الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • الثبات من أجل إيران
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وأربعة وعشرون - ١١ أغسطس ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وأربعة وعشرون - ١١ أغسطس ٢٠٢٦ - الصفحة ۸

من النذر إلى الخدمة.. سردية مسيرة النذور في حرم الإمام الرضا(ع)

إنّ النذر، قبل أن يتجسد في قالب أرقام وإحصاءات أو يتعدد في مصاديقه، يمثل تجلياً ساطعاً لثقة الناس اللامتناهية في رحاب إمام الرحمة؛ وهو رباط لم يبهت لونه عبر العصور، بل اكتسب عمقاً واتساعاً جديداً في كافة المحطات التاريخية. ولكن، ما يكتسب أهمية قصوى في هذه البقعة الجغرافية الشاسعة، التي تعاقبت عليها الحكومات والأمراء، هو صمود هذا الرابط القلبي بين العباد والإمام الرضا (ع)، حيث وجد الناس في رحاب هذا الإمام الهمام الملاذ الأكثر أماناً لإيداع نياتهم وآمالهم وعهودهم. وبناءً على ذلك، فإن الرسالة الأولى والأكثر جوهرية للعتبة الرضوية المقدسة في مجال النذور، هي تعظيم هذه الثقة، والأمانة في حفظ نوايا الناذرين، وصون الشأن والمكانة الرفيعة لهذا المكان المقدس في نفوس المؤمنين.
وفي هذا السياق، يوضح علي رضا إسماعيل زادة، المدير العام للنذور في العتبة الرضوية المقدسة، متناولاً الجذور التاريخية للنذر، قائلاً: «للنذر جذور عريقة في كافة الأديان السماوية، وحيثما نبعت الروحانية في العالم، وجد النذر لنفسه مكانة خاصة. وفي العتبة الرضوية المقدسة، واستناداً إلى الوثائق التاريخية، تعود المستندات المكتوبة للنذور إلى عام 1699م على الأقل. وهذه الوثائق التي تُحفظ في مكتبة العتبة الرضوية المقدسة، تعد شهادة على أن نذور الناس كانت تُسجل دائماً بنية محددة، ويتم تنفيذها بدقة وفقاً لتلك النيات ذاتها. وقد حافظت العتبة الرضوية المقدسة عبر التاريخ، اعتماداً على الوقف ونذور الناس، على استقلاليتها، وأدارت هذا المقام الشريف دون أي تبعية للميزانيات الحكومية». وأضاف: إن «الأمانة هي المبدأ الأهم في إدارة النذور. فسواء في الماضي أو الحاضر، يتم تنفيذ نية الواقف أو الناذر كما هي. وفي مجال الأوقاف، تُسجل صكوك الوقف رسمياً، ويتم مراقبة تنفيذ نياتها بدقة».
وفي قسم النذور أيضاً، سواء كانت نقدية أو عينية، تبدأ عملية التوثيق وتسجيل النية وتخصيص الميزانية والرقابة منذ لحظة استلام النذر، حيث يحصل كل وقف وكل نذر على رمز محدد، وتُنظم ميزانيته بشكل منفصل. وفي النهاية، تُقدم هذه التقارير إلى متولي العتبة الرضوية المقدسة وتُراجع من قبله.
تلعب النذور اليوم دوراً جوهرياً في تقديم الخدمات للزوار وتلبية الاحتياجات الاجتماعية. يُدار الحرم الرضوي المطهر بناءً على الوقف والنذور، ويتم استخراج وتخصيص جزء كبير من الخدمات الرفاهية والثقافية والصحية والمعيشية والتعليمية -بدءاً من إطعام الزوار وصولاً إلى دعم الأسر المتعففة وترويج ثقافة القراءة- من صميم نيات الناذرين. ويقول إسماعيل زادة: «في عام 2026م، تحققت هذه الخدمات عبر تخصيص ميزانية قاربت ثلاثة آلاف مليار ريال؛ وهي خدمات تبلورت من صميم نيات الناس الصادقة وعادت بالنفع مباشرة على المجتمع».
الأمانة في مسار النيات
في العتبة الرضوية المقدسة، كل نذر هو قصة نية يجب صونها بأقصى دقة ممكنة. ويضيف إسماعيل زادة: «اليوم، ومن خلال الاستفادة من النظام الذكي للنذور، تم تعريف أكثر من 670 نية محددة، وهي تلبي رغبات الناذرين بحسب المناسبات المختلفة؛ وهذا يعني أنه إذا طلبت نيتكم مساراً محدداً، فسيتم إنفاق نذركم في ذلك المسار بدقة.
