تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
من التراث إلى السياحة العلاجية
السياحة الإيرانية تتجه إلى العالمية.. جنوب أفريقيا والبرازيل بوابة لأسواق جديدة
إيران.. تنوع استثنائي من التاريخ إلى الطبيعة
ويستند الطموح الإيراني إلى قاعدة سياحية وثقافية واسعة؛ إذ تضم البلاد نحو مليون معلم تاريخي، بينها 43 ألف معلم مسجل وطنياً، إلى جانب عشرات المواقع والعناصر المدرجة على قوائم التراث العالمي. كما تمتلك إيران تنوعاً كبيراً في أنماط السياحة، من المواقع الأثرية والمدن التاريخية والتراث المعماري إلى الصحارى والجبال والسواحل، فضلاً عن السياحة العلاجية والطبيعية والرياضية والحرف اليدوية.
ويصف المسؤولون الإيرانيون البلاد بأنها أشبه بـ«متحف مفتوح»، حيث تتجاور الحضارات القديمة مع الطبيعة المتنوعة والمجتمعات المحلية ذات الخصوصية الثقافية، وهو ما يمنح الزائر إمكانية الجمع بين السياحة الثقافية والاستكشاف الطبيعي والتجارب المحلية في رحلة واحدة.
ويرى وزير التراث الثقافي والسياحة والحرف اليدوية أن التحدي الأساسي لا يتمثل في غياب المقومات السياحية، وإنما في تعزيز التعريف بها وتطوير البنية التحتية والخدمات والوصول إلى الأسواق الخارجية بطريقة أكثر تنظيماً.
جنوب أفريقيا.. بوابة
إلى السوق الأفريقية
وفي هذا الإطار، برزت جنوب أفريقيا كإحدى الوجهات التي تراهن عليها إيران لتوسيع حضورها في القارة الأفريقية. وخلال لقاء رضا صالحي أميري مع وزيرة السياحة الجنوب أفريقية باتريشيا دي ليل على هامش قمة وزراء السياحة لدول مجموعة البريكس في الهند، أكد صالحي أميري أن جنوب أفريقيا يمكن أن تكون «بوابة إيران إلى سوق السياحة الأفريقية».
وتركزت المباحثات على الانتقال من الحوار السياسي إلى التعاون السياحي والاقتصادي المباشر، عبر ربط القطاع الخاص في البلدين، وتشجيع الشراكات بين وكالات السفر وشركات الطيران والفنادق ومنظمي الرحلات، إلى جانب إطلاق برامج تسويق مشتركة وتنظيم جولات تعريفية للإعلاميين والمؤثرين والعاملين في القطاع السياحي.
كما اقترحت إيران إقامة معرض للحرف اليدوية الإيرانية في جنوب أفريقيا بالتزامن مع إحدى الفعاليات الاستثمارية، بما يتيح التعريف بمنتجات الحرفيين الإيرانيين وفتح قنوات للتعاون التجاري والاستثماري.
البرازيل.. الطيران والاستثمار والسياحة الرياضية
وعلى الجانب الآخر، تسعى إيران إلى تعزيز التعاون السياحي مع البرازيل، مستفيدة من العلاقات القائمة بين البلدين ومن الشعبية الكبيرة التي تتمتع بها الثقافة والرياضة البرازيلية لدى الإيرانيين.
وخلال لقاء صالحي أميري مع وزير السياحة البرازيلي غوستافو فيليسيانو، كان تطوير الربط الجوي في مقدمة الملفات المطروحة، باعتبار المسافة الجغرافية وغياب الرحلات المباشرة من أبرز العوائق أمام نمو حركة السياحة بين البلدين.
وأكد الجانب البرازيلي استعداده لتطوير وتسريع خطوط الطيران مع إيران، فيما شددت طهران على أهمية تسهيل إجراءات التأشيرات، بما يساهم في خلق بيئة أكثر ملاءمة لحركة السياح والمستثمرين.
