الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وستة عشر - ٠١ أغسطس ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وستة عشر - ٠١ أغسطس ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

النجل الأكبر للشهيد السيّد حسن نصر الله، في حوار مع khamenei.ir:

السيّد أتقن كيف يروي قلب الإنسان وروحه وفكره (1 / 2)

كان الموعد المسبق لإجراء هذه المقابلة قد تمّ الاتفاق عليه منذ فترة طويلة وبعد استشهاد السيد حسن نصر الله(قدّس سرّه)؛ لكن سياق الأحداث والتصعيد الكبير في لبنان، ومن ثم حرب الـ12 يوماً والحرب المفروضة الثالثة، لم تتيح هذه الفرصة. وفي النهاية، وفّرت زيارة السيّد جواد نصر الله إلى إيران للمشاركة في تشييع قائد الثورة الشهيد سماحة آية الله العظمى الإمام السيّد علي الخامنئي(قدّس الله نفسه الزكيّة)، الفرصة لنجلس ونستمع إلى حديث النجل الأكبر للسيد حسن نصر الله (رض). يتضمّن هذا الحوار تفاصيل وملاحظات غير مرويّة عن الحياة الشخصية والعائلية للشهيد نصر الله؛ إضافة إلى ذلك، العلاقات بينه وبين الإمام الشهيد. وهي علاقات وتفاعلات كانت مفعمة بالنورانية والمعنوية والمحبّة والمودّة المتبادلة. وفي جانب آخر من الحوار، شرح السيد جواد نصر الله الوضع الحالي للمقاومة الإسلامية في لبنان وحزب الله الشامخ.

السيد جواد نصر الله! ما هو ترتيبكم بين أفراد العائلة؟
أنا الابن الثاني في العائلة، بعد الشهيد السيد هادي؛ وبعدي أختي زينب، ثم محمد علي، وبعده السيد محمد مهدي.
في أي عام وُلدت؟
24 مايو 1981م؛ أي منذ حوالي 45 عاماً.
ما هي أول صورة لوالدك مطبوعة
في ذهنك؟
أتذكر قبل أن أذهب إلى المدرسة، كنت ألقي نظرة على غرفة نومه وأراه نائماً وواضعاً يده تحت وجهه. والمثير للاهتمام أنه منذ عدة سنوات، أي قبل شهادته، سألت أمّي عمّا إذا كانت ذاكرتي ضعيفة أم أنني حقاً لم أكن أتواجد بجانب أبي لكثير من الأيام في فترة طفولتي وشبابي؛ فقالت لي أمّي إنه حقاً لم يكن في البيت معظم الأوقات. ولهذا السبب، كنت أطلّ عليه في غرفته صباحاً قبل الذهاب للمدرسة. كان دائماً في القرى والمخيمات ومراكز العمل والتبليغ؛ وإذا عاد للمنزل، كان يعود متأخراً. كنّا نذهب للمدرسة صباحاً وهو ما يزال نائماً، ثم يستيقظ مبكراً ويخرج لمتابعة برنامجه اليومي؛ بالطبع، كان يعوّضنا أحياناً عن هذا الغياب في طفولتنا؛ مثلاً عندما كان لديه عمل خارج المكتب، كان يأخذنا معه. وكنت أقول له: «إذا كان عملك من هذا النوع، فأكثر منه»! وأحياناً كنّا نذهب إلى ارتفاعات بعلبك؛ حيث كان مشهوراً أنه والأخوة كانوا يجلسون هناك ويقيمون الاجتماعات في الهواء الطلق.
