تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
في ذكرى مولد النورين النبي محمّد(ص) والإمام الصادق(ع)
من نور النبوّة إلى مشكاة العلم.. شهادات في الرحمة والعلم
بمولد الحبيب المصطفى(ص) تحققت بشارات السماء بمجيء الرحمة الإلهية للعالمين خاتم الرسل والرسالات، وبولادة الإمام الصادق(ع) تم الحفاظ على الدين الحق من خلال باني صرح المذهب الحق. في ذكرى ميلاد النبي(ص) والإمام الصادق(ع)، تتجاور في الذاكرة الإسلامية مناسبتان تحملان معنى يتجاوز حدود الزمن: ميلاد صاحب الرسالة الخاتمة، وميلاد الإمام الذي ارتبط اسمه بالعلم والمعرفة وترسيخ معالم المدرسة الإسلامية. إنهما ميلادان لنورين متصلين؛ نور النبوة الذي أخرج الإنسان من ظلمات الجاهلية إلى آفاق التوحيد والرحمة، ونور العلم الذي حفظ أصالة الرسالة في مواجهة التحريف والجدل الفكري.
محمّد(ص).. شهادة العالم أمام نور الرسالة
ظلّت شخصية النبي محمد(ص) حاضرة في كتابات عدد من المفكرين والمؤرخين من خارج البيئة الإسلامية، بوصفه شخصية تاريخية ودينية ذات أثر استثنائي. وقد نُسب إلى «برنارد شو» أنه رأى في النبي(ص) نموذجاً تحتاج إليه الإنسانية، وتحدث عن قدرته على تقديم حلول لمشكلات العالم بما يحقق السلام والسعادة.
أمّا «مهاتما غاندي»، فأشاد بصفات النبي(ص) الإنسانية والأخلاقية، معتبراً أن بساطته وصدقه ووفاءه وشجاعته وإخلاصه وثقته بربه ورسالته كانت من أبرز أسباب تأثيره في قلوب أتباعه، لا القوة وحدها.
ووصف «غوته»، النبي(ص) بأنه نموذج إنساني جدير بالتأمل. فيما رأى «تولستوي» أن عظمة رسول الله(ص) تتجلى في هدايته أمّة بأكملها إلى نور الحق وفتح طريق الرقي أمامها. كما أشار المستشرق البريطاني «وليام موير» إلى أن النبي(ص) عُرف منذ صغره بلقب «الأمين»، وربط مكانته بسمو أخلاقه وعظمة أثره التاريخي. أمّا «توماس أرنولد»، فركّز على قدرة النبي(ص) على بناء مجتمع جديد في المدينة، موضحاً أن الإسلام لم يكن رسالة دينية فحسب، بل أسس أيضاً نظاماً اجتماعياً وسياسياً متميزاً. وفي السياق نفسه، تناول البروفيسور «عبدالمسيح الأنطاكي» مراحل الدعوة النبوية، مؤكداً أن الإذن بالقتال جاء في سياق الدفاع عن النفس والدعوة بعد ما تعرض له المسلمون من اضطهاد وعدوان.
هذه الشهادات، على اختلاف منطلقاتها، تلتقي عند حقيقة واحدة: أن شخصية النبي محمد(ص) تجاوزت إطارها التاريخي لتصبح موضوعاً دائماً للتأمل في القيادة والأخلاق وبناء الحضارة.
الإمام الصادق(ع).. العلم الذي حفظ الرسالة
وإذا كان النبي(ص) قد أشرق برسالة الهداية، فإن الإمام الصادق(ع) يمثل في الذاكرة الإسلامية امتداداً علمياً وروحياً لهذا النور. وتزداد أهمية ذلك عندما نجد أن شهادات مكانته لم تقتصر على أتباع مدرسة أهل البيت(ع)، بل حضرت بقوة في كتب علماء ومؤرخين من مذاهب واتجاهات متعددة. يقول أبو حنيفة: «ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمد»، ويضيف: «ولولا السنتان اللتان جلست فيهما إلى حضرته لهلكت». أما مالك بن أنس، فيصفه بأنه كان دائم العبادة، ومن كبار عُبّاد زمانه وزهّاده. ويصف الجاحظ، الإمام الصادق(ع) بأنه صاحب علم وفقه ملآ الدنيا، ويرى أن تلمذة أبي حنيفة له تكفي للدلالة على عظمته العلمية. ويؤكد أبو حاتم الرازي وثاقته، بينما يصفه اليعقوبي بأنه أفضل الناس وأعلمهم بدين الله، وينقل أن العلماء كانوا يقولون عند الرواية عنه: «أخبرنا أعلم أهل العلم». ولم تقف الشهادة عند الفقهاء والمحدّثين؛ فقد وصف الهجويري، الإمام الصادق(ع) بأوصاف عرفانية رفيعة، بينما جعل عطار النيشابوري ذكر الإمام الصادق(ع) فاتحة كتابه «تذكرة الأولياء»، قائلاً إنه أراد أن يتبرك بكتابه بذكره، ومؤكداً أن ما نُقل عن الإمام في طريق المعرفة والسلوك يفوق ما نُقل عن كثير من أهل البيت(ع).
ميلادان.. ونور يتجدّد
وهكذا يكتسب اقتران ذكرى مولد النبي(ص) والإمام الصادق(ع) دلالة ثقافية عميقة، والاحتفاء بميلادهما ليس استعادة للماضي فحسب، بل استحضار لقيم ما زالت قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر: الرحمة، والصدق، والعلم، والأخلاق، والبحث عن الحقيقة.
