تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
معاداة السامية كسلاح سياسي..
كيف تحوّل واشنطن دعم الاحتلال إلى أداة لقمع الصوت الفلسطيني؟
وتكشف التطورات الأخيرة حجم هذه المواجهة. ففي 18 أغسطس/آب 2026، اتهمت محامية سابقة في وزارة العدل الأمريكية إدارة دونالد ترامب بأن التحقيقات التي استهدفت جامعات هارفارد وبراون وكولومبيا تحت عنوان مكافحة «معاداة السامية» كانت، في بعض الحالات، مدفوعة سياسياً، وأن نتائجها حُددت مسبقاً قبل اكتمال جمع الأدلة. وقالت الشكوى إن محققين خلصوا في إحدى القضايا إلى عدم وجود أساس كاف لإثبات مخالفة قانونية، ومع ذلك استمر الضغط باتجاه التسوية.
ولم تأت هذه الاتهامات في فراغ. ففي 13 أغسطس/آب، رفض قاض اتحادي دعوى رفعتها إدارة ترامب ضد هارفارد، معتبراً أن الوقائع التي استندت إليها الحكومة لم تكن كافية لإثبات استمرار انتهاك قانون الحقوق المدنية.
هنا تبرز المفارقة: إدارة ترامب ترفع شعار حماية الطلاب اليهود، لكنها تواجه في الوقت نفسه اتهامات من داخل جهازها القانوني بأن بعض التحقيقات تحولت إلى أدوات ضغط سياسي. وبذلك لم تعد القضية تتعلق فقط بما يحدث داخل الجامعات، بل بكيفية استخدام مؤسسات الدولة نفسها لنفوذها في صراع سياسي حساس.
واشنطن والاحتلال.. من التحالف الخارجي إلى الضغط الداخلي
على مدى عقود، وفرت الولايات المتحدة لكيان الاحتلال غطاء سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً واسعاً. لكن حرب الإبادة الصهيونية في غزة جعلت هذا التحالف أكثر وضوحاً أمام الرأي العام الأمريكي، بعدما أصبح الطلاب يشاهدون صور الضحايا والدمار في القطاع، في وقت تواصل فيه واشنطن دعم الاحتلال سياسياً وعسكرياً.
ومن هنا جاءت الاحتجاجات الجامعية. فقد تحولت جامعة كولومبيا في ربيع 2024 إلى شرارة امتدت إلى هارفارد وييل وبراون ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعات أخرى. وطالب المحتجون بوقف الحرب، وسحب الاستثمارات من شركات مرتبطة بكيان الاحتلال، وإنهاء بعض أشكال التعاون معه.
لكن هذه الاحتجاجات وضعت التحالف الأمريكي الصهيوني أمام اختبار داخلي غير مسبوق. فكلما ارتفعت الأصوات المنتقدة للاحتلال داخل الجامعات، ازدادت الضغوط السياسية والقانونية على المؤسسات التي تستضيفها. وهكذا لم يعد تأثير التحالف مع كيان الاحتلال محصوراً في السياسة الخارجية، بل امتد إلى طريقة إدارة النقاش حولها داخل الولايات المتحدة نفسها.
التمويل الفدرالي.. سلاح للضغط على الجامعات
لم تكتف إدارة ترامب بالضغط السياسي، بل استخدمت التمويل الفدرالي الذي تعتمد عليه الجامعات الأمريكية في الأبحاث والتعليم بوصفه أداة ضغط قوية.وكانت كولومبيا المثال الأبرز؛ إذ توصلت الجامعة إلى اتفاق مع الحكومة الأمريكية بلغت قيمته نحو 200 مليون دولار لتسوية تحقيقات اتحادية، إضافة إلى تسوية منفصلة بقيمة 21 مليون دولار مرتبطة بتحقيقات أخرى. أما جامعة براون، فوافقت على دفع 50 مليون دولار ضمن اتفاق مع الحكومة.
هذه الأرقام ليست مجرد تفاصيل مالية. فعندما تواجه جامعة خطر خسارة عشرات أو مئات الملايين من الدولارات، فإن التحقيق الحكومي يتحول من مسألة قانونية إلى تهديد مباشر لاستقرارها المالي والبحثي. وبذلك لا تحتاج واشنطن إلى منع الاحتجاجات بصورة مباشرة؛ يكفي أن تجعل كلفة السماح بها مرتفعة إلى الحد الذي يدفع الجامعات إلى تشديد إجراءاتها بنفسها.