كيف كانت العلاقة بين والدك ووالدتك في المنزل؟ وما هو الدور الذي لعبته والدتك في الحياة العائلية؟
يمكنني القول إن علاقة أبي «السيّد» مع أمّي «أمّ هادي» كانت نموذجاً للاحترام والمحبة والأدب. وإذا أردت اختصارها في جملة واحدة، فقد كانت حياتهما المشتركة أنموذجاً إسلامياً وعلوياً وفاطمياً. لم نسمع منهما يوماً صوتاً مرتفعاً، ولم نرهما قط في خلاف أو شجار أو حتى كلمة أو إشارة تُشم منها رائحة العتب؛ بل كان العكس تماماً. في كل حياتنا لم نسمع أبي ينادي أمّي إلّا بألفاظ «حاجة» أو «حاجة أمّ هادي»؛ لم ينادها باسمها المجرد ولا حتى مرة واحدة، وكان يلقّبها دائماً بكنيتها.
منذ متى وفي أي عمر أدركت أن حياة والدك ليست مثل الحياة العادية للآخرين، وأنه شخصية جهادية؟ من الطبيعي أن هذا المنصب كان يؤثر على حياتكم الشخصية والعائلية وأنتم كأبناء لهذه العائلة تأثرتم بمنصب والدكم. الآخرون قد يعيشون حياة عادية بجانب آبائهم وأمّهاتهم؛ لكنكم منذ البداية نشأتم في أجواء حياة جهادية. متى فهمتم هذا وما هو الأثر الذي تركه عليكم؟
هذا الموضوع اتضح لنا تدريجياً منذ الطفولة؛ أعتقد من سن السابعة تقريباً وما بعد، حتى قبل الفترة التي قضيناها في بعلبك. نحن انتقلنا للعيش في بيروت عام 1986، أولاً في منطقة الأوزاعي ثم في بئر العبد؛ قبل ذلك، كنّا صغاراً جداً ولم نبلغ حتى سن المراهقة. ومع ذلك، كنّا نفهم من التحذيرات والإجراءات الأمنية أن هناك خطراً. كانوا يقولون لنا لا تفتحوا الباب لأحد، وإذا طرق أحدهم الباب اسألوا مَن خلف الباب مَن يكون. أحياناً كان يأتي أشخاص يُعرفون بالعداء ويسألون عن السيّد، هل هو في المنزل أم لا؟ كنّا نذهب للمدرسة مع مرافقة ونعود مع مرافقة. كانوا يشرحون لنا وكنّا نسأل لماذا لا نذهب كبقية الأطفال بحافلة المدرسة؛ فكانوا يقولون يجب أن تكونوا أمام أعيننا لأن الخطر جدي. في الثمانينيات والتسعينيات، شهد لبنان أحداثاً كثيرة ولم يكن الخطر من الكيان الصهيوني فقط، بل كانت هناك مجموعات مختلفة تريد ضرب القوى الإسلامية. في ذلك الوقت، وكما سمعت من بعض الإخوة ــ الذين استشهد عدد منهم لاحقاً ــ كانوا يطلقون على هذا التيار اسم «الخمينيين»؛ أي نفس التيار الديني الذي كان يقوده الشهيد السيّد عباس الموسوي(قدّس سرّه) في لبنان. بناءً على ذلك، كنّا نعلم منذ الطفولة أن حياتنا ليست عادية. السيّد لم يكن في المنزل معظم الأوقات، وكانت أمّي تشرح لنا أنه ذهب للتبليغ، أو في العمل، أو في المقرات وما شابه ذلك. وعندما كان يأتي إلى البيت، كنّا نفهم من طبيعة الأشخاص الذين يأتون لزيارته نوع المسؤولية التي يحملها؛ بعضهم اليوم أعضاء في الشورى، وبعضهم استشهد، وبعضهم مازال فاعلاً في الساحة السياسية والجهادية، وبعضهم رحل عن الدنيا. أقسم بالله أنني لا أتذكّر أننا تذمّرنا يوماً وقلنا لماذا لا نخرج أو لماذا لا تجتمع العائلة دائماً؛ بالطبع، كلما كبرنا في السن، قلّ حضور السيّد في البيت بسبب تراكم وثقل مسؤولياته؛ لكن في الوقت نفسه كان فهمنا ووعينا يزداد ونستوعب الظروف بشكل أفضل. لم تكن نظرتنا «لماذا لا نخرج معه»؛ بل كنّا فقط ندعو الله أن يحفظ له صحته وعافيته وتوفيقه ويطيل في عمره؛ وكان هذا بالنسبة لنا هو الجنّة. سبحان الله! الله تعالى يعوّض الإنسان بنفسه ويشغل ذهنه بأمور أخرى. وكان هذا مساعدة للسيّد ليستمر في طريقه بتركيز كامل دون أن يعيقه شيء من طرف العائلة أو يشغل ذهنه وخاطره.
