حين يتحول الخوف من الهجرة إلى خطاب سياسي للكراهية
سبتة.. مأساة المهاجرين في قبضة اليمين المتطرف
/ لم تكن الساعات العاصفة التي عاشتها مدينة سبتة الإسبانية في أواخر يوليو/تموز 2026 مجرد حادث حدودي عابر، بل أزمة استثنائية كشفت هشاشة الحدود الأوروبية أمام موجات الهجرة المفاجئة، وأظهرت في الوقت نفسه حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها أشخاص مستعدون للمخاطرة بحياتهم بحثاً عن الأمان ومستقبل أفضل.
خلال فترة قصيرة، تدفق عشرات الآلاف من الأشخاص من المغرب نحو سبتة، المدينة الإسبانية الصغيرة الواقعة في شمال أفريقيا، في واحدة من أكبر موجات العبور التي شهدتها المنطقة. وانتهت الأزمة بمقتل عشرات الأشخاص، بينما تمكنت السلطات الإسبانية والمغربية من احتواء التدفق وإعادة أعداد كبيرة من العابرين إلى المغرب. لكن الأزمة لم تبقَ إنسانية وأمنية فقط؛ إذ تحولت سريعاً إلى معركة سياسية أوروبية، استغلها اليمين المتطرف لإعادة إنتاج خطاب «الغزو» والتحريض على المهاجرين والمسلمين، فيما تعرضت إسبانيا لانتقادات وضغوط من بعض شركائها الأوروبيين.
سبتة.. مأساة إنسانية دفعت المهاجرين إلى المخاطرة بحياتهم
وجدت إسبانيا نفسها أمام تدفق بشري ضخم في مدينة محدودة المساحة والقدرات الاستيعابية، بلغ ذروته مع محاولات عبور جماعية براً وبحراً، بينها محاولات سباحة شديدة الخطورة، في وقت امتلأت فيه مراكز الاستقبال، وبرزت الحاجة إلى التعامل مع أعداد كبيرة من القاصرين والمهاجرين.
لكن وراء هذه الأرقام مشهداً إنسانياً بالغ الصعوبة. فقد سقط عشرات القتلى أثناء محاولات العبور، بينهم قاصرون، في مأساة تؤكد أن أزمة سبتة لا يمكن اختزالها في أرقام أمنية أو في قضية حدودية فقط. فالأشخاص الذين خاطروا بحياتهم في البحر أو حاولوا اجتياز الحواجز لم يكونوا أمام خيار سهل؛ بل وجد كثير منهم أنفسهم في ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية دفعتهم إلى الاعتقاد بأن المخاطرة قد تكون أقل كلفة من البقاء في واقعهم.
ولا يمكن تفسير هذا التدفق الكبير بعامل واحد، بل جاء نتيجة تداخل اليأس الاقتصادي والاجتماعي والفقر والبطالة مع الشائعات والمعلومات المضللة ونشاط شبكات تهريب البشر وسرعة انتشار أخبار محاولات العبور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي عوامل أسهمت في تحويل محاولات فردية إلى موجة جماعية خلال فترة قصيرة.
كما أن تداول معلومات حول نقاط العبور والتوقيتات المناسبة، إلى جانب اعتقاد بعض المهاجرين بأن الوصول إلى سبتة قد يتيح لهم البقاء في إسبانيا أو الانتقال لاحقاً إلى دول أوروبية أخرى، أسهم في زيادة الإقبال على المخاطرة، رغم المخاطر الكبيرة التي كانت تنتظرهم.
وفي مواجهة هذا الوضع، تحركت السلطات الإسبانية على أكثر من مستوى، فعززت إجراءات الأمن، وتعاملت مع الحالات الإنسانية، ودعمت مراكز الاستقبال، ونسقت مع السلطات المغربية لاحتواء التدفق وإعادة أعداد كبيرة من العابرين.
وفي الوقت نفسه، فإن التعامل مع المهاجرين باعتبارهم مجرد تهديد أمني يتجاهل الجانب الأهم من المأساة: أن وراء كل محاولة عبور إنساناً دفعته ظروف قاسية إلى المخاطرة بحياته بحثاً عن الأمان وفرصةً لحياة أفضل.وهنا تكمن المسؤولية الحقيقية: ليس في تبرير الدخول غير النظامي، وإنما في فهم الأسباب التي تجعل الإنسان مستعداً للموت من أجل الوصول إلى أوروبا، ومعالجة جذور الأزمة إلى جانب حماية الحدود وإنقاذ الأرواح.
