الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وثمانية وثلاثون - ٣١ أغسطس ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وثمانية وثلاثون - ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ - الصفحة ٦

الحرب الأميركية ترتدّ إلى الداخل

واشنطن تشعل الجبهات.. والمجتمع الأميركي يدفع الفاتورة

/ تكشف تداعيات الحروب المتواصلة التي تشنها الإدارة الأميركية على الشعوب، أن كلفة القرار العسكري الأميركي لا تتوقف عند ساحات المواجهة، ولا تُقاس بعدد الجنود المنتشرين أو حجم العمليات وحده. فالحرب التي تُتخذ قراراتها في واشنطن وتُنفذ بعيداً عن الأراضي الأميركية، تمتد آثارها تدريجياً إلى الداخل، حيث تتحمل الأسر والمؤسسة العسكرية والموازنة والاقتصاد والمجتمع جانباً متزايداً من تبعاتها.
ووفق ما أوردته وكالة «رويترز»، تواجه أسر العسكريين الأميركيين ضغوطاً نفسية ومالية متزايدة بعد أشهر من العمليات والانتشار، وسط حالات من القلق وعدم اليقين وتراجع الاستقرار الأسري.
وتشير الوكالة إلى وجود أكثر من 50 ألف جندي أميركي في المنطقة، فيما أفادت عائلات عسكريين بتمديد مهام الانتشار وتأثير ذلك في حياتها اليومية.
ولا تتوقف المسألة عند حدود المؤسسة العسكرية، إذ تفتح هذه التداعيات سؤالاً أوسع حول قدرة المجتمع الأميركي على تحمل كلفة سياسة خارجية تقوم على التدخل والتصعيد العسكري المتكرر، في وقت يواجه فيه المواطن الأميركي أصلاً أعباء معيشية وضغوطاً اقتصادية واستقطاباً سياسياً متزايداً.
أسر الجنود.. جبهة لا تظهر على شاشات الحرب
خلف كل جندي منتشر في منطقة عمليات عائلة تعيش على وقع القلق والانتظار، وتضطر إلى إعادة تنظيم حياتها في ظل غياب أحد أفرادها. ولا يقتصر الضغط على الخوف من الإصابة أو الموت، بل يمتد إلى تحمل مسؤوليات عائلية مضاعفة، ولا سيما بالنسبة إلى الزوجات والأطفال.
ومع تكرار عمليات الانتشار أو تمديدها، يمكن لهذه الضغوط أن تتحول من أزمة مؤقتة إلى عبء مزمن يطال الاستقرار الأسري. وتكشف روايات أسر تحدثت إليها «رويترز» أن الحياة اليومية باتت تتطلب جهداً إضافياً للحفاظ على العمل، ورعاية الأطفال، وإدارة شؤون المنزل، فيما يبقى موعد عودة أفراد العائلة المنتشرين غير واضح في بعض الحالات. كما أظهرت بيانات من منظمة «بلو ستار فاميليز» ارتفاع مستويات التوتر لدى نسبة كبيرة من الأسر العسكرية التي شملها استطلاعها. ولا يقل العبء المالي أهمية عن الضغط النفسي، إذ تعتمد بعض الأسر على دخل عضو في الحرس الوطني أو القوات الاحتياطية يعمل في وظيفة مدنية خلال فترات عدم الانتشار، ما يجعل غيابه المفاجئ مصدراً إضافياً للضغط المالي.
وتصبح رعاية الأطفال والالتزامات المنزلية وتكاليف الحياة اليومية أكثر صعوبة عندما يتحول أحد أفراد الأسرة إلى حضور غائب بسبب الخدمة العسكرية. وهكذا لا تبقى الحرب بالنسبة إلى هذه الأسر خبراً في نشرات الأخبار، بل تتحول إلى واقع يومي يمتد إلى تفاصيل الحياة والعمل والأسرة.
اقتصاد الحرب مقابل احتياجات المواطن
تقدم الإدارات الأميركية الحروب عادة باعتبارها مرتبطةً بالأمن القومي والمصالح الاستراتيجية. لكن استمرار الإنفاق العسكري يخلق مفارقة بين ضخامة القوة الأميركية وبين المشكلات التي يواجهها المواطن في حياته اليومية.
ومع استمرار العمليات، تتزايد الحاجة إلى تمويل الذخائر والصيانة والانتشار والإمداد والرعاية العسكرية، فضلاً عن كلفة الحفاظ على جاهزية القوات وتعويض المعدات ورعاية المصابين ودعم الأسر المتضررة. وفي النهاية، تتحول هذه النفقات إلى جزء من النقاش الداخلي حول أولويات الإنفاق العام.