بالنظر إلى طبيعة عمل والدك، كان من الطبيعي أن يقضي وقتاً أقل في البيت. عندما كان بجانبكم، كيف كان يعوّض هذا النقص في الحضور من الناحية العاطفية والتربوية؟
أولاً، كنّا نعيش حياتنا مثل بقية الأطفال؛ نذهب للمدرسة، نزور الأقارب، ولدينا تسليتنا وأعمالنا الخاصة؛ بطبيعة الحال، كانت هناك أوقات يتواجد فيها السيّد في البيت. أتذكر أن الفاصل بين التحرير عام 2000 وقبل حرب 2006 كان الفترة الذهبية لحياتنا العائلية؛ كنّا نعلم أنه في البيت، نأتي ونتناول الطعام معاً ونقضي بعض الوقت سوياً. حتى عندما كانت تبعد المسافات بين اللقاءات ــ خاصة بعد عام 2006 حيث بدأت فترة البُعد والشوق للسيّد ــ كان ذلك الوقت القصير الذي تجلس فيه بجانبه يزيد من الشوق؛ لأننا نعلم أنه سيغادر ولا ندري متى سيكون اللقاء القادم. كنّا نعدّ مسبقاً الأسئلة والمواضيع التي نحب أن نعرف رأيه فيها؛ بالطبع، كنّا نتجنب الدخول في النقاشات السياسية قدر الإمكان، لأننا لم نكن نحب أن يُصرف وقت البيت في نفس المسائل السياسية والعملية التي كانت تأخذ كل وقته تقريباً. أعتقد أنه حتى تلك اللقاءات القصيرة بعد عام 2006 كانت كافية؛ لأنه كان يتقن كيف يروي قلب الإنسان وروحه وفكره في ذلك الوقت المحدود.
ما هي أهم ميزة له كأب، وليس كقائد؟
كان السيّد عطوفاً جداً، وكان يمتلك شخصية استثنائية في كل شيء. كان يعرف كيف يتصرف مع الكبير والصغير ومع كل سن، دون أن يجرح أحداً. كان يقول أحبكم جميعاً؛ لكنني أتعامل مع كل واحد منكم بما يناسب سنّه وميزاته. كان يعرف روحية وتفكير وأخلاق كل واحد منّا. في المسائل التي ينطوي عليها مكروه أو حرام لم يكن يجامل؛ لكنه كان يمزح أيضاً ويحافظ على حدوده. كان محبوباً، معلّماً، ويفيض بالمحبة. كنّا نحن الأبناء نتسابق لجلب أي شيء قد يحتاجه؛ ومع ذلك، كان يعلّمنا أن يقوم بأعماله الشخصية بنفسه. لذلك لا أستطيع حقاً فصل ميزة واحدة وترك البقية؛ فكل وجوده كان جميلاً.
