تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
«لينكولن» تحت ضغط الاستنزاف.. كلفة حروب واشنطن تظهر على متن الحاملة
لكن ما يجري على متن حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» يفتح صورة مختلفة تمامًا؛ صورةً لآلاف العسكريين الذين يعيشون أشهرًا متواصلة في البحر، وسط إنهاك نفسي ومعيشي متزايد، فيما تحدثت تقارير عن محاولات بعض أفراد الطاقم القفز من على متن الحاملة. هنا تظهر المفارقة الصادمة: السفينة التي يفترض أن تجسد القوة الأميركية في الخارج، باتت تكشف كلفة هذه القوة في الداخل. فوراء الطائرات المقاتلة والأسلحة المتطورة والبيانات العسكرية، هناك جنود وعائلات يدفعون ثمن قرارات تُتخذ في واشنطن، بينما تستمر الحرب ويُمدّد الانتشار مرةً بعد أخرى.
250 يومًا في البحر.. إلى متى تستطيع الآلة البشرية الاحتمال؟
أمضت «لينكولن» أكثر من 240 يومًا في البحر، في مهمة بحرية متواصلة، من دون نزول منتظم إلى البر، فيما أمضى طاقمها أشهرًا طويلة بعيدًا عن عائلاته. وكان من المفترض أن تنتهي المهمة في وقتٍ سابق، قبل أن تؤدي التطورات العسكرية إلى تمديدها.
هذه الأرقام ليست مجرد تفاصيل زمنية؛ إنها مؤشر على طبيعة الحرب التي تخوضها واشنطن. فكلما طال الانتشار، ارتفعت فاتورته النفسية والجسدية، وتحولت المهمة العسكرية من عملية محددة إلى حالة استنزاف مفتوحة.
وتزداد خطورة المشهد مع ورود شهادات عن تدهور الحالة النفسية لبعض أفراد الطاقم، وعن محاولات إيذاء النفس، فيما نقلت تقارير عن عائلات عسكريين مخاوف شديدة بشأن أوضاع أبنائها وأزواجها. وهنا لا تعود المسألة مجرد «إرهاق عسكري». إنها أزمة تكشف حدود قدرة المؤسسة الأميركية على إبقاء جنودها في حرب طويلة ومفتوحة.
خلف صورة القوة الأمريكية.. أزمات داخل حاملة لينكولن
تفضل واشنطن تقديم قوتها العسكرية عبر صور السفن العملاقة والطائرات الحديثة والاستعراضات البحرية. لكن الصور لا تُظهر ما يحدث خلف الأبواب المغلقة. تقارير تحدثت عن مشاكل في المرافق، وتعطل بعض التجهيزات، وشكاوى بشأن الطعام والغسيل والحمامات والمياه، بالتزامن مع الضغط النفسي الناتج عن طول الانتشار.
وفي المقابل، تؤكد البحرية الأميركية أن صحة أفراد الطاقم ورفاههم تمثل أولوية، وتنفي وجود تدهور بالصورة التي تطرحها بعض التقارير، لكن المشكلة لا تختفي بالنفي.
فعندما تصل الشكاوى إلى عائلات العسكريين وأعضاء الكونغرس، وعندما يصبح الوضع النفسي للطاقم موضع نقاش علني، فإن ذلك يعني أن الصورة اللامعة التي تصدرها المؤسسة العسكرية الأميركية لم تعد كافية لإخفاء كلفة الحرب.
واشنطن تستطيع تمديد الحرب.. لكنها لا تستطيع إخفاء ثمنها
تكشف «لينكولن» مشكلة ًأوسع من حدود حاملة الطائرات نفسها: العقيدة الأميركية التي تتعامل مع الانتشار العسكري كأداة دائمة للنفوذ.