أمّا بخصوص النذور المُهداة بنية عامة (مثل النذور داخل الضريح المطهر)، فيقوم متولي العتبة الرضوية -نظراً للأولويات المعنوية والاحتياجات الملحّة للمجتمع- بتخصيص هذه الأمانات في مسارات قيّمة مثل طباعة القرآن الكريم، وتوسعة المساحات العمرانية للحرم، والخدمات الاجتماعية، وتوسيع البرامج الثقافية. ويتم تسجيل هذا المسار برمته في نظام مالي شفاف ودقيق وقابل للتدقيق، لضمان طمأنينة الناذرين».
يمكن رؤية تجليات هذه النذور في المشاريع الضخمة التي تزدهر بدعم مباشر من الناس؛ بدءاً من البناء المهيب لأروقة الإمام الحسين(ع) وأمير المؤمنين(ع)، وصولاً إلى المتحف المركزي للعتبة الرضوية، وتوسعة الأروقة تحت الأرض، وتجميل أسطح الحرم. وحتى في أدق الأمور كالإضاءة الزخرفية، وتحديث أنظمة السلامة، وترميم الأعمال الفنية، وحفظ الكنوز التاريخية، تُعدّ نذور الناس حارسةً لهذا التراث العظيم، وقوة دافعة لخدمة الزوار.
من مائدة الناس إلى مائدة الإمام
في العتبة الرضوية المقدسة، لا تقتصر النذور على كونها سلعاً، بل هي تتدفق في قالب من العشق. وكما يوضح المدير العام للنذور في العتبة الرضوية، فإن الجزء الأكبر من النذور العينية -بدءاً من الأرز والبقوليات وصولاً إلى الزعفران واللحوم والمواشي الحية- يُستخدم مباشرة في مضيف الإمام الرضا(ع).
وفي كل يوم، يتم إعداد الطعام المتبرك والرزق الحظري بهذه النذور المخلصة، ويوزع على الزوار الأعزاء في مضيفي «الغدير» و«الحر». ويشير إسماعيل زادة إلى أنه «في مسار تكريم الزوار، نشهد قفزة غير مسبوقة في المشاركات الشعبية، حيث بلغت النذور المباشرة لمضيف الرضا(ع) مبلغ 5500 مليار ريال، ووصلت المشاركات الشعبية إلى 420 مليار ريال».
بركة النذور في بيوت المنتظرين
يتحدث إسماعيل زادة، مستشرفاً آفاقاً جديدة للخدمة: «في السنوات الأخيرة، تجاوز تدفق النذور حدود الحرم الرضوي ليدخل في صلب حياة الناس؛ حيث تدخل مؤسسة «الكرامة الرضوية» كذراع تنفيذي لهذه الخدمة، لتنقل بركة النذور إلى البيوت المنتظرة».
إنّ هذه الخدمات تمثل دائرةً باتساع الأمل؛ بدءاً من دعم فئة الشباب، وصولاً إلى تخفيف الأعباء عن الأسر المحتاجة، وتأمين مستلزمات الزواج، وتوزيع الطرود المعيشية، والملابس، والأدوات المدرسية للأطفال الأعزاء؛ وكل ذلك يعكس أن هذا الولاء، الذي يتجاوز نطاق مدينة مشهد، يمثل بلسماً لجراح المجتمع.
وكما أوضح المدير العام للنذور في العتبة الرضوية المقدسة، فإنه من خلال مبادرة «تحرير الآباء والأمهات المسجونين في القضايا المالية غير العمدية» الإنسانية، تم جمع أكثر من 115 مليار تومان من قبل المواطنين منذ بداية عام 2021م وحتى الآن، وذلك بهدف إعادة لم شمل العائلات. كما تم جمع ما يربو على 130 مليار تومان ضمن مبادرة «نذر الأيتام»، والتي خُصصت جميعها بدقة مفعمة بالحب لرعاية الأيتام ودعم الأطفال.
صون مليون وثلاثمائة ألف قطعة من التاريخ
حينما نتحدث عن إدارة الذخائر والنفائس، فنحن لا نواجه مجرد مبنى آمن؛ بل نحن بصدد «خزانة للروح». يقول إسماعيل زادة: «في الوقت الراهن، تحتضن هذه الخزانة الكبرى في جوفها كنزاً لا مثيل له، حيث تصون أكثر من مليون وثلاثمائة ألف قطعة نفيسة».