على ماذا كان يركّز أكثر في تربيتكم؟
كان والدي يتقدم معنا خطوة بخطوة بما يناسب أعمارنا؛ بالطبع، الأكاديمية والأساس التربوي في البيت كان يعود لحياتنا اليومية مع أمّي، وكان السيّد نفسه يقرّ بهذا الموضوع دائماً. حتى عندما سُئل عن الشهيد السيّد هادي ــ الذي للأسف يُذكر بشكل أقلّ ــ قال والدي: إن «أصل تربية وتنشئة هادي يعود لأمّه». وفي مجموعة تُسمى «روح الأمين» أشار أيضاً إلى أن العديد من ميزاته كانت بالتأكيد نتيجة تربية الأمّ؛ لكن السيّد أيضاً، وبما يناسب أعمارنا، كان يصنع لنا دروساً من الأحداث اليومية التي تقع في جلسة أو في الحياة العادية. الآن وأنت تسألني، أول الأشياء التي تخطر في ذهني هي: أذية الناس ممنوعة؛ التعرض للناس ممنوع؛ الغيبة ممنوعة؛ التعدي على حقوق الناس ممنوع؛ والمداراة مع الناس واجبة. لاحقاً، عندما نضجنا أكثر، كان يختصر كل هذا في أصل واحد: عش حياتك بحيث تعلم أن الله تعالى في كل اللحظات والحركات والسكنات، في كل حال وأينما كنت ومع أي شخص، يراك؛ لا تظن ولو للحظة أن الله غافل عنك؛ فاحذر كلامك ونظرتك وتصرفك.
وفي الوقت نفسه، لم يكن يرى الدين صعباً ومعقداً؛ كان يقول إن الوصول لرضى الله ليس عسيراً. جماليته أنه كان يُعلّم دون كتاب وسبورة، وكان يُعلّم بسلوكه. حلمه، صبره، أدبه في الاعتراض أو رفض تصرف ما، والأسلوب الذي كان يوضح به الحرام والحلال والمكروه والصح والخطأ، كلها كانت دروساً لنا؛ بالطبع عندما كان الأمر يتطلب، كان يغضب. المؤمن إذا لم يغضب أمام الخطأ والحرام والذنب، فهناك خلل ما. وكان هو نفسه يقول هذا ويمازحنا نحن السادة أحياناً ويقول: «إذا لم يكن السيّد حاد المزاج قليلاً، فيجب التحقيق في أمره»! عندما كان السيّد يمشي كان مدرسة، وعندما يجلس كان مدرسة. قد لا تكون أنت المخاطب بكلامه، بل مجرد جالس بجانبه وتسمعه يحل مسألة عبر الهاتف؛ هناك كنت ترى كيف يتعاطى مع المشكلة. البعض عندما يسمعون أن فلاناً أخطأ، أول فكرة لديهم هي كيف يعاقبونه؛ أمّا هو، فبالعكس، كان يقول وظيفتي هي أن أرى كيف أستطيع إبعاد الناس عن الطريق الذي يؤدي إلى جهنم؛ وإلا فإن أسهل عمل هو أنه عندما يصل أحد لا قدر الله إلى شفا جرف جهنم ويسقط، أن تدفعه دفعة وتريح نفسك. كان السيّد يقول هذه ليست وظيفتنا؛ وظيفتنا هي نفس وظيفة الأنبياء، النبي الأكرم(ص) والأئمة الأطهار(ع): «الحلم والرحمة واللطف والكرم مع عباد الله». هذه الميزة في السنوات الأخيرة من عمره أصبحت بارزة ومتعالية في وجوده بشكل مذهل.
مع التوضيحات التي قدّمتها، يبدو أن هذه الميزات كانت أحد أسباب محبويته الهائلة.
هذه المحبوبية وذاك التشييع العجيب ــ رغم كل الضغوط ــ كان صنع الله تعالى. عندما يسلم الإنسان روحه وقلبه لله، يضع الله نفسه، محبته ومقبوليته في قلوب الناس؛ كما رأينا بالنسبة للإمام الخميني والإمام الخامنئي(قدّس سرّهما). لقد أخلصوا لله وحتى أفنوا أنفسهم في سبيل الله؛ لم يذوبوا فقط، بل قدّموا كل وجودهم لله، والله تعالى وضع محبتهم في قلوب عباده. هناك رواية بهذا المعنى أنه إذا أحب الله عبداً، ألقى محبته في قلوب الناس. الله يحب العباد الصالحين وهؤلاء الأعاظم كانوا من العباد الصالحين ومن أعمدة دينه.
