تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
من صائب التبريزي إلى فرشجيان
أصفهان تستعد لإضافة مَعلَم فني جديد إلى خريطتها السياحية
ويحمل المشروع، إلى جانب قيمته الفنية والثقافية، تحديًا معماريًا يتمثل في تحقيق انسجام بصري ومكاني بين المزار الجديد والموقع التاريخي الذي سيحتضنه، بما يحافظ على هوية المكان ويمنح العمل المعاصر في الوقت نفسه شخصية مستقلة.
من المنمنمات إلى العمارة
أُزيح الستار في أصفهان عن تصميم مزار الأستاذ محمود فرشجيان، الذي صممه المعماري شهاب نيکمان، مستلهمًا الخطوط الانسيابية في المنمنمات الإيرانية، ومفاهيم الحديقة الفارسية، إلى جانب عناصر من العمارة الإيرانية التاريخية. ويحاول التصميم نقل جماليات فن الأستاذ فرشجيان من سطح اللوحة ثنائي الأبعاد إلى فضاء معماري ثلاثي الأبعاد، بحيث لا تكون المنمنمات مجرد مصدر للزخرفة، وإنما تتحول خطوطها وتكويناتها وروحها الفنية إلى جزء من لغة المبنى وشكله وتجربة الزائر داخله. ويضم التصميم ثمانية مداخل وثمانية أعمدة وسبع درجات، إلى جانب قبة مؤلفة من سبع طبقات، فضلًا عن عناصر مستوحاة من العمارة الساسانية والأقواس الإسلامية، في محاولة لمنح المشروع هوية بصرية ترتبط بجذور الفن والعمارة الإيرانيين.
عمارة معاصرة في قلب موقع تاريخي
وتكتسب إقامة مزار الأستاذ فرشجيان أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي يحتلها الفنان في تاريخ الفن الإيراني المعاصر، إلا أن اختيار موقعه بجوار مزار الشاعر صائب التبريزي يضيف إلى المشروع بعدًا ثقافيًا ومعماريًا أكثر تعقيدًا. فالمزار الجديد لن يكون معلمًا منفصلًا، بل سيصبح جزءًا من مشهد تاريخي وسياحي قائم، وهو ما يجعل تحقيق الانسجام بين العمارة المعاصرة وهوية الموقع التاريخي أحد أبرز التحديات التي تواجه المشروع.
وترى أستاذة العمارة والباحثة في العمارة الإيرانية، أن نجاح المشاريع المعاصرة داخل المواقع التاريخية لا يعتمد على تقليد المباني القديمة، وإنما على قدرة العمارة الجديدة على إقامة حوار متوازن مع السياق الذي توجد فيه.
وتوضح نغين بويافر أن العمارة المعاصرة يمكن أن تحتفظ بهويتها المستقلة من دون أن تتعارض مع الطابع التاريخي للموقع، شريطة مراعاة طبيعته ومقياسه ومشهده البصري وعلاقته بالعناصر التراثية المحيطة. وبالنسبة إلى مزار الأستاذ فرشجيان، فإن توظيف الخطوط المستوحاة من المنمنمات وربطها بعناصر العمارة الإيرانية يمكن أن يمنح المشروع شخصية معمارية مميزة، على أن يتحقق في الوقت نفسه انسجام واضح في الارتفاعات والنسب والمواد وموقع المبنى ضمن المشهد التاريخي العام.
الحديقة الفارسية حلقة وصل
ويرى الباحث في هندسة المناظر الطبيعية والفضاءات التاريخية، أن القضية لا تتعلق فقط بالعلاقة بين مبنيين، وإنما بالعلاقة بين معلمين داخل مشهد تاريخي وثقافي واحد.
ويشير فرشاد نوري، إلى أن تجربة الزائر تتشكل من المباني والأشجار والفضاءات المفتوحة ومحاور الرؤية والمسافات والعناصر المختلفة للموقع، ولذلك ينبغي الحفاظ على هوية مزار صائب التبريزي، مع منح مزار فرشجيان في الوقت نفسه شخصية معمارية مستقلة.
ويضيف أن توظيف مفاهيم الحديقة الفارسية يمكن أن يشكل حلقة وصل طبيعية بين المشروع الجديد وسياقه التاريخي، شرط ألا يقتصر الأمر على استخدام الرموز والعناصر الشكلية، بل يشمل أيضًا تنظيم الحركة والفضاءات الخضراء ومحاور الرؤية والعلاقة بين المبنى ومحيطه.
حين يلتقي الشعر بفن المنمنمات
ويمنح تجاور مزار الشاعر صائب التبريزي ومزار الفنان محمود فرشجيان أصفهان فرصة ثقافية وسياحية مميزة لربط الشعر والمنمنمات والخط والعمارة والحديقة الفارسية في فضاء واحد. ويعكس هذا التجاور جانبًا من استمرارية الفنون الإيرانية وتطورها عبر العصور، كما يمكن أن يضيف بعدًا جديدًا إلى المشهد الثقافي والسياحي للمدينة، التي تشتهر أصلًا بثرائها المعماري والفني والتاريخي.
إضافة جديدة إلى خريطة أصفهان الثقافية
ومع انتقال المشروع من مرحلة ازاحة الستار عن التصميم إلى مراحل الدراسة والتنفيذ، تبرز أهمية التعامل معه باعتباره جزءًا من منظومة ثقافية وتاريخية متكاملة، وليس مبنى منفردًا.
فإن نجاح المشروع في الجمع بين الهوية المعاصرة لفن فرشجيان والقيم التاريخية لموقع صائب التبريزي قد يحوّل هذا التجاور إلى نقطة جذب سياحية وثقافية جديدة تستقطب الزوار والمهتمين بالفن والعمارة والتراث، كما يمكن أن يجسد نموذجًا للحوار بين عراقة التراث الإيراني وروح الإبداع المعاصر.
ومن هذا المنظور، قد يشكل مزار الأستاذ محمود فرشجيان إضافة نوعية إلى المشهد الثقافي والسياحي في أصفهان، حيث يلتقي إرث أحد رموز الأدب الفارسي مع فن أحد أبرز رواد المنمنمات الإيرانية المعاصرة، في فضاء واحد يجمع الذاكرة التاريخية بالتعبير الفني الحديث، ويمنح الزائر فرصة لاكتشاف طبقات متداخلة من الفن والأدب والعمارة والحديقة والتراث الإيراني.