تستطيع الإدارة الأميركية إرسال حاملة طائرات إلى آلاف الكيلومترات، لكنها تواجه معضلة أكبر عندما تطول الحرب وتتغير أهدافها وتصبح العودة إلى الوطن مؤجلة، وهنا تبدأ القوة بالتحول إلى عبء. فالعسكري لا يعيش الحرب كما تظهر في بيانات البنتاغون. بالنسبة إليه، الحرب تعني شهورًا إضافية بعيدًا عن أسرته، ونومًا متقطعًا، وضغطًا مستمرًا، ومستقبلًا مهنيًا يصبح مرتبطًا بقرارات سياسية لا يملك السيطرة عليها.
ما يُسمى في واشنطن «انتشارًا عسكريًا»، قد يتحول بالنسبة إلى الجندي إلى سجن عائم يمتد لأشهر.
حاملة الطائرات أمام اختبار الاستنزاف
أهمية «لينكولن» لا تكمن فقط في حجمها أو قدرتها النارية، بل في كونها اختبارًا لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على قوتها العسكرية عندما تصبح الحرب طويلة ومكلفة.
فالقوة الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والأسلحة، وإنما بالقدرة على تحمل تبعات استخدامها. وإذا كانت واشنطن تريد إظهار أنها قادرة على فرض حضورها العسكري في غرب آسيا، فإن الأزمة على متن «لينكولن» تكشف الوجه الآخر لهذه السياسة: كل انتشار جديد يحتاج إلى آلاف البشر، وكل حرب طويلة تستهلك هؤلاء البشر قبل أن تظهر آثارها في الحسابات العسكرية،وهكذا تتحول حاملة الطائرات من رسالة ردع إلى رسالة استنزاف.
من استعراض الردع إلى أزمة الطاقم..لينكولن تكشف كلفة الانتشار
المفارقة الأكثر قسوة أن الولايات المتحدة تستخدم قوتها العسكرية لإظهار قدرتها على إخضاع الآخرين، بينما تواجه في الوقت نفسه تحديًا داخليًا يتمثل في حماية جنودها من آثار الحرب التي ترسلهم إليها.وهذا يطرح سؤالًا لا تستطيع البيانات العسكرية الإجابة عنه: ما قيمة حاملة طائرات قادرة على الوصول إلى أي مكان إذا كان ثمن بقائها في البحر هو انهيار أفراد طاقمها نفسيًا؟
ليست المسألة إعلانًا عن انهيار البحرية الأميركية، لكنها بالتأكيد تكشف أن هذه القوة ليست بلا حدود، وأن الإنسان الذي يشغّل الآلة العسكرية يبقى الحلقة التي لا يمكن تجاوزها.
«لينكولن» تكشف ما تحاول واشنطن إخفاءه
ختاماً، تقدم أزمة «لينكولن» صورة مكثفة عن الثمن الذي تدفعه المؤسسة العسكرية الأميركية عندما تتحول الحرب من مهمة مؤقتة إلى انتشار مفتوح. فواشنطن التي اعتادت تصدير صورة القوة المطلقة تواجه الآن مشهدًا مختلفًا: طاقم مرهق، عائلات قلقة، انتشار طويل، وشكاوى وصلت إلى مستويات سياسية، فيما تستمر آلة الحرب في العمل.
قد تبقى الحاملة في البحر، وقد تصل حاملات أخرى لتحل محلها، لكن المشكلة ليست في السفينة وحدها. المشكلة في سياسة تجعل الحرب خيارًا متكررًا والانتشار العسكري أداة دائمة للهيمنة. وفي النهاية، فإن أخطر ما تكشفه «لينكولن» ليس ضعف قطعة بحرية أميركية، بل ثمن القوة حين تتحول إلى حرب بلا نهاية.فخلف صورة الإمبراطورية العسكرية التي تحاول واشنطن تسويقها للعالم، هناك جنود يدفعون الثمن، وعائلات تنتظر، ومؤسسة عسكرية تحاول إخفاء حجم الاستنزاف. «لينكولن» لم تعد مجرد حاملة طائرات في البحر؛ إنها صورة عائمة لأزمة القوة الأميركية نفسها.