عندما استشهد أخوك، حدث أمر كبير داخل وخارج لبنان. كثيرون لم يصدقوا أن ابن الأمين العام لحزب الله يقاتل في الخط الأمامي ويستشهد. محبة الأب والأمّ للولد لها مكانة خاصة أيضاً. حدّثنا عن ذكريات علاقة والدك بالشهيد السيد هادي وكيفية مواجهته لشهاداته؛ خصوصاً إذا كانت هناك نقطة لم تُذكر من قبل.
قد يكون قال كلاماً خاصاً؛ لكنني لا أتذكره الآن. واقعاً لم يمنّ يوماً على الله ولا على الناس لأنه قدّم ابنه. ومع ذلك، كانت هناك نقاط تبدو صغيرة في الظاهر؛ لكنها تحمل معاني كبيرة. في قضية التبادل ورفض التفاوض حول هادي بمعزل عن بقية الشهداء والأسرى؛ ألمح إلى الشهداء الذين كانت أجسادهم في الأسرة. وبعد ذلك عندما عادت الأجساد ودُفن الشهيد هادي، وبعد سنوات دُفن الحاج عماد وتم تنظيم روضة الشهداء، لم يسمح مجدداً بأن يكون لقبر السيد هادي أي تمايز أو ميزة عن بقية الشهداء. كان يقول في مجلس العزاء: إن «ابني استشهد مثل البقية؛ إياكم أن يضع أحد شيئاً على قبره يميزه عن بقية الشهداء». حتى في هذه المسألة كان يراعي أمّهات وعوائل الشهداء الذين يأتون إلى هناك. لذلك، ومن شدة تواضع السيّد، بقي هادي منذ عام 1997 وحتى ما قبل شهادة والدي وحتى اليوم، مظلوماً وأقل معرفة ككثير من الشهداء.
كيف وصلكم خبر شهادة أخيك؟
القصة كانت مضحكة ومبكية في آن واحد! كان هادي يجهز البيت الذي كان من المقرر أن يعيش فيه بعد الزواج، ويستعد لبدء حياته المشتركة. قبل ذلك بقليل، كنّا قد جئنا جميعاً كعائلة مع السيّد إلى إيران؛ وهي الزيارة التي كانت تقريباً الزيارة العائلية الأخيرة والوحيدة لنا معه إلى إيران بعد خروجنا عام 1990.
في ذلك اليوم، أول شيء جعلني أفهم أن أمراً ما قد حدث، كان عندما وصلت إلى غرفة حرس مدخل حارتنا. جاءت إحدى جاراتنا الطيبات نحوي وقالت: ما اسمك؟ قلت: جواد. قال: يعني لست هادي؟ قلت: لا، لست هادي. قلت لصديقي الذي كان خلفي: خير إن شاء الله؛ ربما هادي أخي ضرب ابن أخيها مثلاً أو آذى أحداً! الله أعلم. بعد ذلك ذهبت باتجاه البيت. صمت الحرّاس وسؤال تلك المرأة جعلني أشعر تدريجياً أن شيئاً قد حدث. عندما وصلت، فتحت أختي زينب الباب ورأيت دموعها؛ هناك فهمت أن هناك خبراً.
