الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وستة عشر - ٠١ أغسطس ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وستة عشر - ٠١ أغسطس ٢٠٢٦ - الصفحة ۳

الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية لأزمة الملاحة في جنوب البحر الأحمر

لماذا تخشى القوى الاقتصادية الكبرى إغلاق مضيق باب المندب؟

الوفاق / لا يزال الإقتصاد العالمي يئن تحت وطأة الأزمات الجيوسياسية المترتبة على اضطرابات مضيق هرمز، ليجد نفسه اليوم أمام هاجس جديد اسمه «اضطراب الملاحة في مضيق باب المندب»؛ ذلك المعبر الحيوي الذي لا يخفى دوره على أحد في نقل الطاقة والتجارة الدولية، وحيث يمكن لأي اضطراب أمني فيه أن يرسل موجات ارتدادية تطال أسواق النفط وصولاً إلى أسعار السلع الاستهلاكية في شتى أنحاء العالم.
إن تحذيرات وزير الخارجية الروسي «سيرغي لافروف» بشأن تداعيات إغلاق مضيق باب المندب، أعادت لفت أنظار الاقتصاد العالمي مجدداً نحو واحد من أهم مسارات نقل الطاقة والتجارة؛ وهو ممر مائي لا يعدو كونه جغرافياً سوى مضيق ضيق يصل البحر الأحمر بخلیج عدن، إلا أن محوريته في الاقتصاد الدولي بلغ من الأهمية حداً تجعل أي تعثر فيه سبباً في إطلاق سلسلة متتابعة من الآثار الاقتصادية الهيكلية. وتأتي أهمية هذه التصريحات من كون مسألة باب المندب لم تعد مجرد شأن يتصل بالملاحة البحرية اليومية، بل تحولت إلى أحد أبرز المتغيرات الحاكمة والاستراتيجية المؤثرة في الاستقرار الإقتصادي العالمي.
لقد أثبت الإقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة هشاشته البالغة أمام أي اضطراب يطال شرايين التجارة الحيوية. وكانت جائحة كورونا، وحرب أوكرانيا، واختناقات سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الشحن، أمثلة حيّة أظهرت كيف يمكن لحدث محلي في جغرافيا محددة أن يلقي بظلاله الثقيلة على الأسعار والإنتاج والنمو الاقتصادي للدول. وفي ظل هذه الظروف، ينبغي قراءة مخاوف القوى الاقتصادية الكبرى من إغلاق باب المندب؛ إذ يمثل هذا المضيق أحد أهم المعابر التي تجري عبرها تدفقات الطاقة والبضائع بين شرق العالم وغربه.
باب المندب.. شريان الطاقة والتجارة العالمية
يقع مضيق باب المندب عند نقطة التقاء البحر الأحمر بخليج عدن، ويوصف بأنه أحد أهم المسارات البحرية في العالم لنقل البضائع والطاقة. ويشكل هذا الممر، إلى جانب قناة السويس، الطريق الذي يختصر المسافات البحرية بين كبار المنتجين الآسيويين والأسواق الاستهلاكية في أوروبا. وتمر عبر هذا المسار حصة كبيرة من النفط، والمشتقات النفطية، والغاز الطبيعي المسال المتجه من منطقة الخليج الفارسي نحو الأسواق العالمية. وإلى جانب الطاقة، تعبر المضيق أحجام ضخمة من تجارة الحاويات العالمية؛ بدءاً من البضائع الصناعية والمواد الخام، وصولاً إلى المنتجات الاستهلاكية المتجهة إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية.
وتتضح الأهمية الاقتصادية الاستثنائية لهذا المضيق إذا ما قارناه بالبديل البحري الوحيد؛ وهو الدوران حول القارة الأفريقية عبر رأس الرجاء الصالح، مما يزيد مسافة وزمن الرحلة بدرجة كبيرة. وإن زيادة المسافة البحرية تعني بالضرورة زيادة استهلاك الوقود، وارتفاع أقساط التأمين، وزيادة أجور الطواقم، وفي نهاية المطاف، ارتفاع أسعار السلع التي تصل إلى يد المستهلك النهائي. ولهذا السبب، فإن مجرد التهديد بإنعدام الأمن في هذا المسار قادر على إرباك الأسواق قبل حدوث أي إغلاق فعلي؛ لأن شركات الشحن ومؤمني الملاحة والفاعلين الاقتصاديين يصيغون قراراتهم بناءً على المخاطر المحتملة.
