تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
حصار لاهاي..
واشنطن وتل أبيب في حرب مفتوحة لحماية الاحتلال من قبضة العدالة الدولية
وبينما يُفترض أن تكون المحكمة أداة قانونية لمحاسبة مرتكبي أخطر الجرائم، تبدو اليوم في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وكيان الاحتلال، اللذين يرفضان أن تمتد سلطة القانون الدولي إلى مسؤوليهما عندما يتعلق الأمر بجرائم الحرب والانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين.
وتكشف التطورات الأخيرة أن المعركة حول المحكمة ليست قانونية فقط، بل سياسية بامتياز؛ فواشنطن، التي تتحدث باستمرار عن سيادة القانون وحقوق الإنسان، تتحول إلى أشد خصوم المحكمة عندما تقترب التحقيقات من حلفائها. وفي المقابل، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام اختبار حقيقي لمصداقية العدالة الدولية: هل يستطيع القانون الدولي محاسبة الأقوياء، أم يبقى سلاحًا يُستخدم ضد خصوم الغرب فقط؟
ازدواجية المعايير ..حين تصل المساءلة إلى كيان الاحتلال
تكشف الولايات المتحدة، مرةً أخرى، أن حديثها عن القانون الدولي ليس سوى أداة سياسية تُستخدم ضد خصومها، بينما تُعلّق مبادئها عندما يتعلق الأمر بكيان الاحتلال. فعندما تلاحق المحاكم الدولية خصوم واشنطن، يصبح القانون مقدسًا، لكن عندما تقترب المساءلة من مسؤولين إسرائيليين متهمين بارتكاب جرائم خطيرة، تتحول العدالة فجأةً إلى «مؤامرة» وتصبح المحكمة الجنائية الدولية هدفًا للهجوم والتهديد.
هذه ليست ازدواجية معايير عابرة، بل سياسة أمريكية ممنهجة هدفها توفير الحماية السياسية لكيان الاحتلال ومنعه من مواجهة المساءلة الدولية. فبدل أن تطلب واشنطن من حليفتها احترام القانون والرد على الاتهامات أمام القضاء، تختار مهاجمة المحكمة والضغط عليها، وكأنّ المشكلة ليست في الجرائم المزعومة، بل في الجهة التي تحاول التحقيق فيها. وقد اعتاد كيان الاحتلال الإفلات من المحاسبة بفضل هذا الغطاء الأمريكي، حتى بات الدعم السياسي من واشنطن أشبه بدرع يحميه من عواقب أفعاله. لكن هذه الحماية لا تستطيع إلى الأبد إسكات الأسئلة حول الانتهاكات أو إلغاء حق الضحايا في العدالة.
إن الولايات المتحدة، عبر انحيازها الأعمى لكيان الاحتلال، لا تحمي حليفًا فقط؛ بل تقوّض مصداقية النظام الدولي نفسه، وتبعث برسالة خطيرة مفادها أن القانون يُطبّق على الضعفاء فقط، بينما يبقى الأقوياء وحلفاؤهم فوق المساءلة.
فلسطين.. عدالة يحاول كيان الاحتلال وواشنطن خنقها
بالنسبة إلى الفلسطينيين، لا تمثل المحكمة الجنائية الدولية مجرد مؤسسة قانونية، بل واحدة من المساحات النادرة التي يمكن أن يصل إليها صوت الضحايا في مواجهة منظومة سياسية طالما وفّرت لكيان الاحتلال الحماية من المحاسبة. وفي ظل الدعم الأمريكي السياسي والعسكري المتواصل، وجد كيان الاحتلال نفسه أمام احتمال طال انتظاره: أن يصبح قادته وسياساته العسكرية والأمنية عرضة للمساءلة أمام القضاء الدولي، وألا تبقى الحصانة السياسية جدارًا يحول دون العدالة.
ومن هنا يمكن فهم شراسة الهجوم الإسرائيلي والأمريكي على المحكمة. فبدل مواجهة الاتهامات أمام القضاء والرد عليها بالأدلة، اختارت واشنطن الضغط والتهديد والعقوبات، بينما تعامل كيان الاحتلال مع أي محاولة لمحاسبته باعتباره استهدافًا سياسيًا. لكن المشكلة الحقيقية ليست في المحكمة، بل في احتمال أن يصبح كيان الاحتلال مطالباً، للمرة الأولى، بالرد على أفعاله أمام مؤسسة لا يستطيع التحكم بها سياسيًا.