عندما دخلت، تقدّم الحاج عماد(رحمه الله) وقال: تعال إلى الصالون. في منزلنا كان هناك قسم خاص بأبي؛ ذهبت إلى هناك. في البداية، ظننت أن أبي يشاهد التلفاز؛ ثم رأيت لا، الحاج عماد وعدّة أشخاص آخرين كانوا في الغرفة وكان أبي يجلس بمفرده في المكتبة. دخلت، قبلته وعزيته. بعد ذلك نادانا الحاج عماد وقال: تعالوا. ذهبنا ورأينا فيلمين يُعرضان بجهاز الفيديو على التلفاز لنرى أجساد الشهداء الملقاة على الأرض ونحدد أيهم هادي وأيهم علي كوثراني، حتى يتمكنوا من إعلان الخبر. أنت تقول إن البعض لم يكن يصدق، في حين أن جسد الشهيد السيّد هادي نفسه وقع في أسر العدو؛ أي إن الإسرائيليين أخذوا جثمانه من ميدان المعركة ونشروا صورته. ومع كل هذا، كان بعض الأراذل يريدون اتخاذ هذه المسألة ذريعة للطعن في السيّد؛ بينما لم تكن هذه مجرد مفخرة عادية، بل كانت شرفاً ووساماً إلهياً. ومع وجود هذا، دافع السيّد مرة واحدة فقط عن هادي بوجه التهم التي كانت تُكال حول مكان شهادته. على أي حال، حددنا الأجساد وعرفنا هادي من حواجبه المقرونة. الإسرائيليون احتفظوا بجثمانه في الثلاجة حتى وقت التبادل ولم يدفنوه في المقبرة.
السيد كان صبوراً ومحتسباً أمام المصائب. لم نره قط في حالة إفراط أو انهيار، إلا عندما سمع خبر وفاة الإمام الخميني(قدّس سرّه) ــ وأتذكر تلك اللحظة ــ أو مثلاً عندما كان يعزي عمّته. كان يملك قلباً رحيماً جداً. أتذكر بعد أن عزى عمّته هاتفياً ووضع السماعة، بكى في خلوته؛ لكنه بالنسبة لهادي وبقية الشهداء كان صلباً جداً وكان يتماسك أمام الناس، إلا طبعاً في عزاء أبا عبدالله الحسين(ع)، حيث كان يبكي.
عندما كان والدك في جمع العائلة، هل كان يتحدّث عن الشهادة؟ وهل كان موضوع الشهادة يُطرح بينكم أساساً؟
نحن لم نكن نستطيع تحمل الحديث عن شهادة السيّد حتى في خيالنا، فكيف بأن نتحدث عنها فيما بيننا؛ بالطبع هذا كان من الناحية العاطفية؛ وإلا فنحن كنّا نعيش في مسار الشهداء والمقاومة وكان السيّد دائماً عرضة للاغتيال، لدرجة أنهم في كثير من الأحيان كانوا يخرجوننا بعجلة من المنزل ويحتفظون بنا لعدة أيام أو لفترة قصيرة في بيوت غير معروفة؛ بالطبع هذا يرجع لفترة ما قبل التحرير؛ ومنذ الثمانينيات وما بعد، تكررت العمليات والمحاولات لاغتيال السيّد، إمّا كُشفت أو فشلت وخرج خبرها للإعلام. كما قلت، حتى في بعلبك كان هناك أشخاص يطرقون باب بيتنا وسيارت مشبوهة تقف قرب البيت وتراقب ذهاب وإياب السيّد. وفي التسعينيات أيضاً حاول الإسرائيليون اغتياله عدة مرات. بناءً عليه، كانت الشهادة خطراً يهدده كل يوم. مثلاً يوم انفجار مرفأ بيروت، كنت في البيت وفجأة رأيت الأرض تهتز في الضاحية، كل شيء اهتز، وغطى الدخان السماء، حتى إن الناس في الجنوب شعروا بالهزة. نزلت من البيت وكنت أرى الدخان؛ لكن من شدة الصدمة لم أستطع تحديد المسافة بدقة؛ كان الدخان عظيماً لدرجة تخال أنه ينبعث من خلف ثلاثة أبنية مجاورة. كنت أمشي في الشارع وقلبي ينبض بسرعة؛ كنت أظن أنهم استهدفوا السيّد. بعد قليل قالوا إن الانفجار في المرفأ. هناك هدأت روحي قليلاً ورجعت لنرى ماذا حدث. الخلاصة، اطمأن قلبي أن الهجوم لم يكن يستهدف السيّد. طبيعياً كان هناك دائماً قلق وهواجس حول حياة وسلامة السيّد؛ لكن في النهاية كنّا مؤمنين ونسلم الأمر لله تعالى. وأي شيء يفعله الإنسان، فالحافظ الحقيقي هو الله. حتى الحاج نبيل (مسؤول حماية السيّد) كان يقول لي: لا تظن أنني أفعل شيئاً؛ أنا أقوم بواجبي، لكن الذي يحفظه هو الله. لهذا السبب، لم يتحول هذا القلق إلى قضية يومية تعطّل حياتنا وعملنا.