كما طرحت إيران فرصاً للاستثمار في القطاع السياحي، في ظل وجود آلاف المشاريع قيد التنفيذ، داعية المستثمرين البرازيليين إلى المشاركة في تطوير الفنادق والمنشآت والمشاريع السياحية. واقترح الجانبان كذلك إقامة معارض سياحية وحرفية مشتركة، وتنظيم جولات تعريفية للإعلاميين والمؤثرين البرازيليين للتعرف مباشرة على المقومات السياحية الإيرانية. وتبرز السياحة الرياضية باعتبارها أحد الجسور التي يمكن أن تقرّب المسافة بين الشعبين، خصوصاً مع الحضور القوي لكرة القدم والرياضة البرازيلية في المجتمع الإيراني.
3800 مشروع لتعزيز البنية التحتية السياحية
ولا تقتصر الاستراتيجية الإيرانية على النشاط الخارجي، بل تشمل برنامجاً واسعاً لتطوير البنية التحتية داخل البلاد. ووفق ما أعلنه الوزير الإيراني، يوجد حالياً نحو 3800 مشروع سياحي قيد التنفيذ في مختلف أنحاء إيران، إلى جانب نحو 1300 مشروع استثماري، معظمها يعتمد على مشاركة القطاع الخاص.
وتعمل الحكومة على توفير حوافز جديدة لجذب المستثمرين وتسريع بناء الفنادق والقرى والمنشآت السياحية، من بينها تخفيض رسوم إنشاء الفنادق، وإعفاء بعض التجهيزات والمعدات الفندقية من الرسوم الجمركية، وتقديم تسهيلات مرتبطة بخدمات البنية التحتية.
وتأتي هذه الخطوات في ظل وجود نحو 23 ألف مركز للإقامة والخدمات السياحية ونحو 1500 فندق، مع اعتراف رسمي بالحاجة إلى مواصلة تطوير الطاقة الاستيعابية وجودة الخدمات للوصول إلى المعايير الدولية.
السياحة العلاجية.. مليونا سائح و6 مليارات يورو
وتشكل السياحة العلاجية أحد أهم محاور الاستراتيجية الإيرانية، إذ تستقبل البلاد حالياً نحو مليون سائح للعلاج سنوياً، مستفيدة من الكفاءات الطبية، وتوفر المستشفيات والتجهيزات، وانخفاض تكاليف العلاج مقارنة بالعديد من الأسواق الإقليمية والدولية. وتستهدف إيران رفع عدد السياح العلاجيين إلى مليوني سائح سنوياً بحلول عام 2028، بعائدات تصل إلى نحو 6 مليارات يورو، وهو ما من شأنه تعزيز دور السياحة في الاقتصاد وخلق فرص جديدة في قطاعات الفنادق والنقل والخدمات والتجارة.
أسواق جديدة على خريطة السياحة الإيرانية
وتضع إيران آسيا الوسطى والقوقاز في مقدمة الأسواق الخارجية المستهدفة، نظراً للروابط التاريخية والثقافية، تليها دول الخليج الفارسي والدول المجاورة، ثم أسواق إسلامية كبيرة مثل إندونيسيا وماليزيا ومصر، إلى جانب الصين وروسيا وغيرها من الأسواق العالمية.
وبذلك تبدو الاستراتيجية الإيرانية قائمة على أكثر من مسار في آن واحد: تطوير المنتج السياحي، وتحسين البنية التحتية، وجذب الاستثمار، وتسهيل السفر، وتنويع الأسواق، وتفعيل القطاع الخاص، والترويج الدولي.
ومن المدن التاريخية والمواقع الأثرية إلى الطبيعة والسواحل والسياحة العلاجية والحرف اليدوية، تراهن إيران على تنوعها الكبير لتقديم تجربة سياحية متعددة الأبعاد، بينما تمثل تحركاتها مع جنوب أفريقيا والبرازيل خطوة نحو بناء جسور جديدة مع أسواق بعيدة، وتحويل الإمكانات السياحية الإيرانية إلى حضور أكثر تأثيراً على خريطة السياحة العالمية.