وتزداد حساسية هذا النقاش كلما طال أمد المواجهة، لأن الكلفة لا تأتي دفعة واحدة، بل تتراكم مع استمرار العمليات والانتشار والتسليح والصيانة. وقد بدأت تداعيات الإنفاق العسكري تظهر داخل المؤسسة نفسها، إذ أفادت تقارير حديثة بأن البحرية الأميركية تواجه ضغوطاً مالية مرتبطة بتكاليف النزاع، مع حاجة إلى تمويل إضافي لتغطية أعباء الحرب.
وهنا تنتقل القضية من السياسة الخارجية إلى صميم الحياة الأميركية. فكل توسع عسكري يعيد إلى الواجهة النقاش حول حجم الموارد التي تُخصص للحرب، في مقابل احتياجات داخلية تتعلق بالصحة والتعليم والبنية التحتية والخدمات العامة.
وفي ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجه قطاعات واسعة من الأميركيين، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً حول الأولويات: هل تستمر واشنطن في توسيع تدخلاتها الخارجية، أم توجه مزيداً من الموارد لمعالجة الأزمات التي يعيشها المواطن داخل الولايات المتحدة؟
المؤسسة العسكرية.. استنزاف متواصل 
المؤسسة العسكرية الأميركية، التي تُقدم باعتبارها أحد أبرز رموز القوة الأميركية، ليست بمنأى عن تداعيات الانتشار الطويل. فالجندي الذي يخوض عمليات متواصلة لا يتحمل الضغط وحده؛ إذ تتحمل المؤسسة أيضاً كلفة الحفاظ على الجاهزية، وتأمين القوات، وتعويض الذخائر والمعدات، ورعاية المصابين، ودعم الأسر. وتكشف مدة بعض عمليات الانتشار حجم الضغط. فقد بقيت حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في البحر لأكثر من 200 يوم متواصل، في ظل تقارير عن الإرهاق ومشكلات تتعلق بظروف الخدمة، بينما اضطرت البحرية إلى الدفع بقطع أخرى لتخفيف العبء. فالجيش لا يحتاج إلى السلاح والتمويل فحسب، بل إلى قوة بشرية قادرة على الاستمرار، وإلى عائلات تستطيع تحمل أعباء الخدمة، وإلى منظومة رعاية تتعامل مع آثار الانتشار المتكرر. وكلما طال أمد المواجهة، ارتفعت الكلفة المطلوبة للحفاظ على هذه المنظومة. ومن هنا تظهر إحدى مفارقات السياسة الأميركية: كلما توسعت واشنطن في استخدام القوة خارج حدودها، ارتفعت الكلفة المطلوبة للحفاظ على هذه القوة داخل حدودها.
واشنطن أمام معضلة سياسية
تضع المواجهة الإدارة الأميركية أمام معادلة شديدة التعقيد. فالتراجع قد يعرّضها لاتهامات بالضعف، بينما قد يقود استمرار التصعيد إلى مواجهة أطول وأكثر كلفة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. وبعد ستة أشهر من القتال، تصف «رويترز» الوضع بأنه أقرب إلى مأزق مكلف، مع استمرار المخاطر وغياب تسوية واضحة تنهي الأزمة. وتكمن إحدى أبرز مشكلات الحروب الطويلة في أن قرار التصعيد قد يكون سريعاً، لكن السيطرة على نتائجه ليست كذلك. تستطيع واشنطن بدء عملية عسكرية بقرار سياسي، لكنها لا تستطيع ضمان نهايتها بالسرعة أو بالشروط التي تريدها.
وكلما طال أمد المواجهة، اتسعت الفجوة بين الخطاب الرسمي حول تحقيق الأهداف والأسئلة التي يطرحها المواطن الأميركي حول معنى هذه الحرب وكلفتها ومن يتحمل تبعاتها.
في المحصلة، لا تنحصر كلفة الحرب في ساحات القتال، بل تمتد من الجندي المنتشر إلى أسرته، ومن المؤسسة العسكرية إلى الموازنة العامة، ومن الإنفاق الدفاعي إلى النقاش حول أولويات المجتمع الأميركي.
فقرار الحرب يُصنع في واشنطن، لكن آثاره لا تبقى هناك؛ فهي تصل إلى المنازل والأسواق والمؤسسات والميزانيات. ومع استمرار المواجهة، يصبح السؤال أكثر حضوراً: ليس فقط كم تكلف العملية العسكرية، بل إلى أي مدى يمكن للمؤسسة العسكرية والأسر والمجتمع الأميركي تحمل تبعاتها مع مرور الوقت.
البحث
الأرشيف التاريخي