قبل شهادته، متى كانت آخر مرّة رأيت فيها والدك؟
حدود ثلاثة أشهر قبل شهادته، وتقريباً بعد شهر من وفاة جدتي؛ جدتي توفيت في 25 مايو 2024.
هل كان لقاءً قصيراً؟
عندما جاء لرؤية جدتي، كان لقاءً قصيراً؛ قرأ لها سورة يس ودعا لها. بعد ذلك بحوالي شهر، جلسنا حوالي ساعة ونصف مع عمّاتي وأعمامي؛ بالطبع مع كل واحد على حدة، لأن الظروف الأمنية لم تكن تسمح باجتماع الجميع في مكان واحد. كانت هذه آخر مرة رأيته فيها عن قرب؛ بالطبع كنت على تواصل معه عبر الهاتف وكنت أقول له أريد أن أراك واشتقت إليك؛ لكن القدر كان شيئاً آخر.
بعد ذلك اللقاء الحضوري، هل حدث شيء آخر؟ هل تتذكّر آخر تواصل قبل الشهادة؟
قبل ثمانية أيام من شهادته تحدثت معه. اتصلت يوم السبت؛ لكنه كان مشغولاً. عادة كان وقت اتصالنا بعد صلاة الفجر، وفي ذلك اليوم بعد صلاة الفجر كان عمله مكتظاً أيضاً. تحدثت مع الحاج نبيل والشهيد إبراهيم جزيني. لا أتذكر أنني تحدثت معه الأحد؛ أستبعد ذلك. ومنذ الاثنين، بدأت الأحداث تتردد، واستشهد هو يوم الجمعة.
متى عرفت بشكل قاطع أن والدك قد استشهد؟
لحظة الهجوم، اهتزت الضاحية بشدة. بعض أصدقائي عرضوا عليّ لاحقاً فيديوهات من داخل مكان عملهم في أطراف الضاحية تظهر كيف اهتز كل شيء. المكان الذي كنّا فيه اهتز أيضاً؛ شبيه باللحظة التي قصفوا فيها مجمع الإمام الحسن(ع) عام 2006. في تلك اللحظة استيقظت من النوم، وكنت أرى حلماً مشوشاً وكابوساً. بعد عدة ساعات، أعلن الإسرائيليون أنهم استهدفوا فلاناً. كنّا بين التصديق وعدم التصديق. جاء الشباب وقالوا: حالياً لا يوجد أي خبر وإن شاء الله خير. لم يكن هناك شيء معلوم ولم نكن نعرف شيئاً واقعاً.
في الحقيقة ربما لا أستطيع لومهم؛ لا أحد يملك القدرة على إيصال مثل هذا الخبر لغيره، فكيف بعائلة السيّد. يوم السبت، عندما نشر حزب الله البيان، تأكدنا. حتى إن البعض كان يبحث عنّي عبر الموبايل ليصلوا إليّ قبل الإعلان التلفزيوني ويوصلوا لي الخبر ويعرفوا أين أنا. هذه لحظات لا أحب تذكّرها ولا الحديث عنها.
