود والقدرة على منع العدو من فرض إرادته.
الإفراج عن المدنيين لا يعني تنازلاً عسكرياً
توصيف المعتقلين الذين يُفترض الإفراج عنهم ضروري لفهم حقيقة الخطوة. فهؤلاء مدنيون لا علاقة لهم بالعمل العسكري، وليسوا أسرى حرب. وبالتالي، فإن إطلاق سراحهم لا يمكن تقديمه باعتباره تنازلاً صهيونياً في ملف الأسرى ، ولا تصويره كإنجاز عسكري أو ثمناً دفعه الاحتلال للبنان.
فهؤلاء اعتقلهم الاحتلال، وإطلاق سراحهم يعني ببساطة إنهاء احتجاز مدنيين لبنانيين، فيما يحاول العدو تقديم الإفراج عنهم كخطوة كبيرة تخدم روايته السياسية والإعلامية، بالتزامن مع استمرار عدوانه وانتهاكاته على الأرض.
أما أسرى المقاومة الذين أُسروا خلال مواجهة الاحتلال، فهؤلاء في صلب معركة لبنان مع العدو، وتحريرهم حق ثابت تفرضه معادلة المقاومة. فالاحتلال الذي عجز عن كسر المقاومة في الميدان لا ينبغي أن يُمنح فرصة تحويل أسر المقاومين إلى ورقة ضغط أو وسيلة لتجميل صورته.
وإذا كان الاحتلال يحتفظ بأسرى المقاومة، فإن الرهان يبقى على المقاومة وقدرتها على فرض معادلة التحرير. فالمقاومة التي تحمي الأرض وتواجه العدوان لا تتخلى عن أسراها، وتحريرهم جزء من استكمال المواجهة وتثبيت معادلة الردع.
الأسرى اللبنانيون.. قضية سيادة لا ملف احتجاز
ولا تختزل قضية الأسرى اللبنانيين في مَن أُفرج عنهم اليوم، فهناك لبنانيون ما زالوا محتجزين لدى كيان الاحتلال، بينهم من أُسر خلال المواجهات العسكرية، ومن اعتُقل في سياق الاعتداءات والتوغلات داخل الأراضي اللبنانية.
ولهذا فإن حماية لبنان لا تُقاس فقط بوقف الغارات أو منع التوغّل، بل أيضاً بقدرة لبنان على منع الاحتلال من فرض معادلة يصبح فيها الاعتقال أداة دائمة بالضغط على الدولة والمجتمع واختبار حدود الردع. وهنا تكمن أهمية المقاومة. فهي تمثل عنصر القوة الذي يمنع الاحتلال من التعامل مع لبنان كساحة بلا كلفة. ووجودها في معادلة الردع يحمي جوهر السيادة من أن تتحول إلى نصوص عاجزة أمام قوة الاحتلال.
لذلك، فإن المطلوب ليس التعامل مع كل إفراج باعتباره حدثاً منفصلاً، بل تثبيت المبدأ الأساسي: كل لبناني معتقل لدى الاحتلال قضية وطنية، وتحرير الأسرى جزء من حماية السيادة ورفض الاحتلال.
مقايضة الملفات.. الاحتلال يبحث عن مكسب سياسي
يحاول الاحتلال توظيف ملف رفات اليهود اللبنانيين في خدمة روايته السياسية، وتحويله من ورقة تخدم أهدافه إلى مدخل لإعادة تقديم نفسه كطرف يملك المبادرة والقدرة على إدارة الملفات، فيما تتجاهل هذه الرواية حقيقة ثابتة: كيان الاحتلال هو الذي يواصل احتلال الأرض اللبنانية، والتوغّل داخل الحدود، واعتقال اللبنانيين، ومحاولة فرض الوقائع بالقوة.
ولا ينبغي السماح للعدو بأن يستخدم هذا الملف لتبييض صورته أو إعادة صياغة المشهد بما يضعه في موقع صاحب المبادرة، بينما يبقى لبنان في موقع المتلقي. فالإفراج عن بعض المعتقلين لا يمحو حقيقة الاعتداء، ولا يمنح الاحتلال حق الادعاء بأنه يقدم تنازلات أو يصنع إنجازات سياسية.