المال يضغط، والتحقيقات تهدد، والمؤسسات تعيد حساباتها. وهنا تتحول القوة المالية إلى وسيلة للضغط السياسي من دون الحاجة إلى حظر صريح لحرية التعبير.
هارفارد.. عندما وصل الصراع إلى القضاء
كانت هارفارد من أبرز المؤسسات التي رفضت الانصياع الكامل لضغوط الإدارة، فتحولت المواجهة معها إلى معركة رمزية حول استقلال الجامعات وحدود سلطة الحكومة الفدرالية.
وفي 13 أغسطس/آب 2026، رفض قاض اتحادي دعوى إدارة ترامب ضد هارفارد، معتبراً أن الحكومة لم تقدم ما يكفي لإثبات وجود انتهاك مستمر لقانون الحقوق المدنية يتعلق بحماية الطلاب اليهود. وشكل القرار ضربة لمحاولة الإدارة تحويل الملف إلى أساس قانوني مستمر للضغط على الجامعة.
ثم جاءت إفادة الموظفة السابقة في وزارة العدل لتضيف بعداً أكثر خطورة، إذ اتهمت الإدارة بأنها في بعض الملفات لم تنتظر اكتمال الأدلة لتحديد النتيجة، بل حددت النتيجة أولا ثم تحرك التحقيق في اتجاهها.
وإذا ثبتت هذه الادعاءات، فلن تكون القضية مجرد خلاف سياسي بين إدارة وجامعة، بل ستطرح سؤالاً خطيراً حول استخدام سلطة الدولة لإجبار مؤسسات مستقلة على تبني موقف سياسي معين.
فلسطين في قلب النقاش الأمريكي
بدأت هذه السياسة تنتج نتيجة عكسية. فالطلاب الذين تعرضوا للعقوبات، والأساتذة الذين واجهوا الضغوط، والجامعات التي دخلت في صدام مع الإدارة، أصبحوا جميعاً جزءاً من نقاش أكبر حول حدود النفوذ الصهيوني والأمريكي في الحياة الأكاديمية.فالقضية الفلسطينية لم تعد، بالنسبة إلى قطاعات متزايدة من المجتمع الأمريكي، ملفاً خارجياً بعيداً. إنها مرتبطة بالسلاح الأمريكي، والتمويل، والسياسة الخارجية، وحق المواطن في انتقاد حكومته عندما يرى أنها تدعم حرباً يعارضها.
ولهذا فإن محاولة نقل النقاش من غزة إلى اتهامات المحتجين لا تلغي القضية الأصلية، بل تعيد إنتاجها داخل الولايات المتحدة بصورة أوسع. فكلما ارتفع الضغط على الجامعات، أصبح السؤال عن حدود الدعم الأمريكي لكيان الاحتلال أكثر حضوراً، لا أقل.
حين تصبح فلسطين اختبارا للديمقراطية الأمريكية
ختاماً، ما يجري في الجامعات الأمريكية لم يعد خلافاً عابراً بين ترامب والجامعات، بل اختبارا ًحقيقياً لحدود الديمقراطية عندما تتعارض حرية التعبير مع مصالح واشنطن وتحالفها الوثيق مع كيان الاحتلال. فحين تُستخدم أموال الدولة والتحقيقات والضغط السياسي لإجبار الجامعات على ضبط الأصوات المنتقدة للحرب، يصبح السؤال أكبر من غزة: هل تظل حرية التعبير حقا عندما يكون موضوعها الاحتلال؟
لقد كشفت الاحتجاجات الطلابية أن فلسطين أصبحت جزءاً من النقاش الداخلي الأمريكي حول المال والسلاح والسياسة الخارجية وحرية التعبير. وقد تستطيع الإدارة إغلاق المخيمات أو تجميد التمويل، لكنها لا تستطيع إغلاق الأسئلة التي فتحتها الحرب.
وفي النهاية، فإن إسكات الصوت الفلسطيني لا يلغي القضية، بل يكشف التناقض بين خطاب واشنطن عن الحرية وممارستها عندما يتعلق الأمر بالاحتلال. ففلسطين لم تعد اختباراً للسياسة الأمريكية وحدها، بل أصبحت اختباراً لصدق الديمقراطية الأمريكية نفسها.