الصدمة المحتملة لأسواق الطاقة
تعد المخاوف المتعلقة بأسواق الطاقة أحد أكثر الهواجس الاقتصادية إلحاقاً عند الحديث عن إغلاق باب المندب. فقد تأثرت سوق النفط العالمية خلال السنوات الأخيرة بشدة بالعوامل السياسية والأمنية؛ إذ يمكن لأي قلق بسيط بشأن تراجع الإمدادات أو صعوبة مسارات النقل أن يؤدي إلى قفزات فورية في الأسعار. ولا يقف ارتفاع أسعار النفط عند حدود غلاء الوقود فحسب، بل يمتد أثره ليتسرب إلى كافة القطاعات الاقتصادية؛ فتزداد تكاليف الشحن، وترتفع كلفة إنتاج السلع، ليواجه المستهلكون في النهاية أسعاراً مرتفعة. وبالنسبة للاقتصادات الكبرى المستوردة للطاقة مثل الصين، والهند، واليابان، والعديد من الدول الأوروبية، فإن قفزة أسعار النفط تشكل ضغطاً اقتصادياً هائلاً؛ نظراً لحاجة هذه الدول لتدفقات طاقة مستقرة للحفاظ على مستويات إنتاجها الصناعي ونشاطها الاقتصادي.
من جهة أخرى، يلقي ارتفاع أسعار الطاقة بظلاله على السياسات النقدية للبنوك المركزية الكبرى. وقد أظهرت تجارب السنوات الأخيرة أن غلاء الطاقة كان أحد المحركات الأساسية لموجة التضخم العالمي، مما اضطر البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لكبح جماح الأسعار. وبناءً عليه، فإن أي تعثر في باب المندب كفيل بإنتاج سلسلة تفاعلية اقتصادية؛ تبدأ من قفزة أسعار النفط، مروراً بزيادة تكاليف الإنتاج، وانتهاءً بتأجيج التضخم العام.
لماذا تتضاعف مخاوف واشنطن أكثر من غيرها؟
على الرغم من أن الولايات المتحدة تمكنت في السنوات الأخيرة -عبر زيادة إنتاجها الداخلي من النفط والغاز- من تقليل اعتمادها المباشر على واردات الطاقة من غرب آسيا، إلا أن ذلك لا يعني حصانتها من تداعيات اضطراب مسارات النقل الدولية. فالاقتصاد الأمريكي يظل جزءاً لا يتجزأ من منظومة الاقتصاد العالمي، وأي ارتفاع في أسعار الطاقة بالأسواق الدولية سينعكس عليه بشكل مباشر أو غير مباشر.
إن زيادة أسعار النفط ترفع تكاليف الإنتاج في مختلف القطاعات الصناعية الأمريكية وتضاعف الضغوط التضخمية. وتكتسب هذه المسألة أهمية بالغة بالنظر إلى أن الاقتصاد الأمريكي يخوض منذ فترة طويلة إحدى أطول معاركه لكبح التضخم، حيث انتهج البنك المركزي الأمريكي سياسة نقدية صارمة. وفي مثل هذه الظروف، فإن أي صدمة جديدة في سوق الطاقة قد تعرقل مسار انخفاض التضخم، وتجبر مجلس الاحتياطي الفيدرالي على الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول؛ وهو ما يعني زيادة تكلفة التمويل للشركات، وتراجع الاستثمار، وتباطؤ النمو الاقتصادي. إضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة، بوصفها إحدى أكبر الدول المستهلكة للبضائع في العالم، ستتضرر من ارتفاع تكاليف الشحن البحري؛ حيث تُستورد شريحة واسعة من السلع الصناعية والاستهلاكية الموجهة للأسواق الأمريكية عبر الخطوط البحرية القادمة من آسيا وأوروبا، وستنتقل الزيادة في أجور النقل تلقائياً إلى السعر النهائي للمنتجات. وعليه، فحتى لو لم تكن واشنطن معتمدة بشكل مباشر على النفط العابر لباب المندب، فإنها ستتأثر عبر قنوات اقتصادية أخرى كالتضخم، والتجارة، والأسواق المالية، وتكاليف الإنتاج.
