من الصحافة الإيرانية
المأزق الصهيوني في لبنان..
واشنطن تبحث عن مخرج لحليفها المستنزَف
رأى الكاتب الإيراني «عبدالناصر سعيد» أن الطرح الأميركي الأخير الداعي إلى إسناد دور أمني لدمشق في الملف اللبناني لا يعبر عن مبادرة عابرة، بل يمثل مناورة استراتيجية تهدف واشنطن من خلالها إلى إعادة تعريف الوظيفة الإقليمية لسوريا الجديدة، وتوزيع أعباء الصراع في المشرق بما يخفف الوطأة عن الكيان الصهيوني دون تورط أميركي مباشر.
وأضاف الكاتب، في مقال له في صحيفة «اعتماد»، يوم الأربعاء 29 تموز/ يوليو، أن الإدارة الأميركية تنظر إلى لبنان كساحة للضبط والمناورة لا كدولة ذات سيادة، حيث تسعى لإنشاء الآليات الأمنية التي تضمن أمن الكيان الصهيوني وتضغط على حلفاء إيران، محاولة تحويل سوريا إلى أداة تنفيذية لحفظ الأمن تنجز المهام العسكرية والأمنية التي عجزت عنها الآلة الحربية الصهيونية ضد حزب الله.
وأوضح سعيد أن الإستراتيجية الأميركية تهدف في جوهرها إلى نقل عبء الاستنزاف العسكري والاقتصادي عن كاهل الكيان الصهيوني، عبر تحويل النزاع من مواجهة لبنانية - صهيونية إلى صراع سوري - لبناني، مما يتيح لتل أبيب التقاط الأنفاس وأداء دور المراقبة خلف الكواليس، وهو ما يتجاهل حقيقة أن تفريغ الساحة اللبنانية قد يقود إلى فوضى أشد تعقيدًا. ولفت الكاتب إلى أن هذا المخطط يمثل فخًا لتوريط القيادة السورية الجديدة في استنزاف خارجي يعطل مشروع بناء الدولة وتثبيت الاستقرار الداخلي، مشيرًا إلى أن الموقف السوري المتمسك بالدور السياسي والرافض للتدخل العسكري المباشر بالتنسيق مع أنقرة أجهض هذه المحاولة وحافظ على التوازنات الإقليمية.
ونوه الكاتب بأن المقاربة السورية المستندة إلى الحوار السياسي مع جميع القوى اللبنانية تتجاوز منطق الإملاءات والوصاية الخارجية، وتطرح نموذجًا متوازنًا لإدارة الأزمات يعتمد على الدبلوماسية ومنطق الدولة بدل الأدوار الأمنية المشبوهة.
واختتم الكاتب بالتأكيد على أن رفض دمشق التحول إلى أداة لخدمة المخططات الأميركية - الصهيونية يمثل وعيًا استراتيجيًا يمنع تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات، مشددًا على أن استقرار المنطقة مرهون بقدرة الفاعلين الإقليميين على فرض منطق سيادة الدولة وتجاوز المشاريع المصنوعة في الخارج.
كيف تحوّلت رهانات واشنطن
إلى أزمة هيمنة شاملة؟
رأى الكاتب الإيراني «علي رضا حقيقت» أن المحاولات الأميركية والصهيونية المتكررة لإعادة تشكيل المنطقة وإنهاء الملف الإيراني عبر الخيار العسكري سقطت أمام صمود طهران، موضحًا أن التقديرات العدائية التي راهنت على تفكيك الدولة أو تقويض قدراتها الدفاعية واجهت استراتيجية دفاعية متماسكة قلبت المعادلة الميدانية والسياسية لصالح إيران.
وأضاف الكاتب، في مقال له في صحيفة «وطن امروز»، يوم الأربعاء 29 تموز/ يوليو، أن المقاربة المبنية على الاعتداء والتي قادها التحالف الأميركي - الصهيوني عبر جولات متتابعة من التصعيد الجوي واستهداف المرافق الحيوية فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة، سواء بالوصول إلى المخزون النووي أو القضاء على البرنامج الصاروخي، بل أدت إلى تعزيز موقع إيران كقوة إقليمية حاسمة.