اليمين المتطرف يحوّل مأساة سبتة إلى معركة سياسية
كان أخطر ما رافق أزمة سبتة انتقالها سريعاً من أزمة إنسانية وأمنية إلى معركة سياسية يستثمر فيها اليمين المتطرف الأوروبي الخوف والقلق الشعبي. فبدلاً من التعامل مع المشهد باعتباره نتيجة معقدة لتداخل الفقر والبطالة واليأس وشبكات التهريب والمعلومات المضللة وغياب المسارات القانونية والآمنة للهجرة، سارعت أحزاب وشخصيات يمينية متشددة إلى استغلال صور الحشود الكبيرة عند الحدود وتقديمها باعتبارها دليلاً على ما تسميه «غزو أوروبا». وهنا لا يعود المهاجر إنساناً له قصته وظروفه، بل يتحول إلى صورة نمطية عن «الآخر» الذي يهدد الأمن والهوية والديموغرافيا الأوروبية، ولا سيما عندما يكون أفريقياً أو مسلماً. فاليمين المتطرف لا يكتفي بالمطالبة بضبط الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية، وهي قضايا مشروعة يمكن مناقشتها سياسياً وقانونياً، بل يدفع النقاش نحو ربط الهجرة بالإسلام والجريمة و«استبدال السكان»، وتحويل أزمة مؤقتة إلى تهديد دائم يستدعي الخوف من جماعات بشرية بأكملها.
وتكمن قوة هذه الدعاية في قدرتها على تحويل الصورة إلى أداة سياسية. فمشهد آلاف الأشخاص عند الحدود يمكن أن يصبح، في الخطاب المتطرف، أقوى من كل الحقائق والتفسيرات. وبدلاً من السؤال عن أسباب وصول هؤلاء إلى سبتة، ودور شبكات التهريب، ومسؤولية دول العبور، وغياب الطرق القانونية والآمنة، يقدم اليمين المتطرف إجابة سهلة: «المهاجرون هم المشكلة».
وبذلك تتحول المأساة الإنسانية إلى وقود انتخابي، ويصبح المهاجر كبش فداء لمخاوف اقتصادية واجتماعية وديموغرافية أوسع. فبدلاً من معالجة أسباب القلق داخل المجتمعات الأوروبية، يجري توجيه الغضب نحو «الآخر»، وتحويل الهجرة إلى معركة حول الهوية والدين ومستقبل المجتمعات الأوروبية.
ترامب يحوّل سبتة إلى ورقة انتخابية
ولم تتوقف عملية توظيف مأساة سبتة عند حدود اليمين الأوروبي، إذ سارع دونالد ترامب إلى استثمار مشاهد تدفق المهاجرين في تعزيز خطابه المتشدد تجاه الهجرة، محذراً الأميركيين من أن بلادهم قد تواجه مشهداً مشابهاً إذا وصل الديمقراطيون إلى الحكم. وهكذا تحولت صور المهاجرين، وبينهم أطفال وقاصرون، من مشاهد إنسانية قاسية إلى مادة في السجال الانتخابي الأميركي، فيما ربط ترامب ونائبه جيه دي فانس بين أزمة سبتة وسياسات الهجرة في الولايات المتحدة، وقدماها باعتبارها نموذجاً لما وصفاه بمخاطر «الهجرة الجماعية». ويكشف ذلك كيف تجاوزت أزمة سبتة حدودها الجغرافية، لتتحول إلى ورقة سياسية يستثمرها اليمين في أوروبا والولايات المتحدة لصناعة الخوف، وتعزيز خطاب التشدد، وتحويل معاناة المهاجرين إلى أداة انتخابية.
سبتة.. لا تجعلوا المأساة وقوداً لليمين المتطرف
ختاماً، لا تكشف أزمة سبتة فقط حجم المأساة التي يمكن أن تنتجها الهجرة غير النظامية، بل تكشف أيضاً أزمة أعمق في طريقة تعامل أوروبا مع حدودها الجنوبية. فقد وجدت إسبانيا نفسها في الواجهة، مطالبةً في الوقت نفسه بحماية حدود الاتحاد الأوروبي، وإنقاذ الأرواح، والتعامل مع آلاف القاصرين والمهاجرين، واحتواء تدفق استثنائي يفوق قدرة مدينة صغيرة على الاستيعاب. ومع ذلك، بدلاً من أن تحصل على تضامن أوروبي يتناسب مع حجم المسؤولية التي تتحملها، وجدت نفسها هدفاً للاتهامات والضغوط، فيما وجد اليمين المتطرف في المأساة فرصةً جديدة لنشر خطاب «الغزو» والكراهية.
لكن سبتة ليست غزواً، والمهاجرون ليسوا جيشاً، وإسبانيا ليست الدولة التي صنعت أزمة الهجرة وحدها. وراء كل شخص خاطر بحياته في البحر قصة فقر أو يأس أو خوف أو بحث عن فرصة، ووراء كل موجة عبور شبكة معقدة من العوامل لا يمكن اختزالها في شعار انتخابي أو صورة لحشود عند الحدود. لذلك، فإن الرد الأوروبي المسؤول لا يكون بمعاقبة مدريد أو تحويل المهاجرين إلى كبش فداء، بل بتقاسم المسؤولية ومعالجة جذور الأزمة.