من جهة أخرى، تقف أوروبا في صدارة المناطق الأكثر هشاشة أمام أي اضطراب في مسارات الطاقة والتجارة البحرية. فبعد تراجع اعتمادها على منابع الطاقة الروسية، أصبحت القارة العجوز أكثر رهنية لواردات الطاقة عبر الممرات البحرية، حيث ينقل الغاز الطبيعي المسال والنفط والعديد من السلع الوسيطة عبر هذه المسارات.
إن أي ارتفاع في تكاليف الشحن أو صعود في أسعار الطاقة سيفرض ضغوطاً مضاعفة على الصناعات الأوروبية التي تعاني أساساً من ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة بالنسبة لأوروبا ليس مجرد ملف اقتصادي مجرد، بل يمس مباشرة القوة الشرائية للأسر، حيث يتسبب في غلاء المواد الغذائية والمواصلات والخدمات، ليجدد ضغوط التضخم في المنطقة.
سلاسل الإمداد العالمية.. الضحية الخفية لأزمة باب المندب
تعتبر سلاسل الإمداد العالمية إحدى أكبر الضحايا غير المعلنة لإغلاق أو اضطراب الأمن في باب المندب. فالاقتصاد المعاصر يقوم على شبكة معقدة ومتشابكة من الإنتاج والتجارة؛ حيث تُصنّع أجزاء السلعة الواحدة في عدة دول قبل أن تعبر البحار لتصل إلى أسواق الاستهلاك. وإن تعطيل مسار حيوي كباب المندب يؤدي إلى إطالة زمن وصول البضائع، وتراجع سرعة الحركة التجارية، وزيادة تكاليف التخزين. وسيمتد هذا التأثير ليطال صناعات السيارات، والأجهزة الإلكترونية، والمعدات الصناعية، وحتى المنتجات الغذائية.
لقد أثبتت أزمة البحر الأحمر أن مجرد تحويل مسارات السفن بشكل جزئي كان كفيلاً برفع أجور شحن الحاويات. فإذا ما تحول هذا الوضع إلى انسداد كامل لشريان حيوي، فإن الآثار الاقتصادية ستكون أشد عمقاً واتساعاً، ولن تقتصر المشكلة حينها على نقص البضائع، بل ستتجلى في ارتفاع تكاليف الإنتاج الذي سيدفع بأسعار المنتجات نحو الارتفاع عبر العالم.
الخاسرون الأكبر في الميزان الاقتصادي
في حال تفاقم الأزمة وإغلاق باب المندب، ستتحمل العديد من الاقتصادات الكبرى أعباءً وتكاليف باهظة:
 الصين والهند: نظراً لاعتمادهما العالي على واردات الطاقة.
 أوروبا: بسبب ارتهانها الشديد للمسارات البحرية لتأمين احتياجاتها.
 الولايات المتحدة: لشدة تأثرها بالتضخم العالمي وتقلبات سوق الطاقة.
 مصر: جراء تراجع إيرادات قناة السويس من العملة الصعبة بسبب انخفاض حركة الملاحة.
 الدول المصدّرة للطاقة: رغم أنها قد تجني عوائد أسرع في المدى القريب بفعل ارتفاع أسعار النفط، إلا أنها ستتضرر في المدى البعيد جراء تراجع النمو الاقتصادي العالمي وانخفاض الطلب الإجمالي على الطاقة.
إن باب المندب اليوم ليس مجرد نقطة جغرافية على الخريطة، بل هو أحد الركائز التي يقوم عليها بنيان التجارة العالمية. وأي خلل في هذا الممر ينعكس أثره بشكل متزامن على الأضلاع الثلاثة للاقتصاد: الطاقة، والنقل، والتضخم. ومن هنا، فإن قلق القوى الإقتصادية الكبرى من احتمال إغلاق هذا المضيق لا ينبع من حسابات ظرفية قصيرة الأجل، بل يتصل بخشية حقيقية من صدمة اقتصادية شاملة كفيلة برفع تكاليف التجارة، وإشعال فتيل التضخم مجدداً، ووضع مسار النمو الإقتصادي العالمي أمام تحديات غير محسوبة.
البحث
الأرشيف التاريخي