وأوضح حقيقت أن الإدارة الأميركية تجد نفسها اليوم محاصرة بين خيارات أحلاها مُر، بعد أن استنزفت العمليات العسكرية جانبًا كبيرًا من المخزون الاستراتيجي للصواريخ الاعتراضية لدى واشنطن، فضلاً عن ارتداد آثار الحرب على الأسواق المالية وعرقلة حركة الملاحة البحرية في المضائق الاستراتيجية.
ولفت الكاتب إلى أن الاعترافات المتزايدة في أوساط صناع القرار والخبراء في واشنطن تؤكد الفشل الذريع لسياسات الضغط القسري، حيث بات المسؤولون الأميركيون يبحثون عن مخارج لإنهاء النزاع وتفادي أزمات اقتصادية وسياسية متفاقمة قد تعصف بمستقبل الإدارة الحالية. ونوه بأن طهران أثبتت قدرتها على مواجهة أعتى القوى النووية والتقليدية دون التنازل عن سيادتها أو أوراق قوتها الإقليمية، مشيرًا إلى أن خطط «تغيير النظام» أو فرض الاستسلام العسكري أصبحت مجرد أوهام بعيدة المنال.
واختتم الكاتب بالتأكيد على أن خروج الإدارة الأميركية من هذا المأزق يتطلب الإذعان للواقع الجديد واعتماد حلول واضحة تلبي الشروط الإيرانية، مشددًا على أن الثبات الإيراني أجهض مشروع «الشرق الأوسط الجديد» القائم على الهيمنة الأميركية الصهيونية.
لماذا تستغل واشنطن مسار المبادرات السياسية؟
رأى المحلل في الشؤون الدولية «علي أصغر زرغر» أن الغموض والإبهام يحيطان بالسياسة الأميركية الجديدة وبتحركات الرئيس الأميركي تجاه المفاوضات، مؤكداً أن السلوك التاريخي لواشنطن لا يدعو للتبسيط، إذ تسعى للإيحاء بجدية مسار التفاوض وتبادل الرسائل عبر الوسطاء في محاولة للتغطية على إخفاقاتها العسكرية.
وأضاف الكاتب، في مقال له في صحيفة «آرمان ملي»، يوم الأربعاء 29 تموز/ يوليو، أن طرح واشنطن لخيارات الهدنة والتفاوض يعود إلى فشل هجماتها الأخيرة في تحقيق أهدافها، مشيراً إلى أن النقص الحاد في الذخائر والمعدات الدفاعية الأميركية أمام الصواريخ والمسيرات الإيرانية أجبر الإدارة الأميركية على إجراء حسابات الأرباح والخسائر للعودة إلى المسار الدبلوماسي.
وأوضح زرغر أن إيران لم تغادر طاولة المفاوضات قط، بينما تستغل واشنطن هذه الجولات كـ»استراحة تكتيكية» لإعادة التزود بالموارد، واستغلال النفط الرخيص لتغطية النقص، والتحضير لدورة جديدة من العدوان أو الضغوط السياسية.
ولفت الكاتب إلى أن المواجهة العسكرية الأخيرة أثبتت عدم قدرة واشنطن على فرض إرادتها أو إضعاف موقف طهران، مستدركاً أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز شبكة الردع الدفاعي لمواجهة أي اعتداءات قادمة من جانب واشنطن والكيان الصهيوني.
ونوه بأن الدبلوماسية النشطة يجب أن تحكم تحركات إيران لإحباط مساعي الحرب، بشرط وضع شروط مسبقة صارمة تتضمن الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة ورفع الحصار البحري قبل الدخول في أي تفاوض مباشر.
واختتم الكاتب بالتأكيد على أن فرض هذه الشروط الأساسية واختبار نيات الطرف الآخر هما الطريق الوحيد لمنع واشنطن من استخدام التهدئة التكتيكية كأداة للمناورة وتجديد العدوان.