تقبع هذه الكنوز في مبنى بمعايير قياسية تامة، حيث تخضع الإضاءة والرطوبة ودرجة الحرارة للرقابة اللحظية، كما يقوم خبراء الترميم برصد ومراقبة القطع يومياً؛ لضمان عدم إلحاق أي ضرر بهذا التراث العزيز. وسط كل هذا البهاء، يتألق مظهر ثقافي خاص جداً، وهو «نذر الفخر». فقد أهدى أبطال العلم والرياضة سنوات من جهدهم وميدالياتهم المشرّفة إلى الحرم الرضوي المطهر؛ وهي تذكارات لم تعد حبيسة خزائن المنازل، بل أصبحت في رحاب الحرم جزءاً من التراث الرضوي المعاصر.
ويشير إسماعيل زادة إلى أن «عدد هذه الميداليات يبلغ 1248 وساماً وميدالية ذهبية، والتي تحفظ وتصون الفخر الوطني وجهود أصحابها».
ميراث من جنس المعرفة
في الأيام الأخيرة من شهر صفر، وبينما حتضن مدينة الإمام الرضا(ع) ملايين القلوب المشتاقة، لا تقتصر النذور على موائد الإطعام فحسب، بل تتجلى في أرجاء المدينة وفي رحاب الحرم المقدس كفيضٍ من نور المعرفة.
وفي هذا المسار، تتحول النذور إلى كتاب وكلام؛ بدءاً من التوفير المستمر للقرآن الكريم والأدعية للزوار، وصولاً إلى المشاريع العلمية الضخمة مثل تأليف موسوعة «المعجم في فقه لغة القرآن»، التي تهدف إلى تخليد المعارف العلوية للباحثين. إلا أن هذه البركة لم تقف عند حدود الكتب، بل وصلت النذور إلى أيدي المرممين لصون المخطوطات الفريدة، كما وصلت إلى أيدي المحرومين؛ فمن خلال إهداء أكثر من 100 ألف مجلد من الكتب، تم إيقاد شعلة المكتبات في المناطق النائية. وحتى في أبعد القرى الأقل حظاً، تتدفق ثمار هذه النذور، حيث يتم إنشاء 32 مركزاً قرآنياً وداراً للقرآن، ليردد صدى كلام الله في أعماق تلك القرى.
نذرٌ لراحة الزائر
كل عام، يقطع أكثر من 30 مليون قلب مشتاق مسافات طويلة لزيارة الإمام الرضا(ع)؛ ولكن قبل سنوات، كانت هذه الرحلة المفعمة بالعشق تواجه تحديات صعبة؛ شحّ في محطات الاستراحة الآمنة واللائقة التي تصون كرامة الزائر وتوفر له السكينة.
يقول المدير العام للنذور في العتبة الرضوية المقدسة في هذا الشأن: «لقد أسست العتبة، إدراكاً منها لهذا الاحتياج، سلسلة عظيمة من المجمعات الثقافية والخدمية على الطرقات، والتي لم تكن تهدف إلى تقديم الخدمات الرفاهية فحسب، بل كانت الأساس هو إيجاد استراحات لتجديد الروح والسكينة في قلب الطريق».
وحتى الآن، تم إنشاء 23 مجمعاً من مجمعات الإمام الرضا(ع) على الطرقات في مسارات البلاد المزدحمة والنشطة بالزوار. وتتوزع هذه المجمعات في محافظات خراسان الرضوية، وخراسان الجنوبية، وخراسان الشمالية، وسيستان وبلوشستان، وكرمان، ويزد، وسمنان، وكلستان، وبعض المحاور الأخرى، وتقدم خدماتها للزوار والمسافرين على مساحة تقارب 30 هكتاراً وبمساحة بناء تتجاوز 30 ألف متر مربع.
في هذا المسار، مهما كان النذر بسيطاً أو محدوداً، فإن العتبة الرضوية المقدسة تؤدي أمانة هذا الولاء بكل دقة وشفافية، وتوظف نذور الناس بما يوفر الراحة والرفاه للزوار ويبعث على سكينتهم.

بقلم: أكرم صاحب علم

البحث
الأرشيف التاريخي