الإنشاد جزء من الذاكرة الإيرانية

الموسيقى الإيرانية؛ من عراقة المقام إلى صوت «خواجه ‌أميري» الخالد

/ منذ أزمنة بعيدة، لم تكن الموسيقى في إيران فناً منفصلاً عن الشعر والإنشاد، بل نشأ الثلاثة في فضاء ثقافي واحد، تتكامل فيه الكلمة واللحن والصوت. ومن المقامات والأنغام القديمة إلى الموسيقى التقليدية المعاصرة، ظل الشعر، عنصراً أساسياً في تشكيل الذائقة الموسيقية الإيرانية. كما ارتبط الإنشاد بالشعائر والمجالس والتعزية، وأسهمت مدارس الأداء الشفهي في نقل المقامات وأساليب الإنشاد من جيل إلى آخر.
وتجسد الآلات التقليدية، كالكمانجة والعود والرباب، جانباً آخر من هذا التراث؛ فهي ليست أدوات لإنتاج النغم فحسب، بل أوعية للذاكرة الثقافية والحكايات والشعائر والمشاعر. وقد أدرجت صناعة عدد من هذه الآلات والعزف عليها ضمن التراث الثقافي غير المادي، بما يعكس عمق الصلة بين الموسيقى والهوية في إيران.
وفي قلب هذا التراث ظل «الإنشاد» يحتل مكانة محورية، لأن الصوت البشري يجمع بين جمال اللحن ودقة الكلمة وقدرتها على نقل المعنى. ومن هنا برز عبر العقود عدد من كبار أساتذة الإنشاد التقليدي، وفي مقدمتهم حسين خواجه‌أميري، المعروف فنياً باسم «إيرج».
تشييع إيرج؛ صوت باقٍ في ذاكرة إيران
في صباح الجمعة 14 أغسطس، شُيّع جثمان حسين خواجه‌أميري، المعروف بـ «بطل الإنشاد الإيراني»، من أمام قاعة وحدت في طهران إلى مقبرة الفنانين في جنة الزهراء(س)، وسط حضور أسرته ومساعد وزير الثقافة في الشؤون الفنية مهدي شفيعي وأصدقائه وتلامذته وكبار الموسيقيين والمسؤولين الثقافيين. لم تكن المراسم وداعاً لمنشد فحسب، بل استعادةً لذاكرة موسيقية امتدت عبر أجيال؛ ذاكرة صاغها صوت ظل سنوات طويلة حاضراً في الإذاعة والسينما والوجدان الشعبي. تحدّث حميدرضا نوربخش عن إيرج بوصفه جزءاً لا ينفصل عن تاريخ الإنشاد الإيراني، ومقياساً للصوت، بينما استعاد عليرضا افتخاري أثر صوته في تكوينه الفني منذ الطفولة. أما أفراد أسرته، فقد قدموا صورة أخرى للفنان: أباً وجدّاً محباً أراد دائماً أن يكون «بين الناس». وهكذا بدا رحيله لحظةً تتقاطع فيها الموسيقى والذاكرة والإنسان، ويثبت فيها الصوت الخالد قدرته على البقاء بعد غياب صاحبه.
إيرج؛ صوت استثنائي وهُويّة فنية
وُلد حسين خواجه‌أميري، عام 1932 م، في خالدآباد بمدينة نطنز، ونشأ في أسرة فنية. تعلّم في طفولته أصول الإنشاد والمقامات، ثم درس لدى الأستاذ أبو الحسن صبا في طهران. بدأ مسيرته مع فرق الإذاعة، قبل أن يصبح اسم «إيرج» علامة بارزة في تاريخ الإنشاد الإيراني.
وفي عام 1957، انضم إلى برنامج «غُل‌ها» بدعوة من داوود بيرنيا، فترسخت مكانته، ثم امتد حضوره إلى السينما. وتميز بقوة صوته واتساع مداه وتمكنه من الـ«رديف» والتحرير والأداء في الطبقات العالية، جامعاً بين التقنية والتعبير والشعر واللحن. ووصفه المرحوم محمدرضا شجريان بأنه «مقياس ومعيار» للصوت، فيما عُرف إيرج أيضاً بأخلاقه ونبله واحترام أجيال من الفنانين له.
ذاكرة الأجيال
ترك إيرج أكثر من ألفي أداء من الأناشيد والتصانيف والقطع الإنشادية، وتعاون مع أسماء بارزة مثل علي تجويدي، همايون خرّم، برويز ياحقي، حسن كسائي، وغيرهم. وعندما رحل عن 94 عاماً، لم يكن تشييعه مجرد وداع لفنان، بل مناسبة لإستعادة تاريخ كامل من الموسيقى الإيرانية. 
رسائل تعزية في رحيل إيرج
في رسالة تعزية، وصف وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي سيد عباس صالحي، الأستاذ خواجه أميري بأنه من «أشهر الأصوات وأكثرها صدىً في تاريخ الموسيقى الإيرانية»، مشيداً بقوة صوته واتساعه ومعرفته العميقة بالـرديف الموسيقى ومهارته في التحرير والإنشاد في الطبقات العالية، مؤكداً أن «الترابط المتزن بين الشعر والإنشاد» منح أداءه هوية خاصة.
كما نعاه مهدي شفيعي، نائب وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي للشؤون الفنية، معتبراً أن الموسيقى الإيرانية فقدت أحد أصواتها «النبيلة والراسخة في الذاكرة»، وأن إيرج كان حلقة وصل بين الموسيقى الراقية والجمهور، وصانعاً لأعمال عبّرت عن أحزان الناس وأفراحهم.
وهكذا رحل إيرج جسداً، لكن صوته لم يرحل. فقد أصبح جزءاً من الذاكرة الموسيقية الإيرانية؛ ذاكرة لا تُدفن مع أصحابها، بل تعود كلما انطلقت أنشودة، أو قراءة شعر، أو استعاد جيل جديد صوتاً كان يوماً ما ينشد للناس. لقد شُيّع «بطل الإنشاد الإيراني»، لكن أنشودته، بما تحمل من فن وهوية وذاكرة، ما زالت مستمرة.
البحث
الأرشيف التاريخي