الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وسبعة عشر - ٠٢ أغسطس ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وسبعة عشر - ٠٢ أغسطس ٢٠٢٦ - الصفحة ۱

بين الدموع والشمس...

د. عباس خامه یار
باحث وأكاديمي إيراني

أحسبُ أنّني منذ الخطوة الأولى التي وضعتُها في هذا الطريق، لم أعد مجرّد مسافرٍ في دربٍ من الدروب؛ بل بدا لي وكأنّ الطريق نفسه هو الذي أخذني معه. وكلّما مضيتُ إلى الأمام، تقلّصت المسافة بيني وبين الدنيا، وازداد اقترابي من السماء. هنا، لا يكون أربعينیة الإمام الحسین(ع)، مجرّد مراسم أو مناسبة، بل هو نبضٌ واحدٌ تخفق به ملايين القلوب، وقد جاءت من أقاصي الأرض لتلتقي عند قبلةٍ واحدةٍ من الحبّ.في هذا الطريق، اكتست الأرضُ بعبير السماء. وتحوّل الدرب، تحت خُطا ملايين الزائرين، إلى نهرٍ متدفقٍ بالإيمان والمحبّة؛ نهرٍ يجري من أعماق القرى والمدن، ويعبر الجبال والسهول، حتى ينتهي به المطاف إلى بحر كربلاء الذي لا ساحل له. وأنا أيضاً لستُ سوى قطرةٍ صغيرةٍ في هذا المحيط اللامتناهي؛ قطرةٍ لا يحملها إلّا الشوق إلى الوصول.هواء هذا الطريق ممزوجٌ بعبق التراب الذي غسلته الأمطار، وبرائحة الخبز الطازج الخارج من التنور، وبطيبة أناسٍ يبذلون كلّ ما يملكون، عن طيب نفس، في خدمة زائري الإمام الحسين(ع).
أرى أطفالاً يحملون بأيديهم الصغيرة أكواب الماء، يقدّمونها للزائرين بإلحاحٍ يفيض محبّة، كأنّهم يقدّمون أثمن الجواهر. وأرى نساءً مسنّاتٍ، احدودبت ظهورهنّ؛ لكنّ قلوبهنّ مازالت عامرةً بالعطاء، يبسطْن موائدَ المحبّة. وأرى شباباً يكنسون غبار الطريق، لئلّا تزيد ذرّةُ ترابٍ واحدةٌ من عناء أقدام الزائرين.
هنا تختلف اللغات؛ لكنّ الجميع ينطقون كلمةً واحدة: «الحسين».
في هذا الطريق، تتلاشى الحدود وتفقد معناها. العربي والعجمي، والتركي والفارسي، والأفغاني والإفريقي، والمسلم، بل وحتى القادمون من أديانٍ أخرى، يسيرون كتفاً إلى كتف. لا أحد هنا غريب؛ فالجميع أفرادُ أسرةٍ واحدة، جمعتهم محبّة سيّد الشهداء، وأجلستهم حول مائدةٍ واحدة.
هذا العام، أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى، أشعرُ بعطرِ الصمود يتسلّل بين خُطا الزائرين. وكأنّ الأربعين لم يَعُد مجرّد استذكارٍ لملحمة عاشوراء، بل غدا تجلّياً جديداً لروح المقاومة في زماننا.في نظرات الزائرين، وفي الرايات التي يحملونها على أكتافهم، وفي الأدعية التي تهمس بها شفاههم، وفي تلك الإرادة التي تُنسيهم مشقّة الطريق وتُهوِّن عليهم عناء المسير، أرى حقيقةً لا يرقى إليها شكّ؛ وهي أنّ مدرسة الإمام الحسين(ع) ما تزال، وستبقى، مصدرَ إلهامٍ لكلّ الأحرار في العالم، مدرسةً تدعو الإنسان إلى الثبات في مواجهة الظلم، والدفاع عن الكرامة، والوفاء للحقيقة.ومع كلِّ خطوةٍ أخطوها، يخال إليَّ أنني أسمعُ صوتَ التاريخ. أسمعُ نداء: «هَلْ مِنْ ناصرٍ يَنصُرُني»، وأسمعُ صدى صبرِ زينب الكبرى(س)، وأسمعُ بكاءَ أطفالِ الخيام، وفي الوقت نفسه أسمعُ ضحكاتِ الأطفال الذين يركضون اليوم في طريق الأربعين، فيُحيون الأمل في القلوب المتعبة.هنا يلتقي الماضي بالحاضر، وتخرج عاشوراء من صفحات التاريخ لتعود حيّةً نابضةً في واقع الناس، وفي تفاصيل حياتهم.
