رحلة بين الإيمان والإبداع

قم المقدسة.. وجهة تجمع بين السياحة الدينية وإبداع الحرف التقليدية

/ في إنجاز يعكس عمق الإرث الحضاري والثقافي لمدينة قم المقدسة، ويؤكد مكانتها المتنامية كإحدى أبرز الوجهات التي تجمع بين السياحة الدينية والثقافية في إيران، أعلنت وزارة التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية تسجيل المدينة رسمياً «مدينة وطنية للحرف اليدوية». ويعد هذا الإعتراف محطة مهمة في مسار الحفاظ على التراث الحرفي الإيراني، ودعم الإقتصاد الإبداعي، وتعزيز دور الصناعات التقليدية في تنمية القطاع السياحي واستقطاب الزوار والمهتمين بالفنون التراثية من داخل إيران وخارجها.
ويأتي هذا الإنجاز في وقت يشهد فيه قطاع السياحة الثقافية اهتماماً متزايداً بالحرف التقليدية بوصفها أحد أهم عناصر الهوية الوطنية، ووسيلة فعالة لربط الزائر بتاريخ المدن وثقافتها، وتحويل الموروث الشعبي إلى رافد اقتصادي مستدام يسهم في تنشيط الحركة السياحية وخلق فرص عمل جديدة.
 اعتراف وطني يعكس ثراء التراث الحرفي
وجاء إعتماد مدينة قم المقدسة خلال الإجتماع التخصصي للمجلس الوطني لتسجيل المدن والقرى الحرفية، الذي عقد في مقر وزارة التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية، بعد استكمال جميع مراحل التقييم الميداني لملف المدينة، بناءً على طلب تقدّمت به الإدارة العامة للتراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية في محافظة قم المقدسة.
وشهد الاجتماع مشاركة عدد من كبار مسؤولي وزارة التراث الثقافي، إلى جانب خبراء وباحثين وممثلين عن الجامعات والهيئات المهنية واتحاد السجاد اليدوي وغرفة الأصناف، حيث جرى استعراض المقوّمات التاريخية والفنية والثقافية التي تؤهل المدينة للحصول على هذا اللقب الوطني.

 الحرف التقليدية ركيزة لتنمية السياحة الثقافية
وأكد رئيس المجلس الوطني لتسجيل المدن والقرى الحرفية والقائم بأعمال معاون الصناعات اليدوية والفنون التقليدية، أن إيران تمتلك تجربة رائدة في تسجيل المواقع التاريخية على المستويين الوطني والعالمي، مشدداً على أهمية توظيف هذه الخبرة في تطوير قطاع الصناعات اليدوية، باعتباره أحد المحاور الرئيسة للسياحة الثقافية.
وأوضح بهروز ندائي، أن التسجيل الوطني يمثل خطوة استراتيجية للتعريف بالحرف التقليدية وإبراز قيمتها الحضارية، بينما يعتمد التسجيل العالمي على تميز هذه الحرف وتفردها على المستوى الدولي، مشيراً إلى أن وزارة التراث الثقافي تعمل على تطوير معايير التقييم وفق أسس علمية وموضوعية، بما يعزز التنافس الإيجابي بين المدن الإيرانية، ويمهد الطريق أمام تسجيل المزيد من المدن والحرف الإيرانية على القوائم الدولية.
وأضاف: إن برنامج التسجيل الوطني يهدف إلى دعم المدن التي تمتلك مقومات متميزة في مجال الصناعات اليدوية، مؤكداً على أن إختيار قم المقدسة جاء إستناداً إلى مكانتها الدينية والثقافية، وتنوع فنونها التقليدية، وارتباط هذه الحرف ارتباطاً وثيقاً بالهوية السياحية للمدينة، وهو ما يمنح الزائر تجربة تجمع بين البعد الروحي واكتشاف التراث الفني الأصيل.
 مدينة تجمع بين التاريخ والإبداع
وأشار ندائي إلى أن مدينة قم المقدسة، التي تمتد جذورها الحضارية لأكثر من 7500 عام، تمتلك إرثاً فنياً غنياً يضم مجموعة واسعة من الفنون التقليدية، من بينها صناعة البلاط المزخرف، وتذهيب وتزيين المخطوطات، وصناعة الخزف، فضلاً عن الحفر على الخشب، والتطعيم، والزخرفة بالمرايا، وهي فنون تعكس تنوع الهوية الثقافية للمدينة وتاريخها العريق.
وأوضح ندائي أن البلدية والمؤسسات المعنية تعمل على تطوير البنية التحتية والمرافق الحضرية، بما يدعم نمو الصناعات اليدوية ويوفر بيئة مناسبة لعرض المنتجات التراثية، الأمر الذي يسهم في تعزيز جاذبية قم كوجهة للسياحة الثقافية، إلى جانب مكانتها الراسخة في مجال السياحة الدينية.
الاقتصاد الإبداعي.. بوابة جديدة للتنمية
وأكد ندائي أن الحصول على لقب «المدينة الوطنية للحرف اليدوية» لا يمثل نهاية الطريق، بل يشكل بداية مرحلة جديدة تقوم على التخطيط والابتكار، وربط التراث بالإقتصاد الإبداعي، بما يضمن الحفاظ على الهوية الثقافية، وتحويل الصناعات اليدوية إلى قطاع إقتصادي قادر على توفير فرص عمل مستدامة للحرفيين، وتعزيز حضور المنتجات التقليدية في الأسواق المحلية والدولية.
وأضاف ندائي: إن الإدارة المحلية تسعى إلى توظيف الحرف التقليدية في تنشيط الإقتصاد السياحي من خلال إنشاء أماكن دائمة للعرض والتسويق، وتطوير أسواق الهدايا التذكارية والمنتجات التراثية، بما يتيح للزوّار التعرّف على الإبداع الحرفي الذي تتميز به المدينة، ويشجعهم على اقتناء منتجات تعكس أصالة الثقافة الإيرانية.
صون التراث للأجيال القادمة
ولفت ندائي إلى أن العديد من الفنون التقليدية تواجه التحديات في ظل التحولات الحديثة، الأمر الذي يستدعي تعزيز التعاون بين المؤسسات الحكومية والبلدية والقطاع الثقافي لضمان نقل هذه المهارات إلى الأجيال الجديدة، والحفاظ على هذا الإرث الحضاري بوصفه أحد أهم عناصر الهوية الوطنية والثقافية.
ويختتم هذا الإنجاز مرحلة جديدة في مسيرة مدينة قم المقدسة، التي باتت تجمع بين مكانتها الروحية العريقة، وإرثها الثقافي الغني، وحضورها المتنامي في مجال الصناعات اليدوية، بما يعزز موقعها كوجهة متكاملة للسياحة الدينية والثقافية، ويفتح آفاقاً واسعة أمام تنمية الاقتصاد الإبداعي، واستقطاب المزيد من الزوار والمهتمين بالفنون والتراث من مختلف أنحاء العالم.

البحث
الأرشيف التاريخي