إن ما يحاول الاحتلال فعله هو إدارة نتائج عدوانه بدلاً من التراجع عن منطق العدوان نفسه؛ فيستخدم الأسر والاحتجاز والتوغّل أوراق ضغط، ثم يحاول تحويل بعض الإفراجات إلى مكاسب إعلامية وسياسية.
وهذه المعادلة ترفضها المقاومة، لأنها تدرك أن المعركة ليست على تفاصيل الملفات فقط، بل على من يملك القدرة على فرض الوقائع. لبنان ليس ساحة مفتوحة لإرادة الاحتلال، وأسرى لبنان ليسوا أوراقاً صهيونية، والحقوق اللبنانية لا تُمنح بقرار من العدو ولا تُستعاد إلا بمعادلة قوة تردعه وتفرض عليه كلفة المواجهة.
بين الاعتقال والإفراج.. معركة على ميزان القوة
يحاول الاحتلال عبر الجمع بين الإفراج عن بعض اللبنانيين واستمرار الاعتقالات والتوغلات أن يختبر حدود ما يستطيع فعله داخل لبنان. فالمسألة بالنسبة إليه ليست فقط مَن يُعتقل ومَن يُفرج عنه، بل مقدار المساحة التي يستطيع أن يتحرك فيها من دون أن يواجه كلفة تردعه عن تكرار اعتداءاته.
لكن الرد على هذه المعادلة لا يكون بالانشغال بكل خطوة صهيونية على حدة، بل بإعادة وضعها ضمن إطارها السياسي الأوسع: الصراع هو على من يملك القدرة على فرض الوقائع، الاحتلال أم لبنان. وفي هذه النقطة تحديداً تتجلى وظيفة المقاومة. فالمقاومة لا تواجه الاحتلال دفاعاً عن نقطة جغرافية فحسب، بل تمنع تحوّل التفوق العسكري الصهيوني إلى تفوق سياسي مطلق. وكلما حاول العدو توسيع هامش حركته، يصبح الردع عاملاً أساسياً في منعه من الاعتقاد بأن لبنان ساحة مفتوحة أمامه. ومن هنا، فإن ملف الأسرى يرتبط مباشرة بمعادلة الردع. فالاحتلال الذي يدرك أن اعتقال اللبنانيين والتوغّل في أرضهم لن يمنحه حرية مطلقة في فرض شروطه، يدرك أيضاً أن كل عدوان يحمل معه أثماناً سياسية وميدانية.
الإفراج المحدود لا يغلق الملف
ختاماً، لا ينهي الإفراج عن خمسة لبنانيين قضية الأسرى، ولا يغيّر طبيعة المواجهة مع الاحتلال. فالعدوان المستمر، والتوغلات، والاحتجاز، كلها حلقات في سياسة واحدة هدفها فرض وقائع جديدة على لبنان. لذلك، لا ينبغي التعامل مع الإفراج المحدود باعتباره تنازلاً من الاحتلال، بل باعتباره حقاً لبنانياً انتزع من يد الاحتلال، مع بقاء أصل القضية مفتوحاً: تحرير جميع الأسرى، حماية الأرض، ووقف الاعتداءات، ومنع العدو من فرض معادلة أمنية وسياسية على لبنان. وفي هذه المعركة، تشكل المقاومة جزءاً أساسياً من معادلة حماية لبنان. فهي التي تمنع الاحتلال من تحويل تفوقه العسكري إلى حرية مطلقة، وتبقي الردع قائماً في مواجهة محاولات فرض الأمر الواقع. فالاحتلال قد يعتقل، وقد يتوغّل، وقد يحاول فرض وقائع جديدة، لكنه لا يملك وحده تحديد نهاية المعركة. وأسرى المقاومة ليسوا رهائن في يد العدو؛ إنهم جزء من معركة لم تُغلق، وتحريرهم حق لبناني تُفرض معادلته بقوة المقاومة، فيما تبقى سيادة لبنان فوق قدرة الاحتلال على الابتزاز والفرض والإملاء.