هل حدث وأن كان لكم لقاء عائلي مع القائد الشهيد؟
لا، لم نتشرّف قط كعائلة كاملة باللقاء مع سماحته؛ لا قبل شهادة السيّد ولا بعد ذلك. والدي كان كثير الحياء ولم يكن يحب أن يكون ثقيلاً على أحد أو يزعج أحداً. كانوا يقولون له دائماً تعال أنت واجلب العائلة والأبناء؛ لكنه لم يكن يقبل. حتى بعد شهادته لم يتيسر أن نلتقي بالإمام الشهيد كعائلة كاملة؛ كانت هناك ظروف لم نكن نعرف تفاصيلها.
متى كانت أوّل مرّة تعرّفت فيها على القائد الشهيد؟
أول مرة كانت عندما جئنا إلى إيران لتشييع الإمام الخميني(قدّس سرّه). كنت في الثامنة من عمري وذهبنا إلى مصلى طهران. في ذلك اليوم، الشخص الذي كان يلقي الخطبة كان الإمام الخامنئي(قدّس الله نفسه الزكيّة). كنت أجلس في مكان لا أرى منه المنبر جيداً؛ ولهذا السبب تسللت إلى جهة أستطيع منها رؤيته، وكنت أنظر إليه خلسة كل بضع لحظات.
أحياناً في هذه السنوات ــ مثلاً بعد تشييع القائد الشهيد ــ كنت أفكّر مع نفسي كيف نبتت محبة القائد في قلوبنا. والدي كان له دور كبير؛ لكن الأصل كان صنع الله. قبل تلك اللقاءات، كيف يحب المرء شخصاً بهذا الشكل؟ أو كيف يحب الإمام الخميني وهو لم يره أصلاً؟ هذا يظهر أن هذه المحبة هي صنع الله. على حد ما أتذكر، أول لقاء مباشر لي مع الإمام الشهيد كان عام 1999. والدي عادة لم يكن يأخذنا معه للقاء سماحته. كان يفصل المسائل الشخصية والعملية بجدية تامة ولم يكن يحب إطلاقاً أن يختلط الاثنان أو أن يقع أحد في إحراج بسببه. في ذلك الوقت كنت في إيران، وعندما جاء والدي، أرسل في طلبي وقال: أريد أن آخذك إلى مكان جميل جداً؛ لدينا موعد مهم. من كلامه فهمت أنه يقصد لقاء الإمام الخامنئي. قال: غداً في الساعة الفلانية لا تضع أي عمل لنفسك، أريدك أن تكون معي. عندما دخلنا مجمع قائد الثورة، تأكدت أننا سنرى سماحته. دخل والدي ومرافقوه إلى الجلسة. 
أمام القاعة، كانت هناك حديقة صغيرة فرشوا فيها السجاد للصلاة. خرج السيد قبل الإمام الشهيد وكان ينبه بدقة كل الحرّاس الذين كانوا معه ــ بعضهم استشهد في حرب 2024 ــ ألّا تضغطوا على الإمام الخامنئي، لا تتصرفوا بقسوة، صافحوا باليد اليسرى ولا تمسكوا بيده اليمنى؛ بل كان يقول لا تطلبوا شيئاً ولا تتحدثوا بكلام زائد؛ لكنني لم أعمل بفقرة «لا تطلبوا شيئاً»! ولهذا قلت للسيّد أختري: إنني أريد خاتماً من السيّد القائد. كنت أعرف السيد أختري منذ طفولتي؛ كنت أراه في السفارة، وكان يتردد على منزلنا وكانت له علاقة ممتازة مع والدي ويحبه كثيراً. في تلك اللحظة نفسها، أرسل لي السيّد القائد خاتماً.

يُتبع...

البحث
الأرشيف التاريخي