بمناسبة صدور كتاب «از دفتر شعر أمين»

الخط الإيراني.. من جماليات الحرف إلى فن التايبوغرافي

/ يحتل الخط والكتابة موقعاً استثنائياً في الثقافة الفنية الإيرانية؛ فالحرف لم يكن يوماً مجرد أداة لنقل المعنى، بل ظل عنصراً جمالياً قادراً على بناء الصورة واستحضار الذاكرة والهوية. وفي هذا السياق، وبمناسبة صدور كتاب شعري يضم مختارات من أشعار قائد الأمّة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) باستخدام هذا الفن، تبدو العودة إلى فن التايبوغرافي في إيران مناسبة لقراءة الطريقة التي يلتقي فيها الأدب بالفن البصري، وكيف تتحول القصيدة إلى تكوين بصري يتجاوز حدود الصفحة.
كتاب «از دفتر شعر أمين»
بالتزامن مع أربعينية تشييع وتدفين قائد الأمّة الشهيد، صدر عن دار نشر الثورة الإسلامية كتاب «از دفتر شعر أمين» أي «من دفتر شعر أمين»، يضم مختارات من أشعاره، مع مقدمة بقلم غلامعلي حداد عادل، رئيس أكاديمية اللغة والأدب الفارسي. ويقدم الكتاب القصائد في صياغة بصرية مميزة، من خلال أعمال تايبوغرافية أنجزها عدد من الفنانين الإيرانيين في مجالي الفنون التشكيلية والخط، مستوحين أعمالهم من الأشعار ومضامينها. وجاءت هذه الأعمال ثمرة ورشة فنية استمرت يوماً واحداً، استضافها وأشرف عليها الأستاذ مسعود نجابتي، المدير الفني لدار نشر الثورة الإسلامية، خلال أيام الوداع.
التايبوغرافي.. حين يصبح الحرف صورة
التايبوغرافي ليست مجرد تنسيق للحروف أو تغيير لمواقعها، بل هي فن اكتشاف قيمها البصرية وتوظيفها في بناء معنى جديد. وفي التايبوغرافي يمكن للحرف أن يؤدي وظيفة الصورة، وأن يشارك في التعبير عن الإيقاع والانفعال والدلالة قبل أن يقرأ المتلقي النص كاملاً. لذلك ظهرت تطبيقاتها في أغلفة الكتب والملصقات والإعلانات والعناوين والمطبوعات واللوحات، وأصبح التكوين الخطي جزءاً من هوية العمل لا مجرد وسيلة لعرضه.
ميزة التجربة الإيرانية
تتميز التايبوغرافي الإيرانية بصلتها العميقة بتاريخ الخط الفارسي، ولا سيما النستعليق، وبقدرة الحروف على التشكل والاتصال من دون أن تفقد هويتها البصرية. وقد بدأت التحولات الحديثة في تصميم العناوين، خصوصاً في الصحافة، حين سعى الخطاطون إلى ابتكار لغة بصرية تلائم مضمون النص وروحه. ومن هنا نشأت علاقة خاصة بين الأدب والتصميم؛ فالحرف الإيراني يحمل، إلى جانب دلالته اللغوية، حمولة ثقافية وجمالية متصلة بالشعر والزخرفة وذاكرة الفن الإيراني. وهذا ما يمنح التايبوغرافي الإيرانية حضوراً مميزاً في المشهد الغرافيكي العالمي.
الحرف بوصفه موقفاً فنياً
في قلب هذا المسار يبرز الأستاذ مسعود نجابتي، أحد الأسماء المعروفة في الفنون البصرية الإيرانية، والذي جمع في تجربته بين الغرافيك والخط والتايبوغرافي. ويستحضره محبو الفن من خلال تصميماته وأعماله الخطية التي تركت أثرًا بارزًا. وإلى جانب نشاطاته المتعددة في مجالات الغرافيك والتايبوغرافي والخط، دأب هذا الفنان منذ سنوات على تصميم شواهد مزار العلماء والشهداء أيضًا، وتكتسب مشاركته في كتاب «از دفتر شعر أمين» أهمية خاصة، لأنه لا يتعامل مع الحرف بوصفه مادة طباعية فحسب، بل باعتباره حاملاً للمعنى والذاكرة والهوية. وإشرافه على الورشة التي أنتجت الأعمال المصاحبة للكتاب يؤكد استمرار تقليد فني إيراني يجعل من الخط مساحة للحوار بين الكلمة والصورة، ويمنح الشعر حياة بصرية جديدة. وفي هذا التداخل تتجلى قيمة المشروع؛ فالكتاب لا يوثق القصائد فحسب، وإنما يقدمها ضمن رؤية بصرية تستثمر خصوصية الحرف الإيراني، وتفتح أمام القارئ مجالاً لتلقي الشعر بوصفه نصاً وصورة وإيقاعاً في آن.
البحث
الأرشيف التاريخي