وأنا أتأمّل هذه المشاهد المهيبة، أكاد أسمع صوتَ أوّلِ راويةٍ لعاشوراء يتردّد في أعماق روحي؛ صوتَ السيّدة زينب الكبرى(س)، التي وقفت وسط ذلك الركام من المصائب والدماء، وقالت بعينٍ لم ترَ إلّا وجهَ الله: «ما رأيتُ إلّا جميلا».واليوم، يبدو الأربعين امتداداً حيّاً لتلك الرؤية الزينبية؛ جمالَ الإيمان الذي لم تُطفئه القرون، وما زال يجري في خُطا عشّاق الحسين(ع)، وفي دموعهم، وصبرهم، ويقينهم.هذا العام، اكتسى الأربعين أكثر من أيّ وقتٍ مضى بلون المقاومة، وحمل ملامح أوّل زائرٍ في هذا الدرب... شهيدِ إيران العظیم .وعلى امتداد الطريق، تكشف الرايات، والصور، واللافتات، والكلمات التي يحملها الزائرون، أن عاشوراء ليست بالنسبة إليهم حادثةً تاريخيةً مضت، بل مدرسةٌ حيّةٌ تستلهم منها الأجيال معنى الصمود في وجه الظلم، والدفاع عن كرامة الإنسان، والثبات على المبادئ.وفي خضمِّ هذا السيل المتدفّق من العاشقين، أشعر أكثر من أيّ وقتٍ مضى أنّ كربلاء ليست ماضياً انقضى، بل حقيقةٌ حيّةٌ تنبض في قلوب الملايين.وكأنّ ملايين الخطوات لا تتجه إلى كربلاء وحدها؛ بل إنّ كلّ خطوةٍ هي تجديدٌ للعهد مع قيم الحرّية، والعزّة، ومقارعة الظلم؛ تلك الرسالة التي انطلقت من عاشوراء، ومازالت حيّةً نابضةً في قلوب عشّاق الإمام الحسين(ع).هنا، لا يكون الأربعين مجرّد استذكارٍ للماضي، بل هو روايةٌ حيّةٌ لاستمرار طريق الحقّ في زماننا.يقولون إنّ الأربعين هو أكبر تجمّعٍ سلميٍّ في العالم؛ غير أنّ حقيقة هذا الاجتماع لا يمكن أن تختزلها الأرقام والإحصاءات.إنّ حقيقة الأربعين تُدرك في حرارة أيدي المضيفين، وفي الدموع التي تنهمر من غير إرادةٍ من عيون الزائرين، وفي لذّة التعب الذي يرافق الخطوات، وفي ذلك النور الذي يشعّ من القبّة الذهبية للمرقد الشريف، فيغمر القلوب قبل الأبصار.وحين ألمح من بعيد القبّة المشرقة، والراية الخفّاقة التي تعلو الحرم الشريف، تضعف ركبتاي، ويشتدّ خفقان قلبي، وتنحدر دموعي على خدّي من غير اختيار.هناك... لم تعد الأرض أرضاً، بل السماء هي التي هبطت إلى التراب.أضع جبهتي على عتبة الحبيب، وأهمس بكلّ ما في روحي: «يا ليتنا كنّا معكم، فنفوز فوزاً عظيماً».وفي تلك اللحظة، أجدّد مع نفسي عهداً جديداً؛ عهداً ألّا ينتهي هذا الطريق عند كربلاء، بل يمتدّ إلى آخر العمر، في فكري، وفي قولي، وفي عملي، وفي كلّ تفاصيل حياتي.نعم.. لقد جئتُ إلى كربلاء؛ لكنّني أعلم أن الغاية الأخيرة لهذه الرحلة ليست الوصول إلى مرقد الإمام الحسين(ع) فحسب؛ بل أن أصنع الإنسان الذي يحمل نهج الحسين في كلّ زمانٍ ومكان، ويواصل طريقه حيثما كان.
فالأربعين رحلةٌ إلى كربلاء...
لكنّ وجهتها السماء.

البحث
الأرشيف التاريخي