الـمَقْلَمَة تحفة فنية تختزن التاريخ والثقافة

فن اللاكي الإيراني.. مرآة قرون من الجمال والإبداع

/ تتميّز إيران بتراث فني عريق ومتنوّع، تعاقبت عليه قرون من الإبداع والتجديد، فتنوعت فنونها بين المنمنمات والتذهيب والخط والزخرفة وفن اللاكي وغيرها. وتكشف هذه الفنون عن ثراء الثقافة الإيرانية وقدرتها على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى ذاكرة فنية نابضة بالجمال والتاريخ.
جذور فن اللاكي وتطوره
يُعد فن اللاكي أحد أبرز فروع الفنون الزخرفية الإيرانية، وقد تبلور في كنف فن المنمنمات الإيرانية، مستمداً منها رهافة الرسم وغنى التفاصيل ودقة التكوين، وتطوّر ليمنح الفنان مجالاً أوسع للجمع بين الرسم والتذهيب والزخرفة. وترتبط جذوره بصناعة أغلفة الكتب التي ازدهرت في إيران منذ نحو خمسة قرون، واستخدمت فيها مواد مختلفة، من الجلد إلى الورق المعالج. وتُرجع المصادر بدايات هذه التقنية إلى العصر التيموري، فيما بلغت مستويات رفيعة من الدقة والثراء خلال العصرين الصفوي والقاجاري. وتقوم التقنية على تشكيل السطح، غالباً باستخدام الورق المضغوط والغراء والقوالب الخشبية، ثم تزيينه بالرسم والتذهيب، قبل تغطيته بطبقات من الورنيش ومكونات أخرى تمنحه لمعاناً ومظهراً قريباً من الرسم الزيتي. ولم يقتصر استخدام اللاكي على أغلفة الكتب، بل امتد إلى إطارات المرايا، وحوامل المصاحف، وصناديق المجوهرات، والأبواب، والإطارات الخشبية، وغيرها.
الـمَقْلَمَة.. من أداة وظيفية
إلى لوحة
تحتل المقْلمات المزخرفة بفن اللاكي مكانة خاصة في هذا التراث. فقد بدأت بوصفها حافظات للأقلام، ثم تحولت تدريجياً إلى أسطح فنية مصغرة تستوعب الزخارف والنصوص والمشاهد التاريخية والأدبية. وتكشف هذه الأعمال عن قدرة الفنان الإيراني على تحويل أداة يومية إلى قطعة تجمع الوظيفة والجمال والسرد. وتنوعت زخارف المَقْلمات بين مشاهد الزهور والطيور، والتكوينات النباتية، والأرابيسك، والمشاهد التصويرية المتأثرة بالفن الأوروبي. كما ظهرت عليها صور لشخصيات تاريخية ودينية، ومشاهد للصيد والطبيعة، وحكايات أدبية وملحمية، بما جعلها سجلاً بصرياً مصغراً للذوق والثقافة في عصرها.
روائع قاجارية في المتاحف العالمية
بلغت المَقْلمات المزخرفة بفن اللاكي ذروة رقتها خلال العصر القاجاري، وبرز فيها فنانون حرصوا على توقيع أعمالهم وتأريخها، مؤكدين حضور الفرد داخل تقليد فني عريق. ومن النماذج البارزة أعمال فتح الله الشيرازي المحفوظة في متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك، ومنها مَقْلمة تعود إلى عام 1299هـ.ق، الموافق 1881-1882م، وتتميز بزخارف الزهور والطيور على خلفية ذهبية. ويحتفظ المتحف نفسه بمَقْلمة وعلبة نظارات من أعمال الفنان، تحمل زخارف بالأسلوب ذاته، وتشير نقوشها إلى أنها صُنعت للأمير كامران ميرزا، نجل ناصر الدين شاه القاجاري. كما تضم مجموعات المتحف البريطاني نماذج قاجارية تكشف تنوع الموضوعات والأساليب، بما فيها التأثر بالمناظر الأوروبية.
ذاكرة بصرية في حجم صغير
تكمن أهمية هذه المَقْلمات في أنها لا تختزل الفن في الزخرفة وحدها؛ فهي تحمل آثار عصرها في الرسم والملابس والعمارة والموضوعات الأدبية والتفاعل الثقافي. وعلى سطح لا يتجاوز عشرات السنتيمترات، استطاع الفنان أن ينسج عالماً بصرياً غنياً بالتفاصيل، يجعل القطعة الصغيرة وثيقة فنية وثقافية في آن واحد. وهكذا، لا تبدو المـقلمة المزخرفة باللاكي مجرد أداة لحفظ الأقلام، بل قطعة من ذاكرة الفن الإيراني؛ جمعت في مساحتها الصغيرة بين جمال الزخرفة وثراء الحكاية، وحفظت ملامح عصرها وهوية صانعيها.
البحث
الأرشيف التاريخي