وفي هذا السياق، تكشف الولايات المتحدة عن ازدواجية صارخة؛ فهي تتحدث عن حقوق الإنسان والقانون الدولي عندما يخدم ذلك مصالحها، لكنها تتحول إلى مظلة سياسية لحماية كيان الاحتلال عندما تقترب العدالة من حليفها. وهكذا يصبح الدعم الأمريكي له ليس مجرد تحالف سياسي، بل أداة لحمايته من تبعات المساءلة الدولية.
واشنطن وتل أبيب.. تحالف لحماية الإفلات من العقاب
ما يجري في لاهاي يكشف أن التحالف بين واشنطن وتل أبيب يتجاوز الدعم السياسي والعسكري، ليصل إلى محاولة حماية كيان الاحتلال من أي مساءلة دولية حقيقية. فكلما اقتربت العدالة من المسؤولين الإسرائيليين، تحركت الولايات المتحدة لحماية حليفها عبر مهاجمة المحكمة والضغط عليها. وبدل أن تكون واشنطن طرفًا يدفع نحو التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، اختارت الوقوف في الجهة المقابلة، وكأن حماية كيان الاحتلال أصبحت أهم من حماية القانون الدولي نفسه. لكن هذه السياسة تكشف ضعف الحجة لا قوتها؛ فالدول الواثقة من براءة سياساتها لا تخشى القضاء، ولا تحتاج إلى الضغط على المحاكم لإسكاتها. أما تحويل العدالة إلى خصم، فيعكس خشية حقيقية من أن تصل المساءلة إلى من اعتادوا الإفلات منها. وبذلك، تتحول الولايات المتحدة من دولة تتحدث عن العدالة إلى قوة سياسية تستخدم نفوذها لحماية كيان الاحتلال من نتائج المساءلة.
الضغوط السياسية.. محاولة لخنق المحكمة وإسكات العدالة
تأتي الضغوط على المحكمة في لحظة حساسة، وسط انتقادات تتهمها بالانتقائية، وهي انتقادات يجب مناقشتها بجدية. لكن المفارقة أن الولايات المتحدة وكيان الاحتلال تستخدمان هذه الانتقادات لا لإصلاح المحكمة وتعزيز استقلالها، بل لإضعافها عندما تقترب من ملفات لا تريدان أن تصل إلى نهايتها.
فالضغط الأمريكي لا يهدد قرارات المحكمة فقط، بل يهدد قدرتها على العمل والاستمرار في التحقيقات، ويبعث برسالة تخويف لكل من يحاول ممارسة العدالة بعيدًا عن نفوذ القوى الكبرى. والهدف، في نهاية المطاف، قد لا يكون إلغاء المحكمة، بل تفريغها من قوتها حتى تصبح عاجزة عن محاسبة من يملكون الحماية السياسية والعسكرية.
معركة العدالة الدولية.. معركة فلسطين أيضًا
في المحصلة، فإن معركة المحكمة الجنائية الدولية ليست مجرد خلاف قانوني بين مؤسسة ودولتين؛ إنها مواجهة بين العدالة ومنطق القوة، وبين حق الضحايا في المحاسبة ومنظومة سياسية تريد أن تجعل كيان الاحتلال استثناءً دائمًا من قواعد القانون الدولي.
بالنسبة إلى فلسطين، لا تتعلق معركة المحكمة بالمحاكم وحدها، بل بحق شعب كامل في العدالة بعد عقود من الاحتلال والانتهاكات والإفلات من العقاب. وإذا نجح كيان الاحتلال وواشنطن في إضعاف المحكمة، فستكون الرسالة للعالم واضحة: القانون الدولي يمكن أن يلاحق الضعفاء، لكنه يتراجع أمام الأقوياء وحلفائهم.
لكن الفلسطينيين لن يتخلوا عن حقهم في العدالة. فدماء الضحايا ليست ورقة تفاوض، وحقوق الشعب الفلسطيني ليست منحة أمريكية، والعدالة لا تحتاج إلى إذن من واشنطن أو تل أبيب. وما يحاول كيان الاحتلال والولايات المتحدة تعطيله بالضغط السياسي لن يلغي حقيقة أن الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن حق الفلسطينيين في العدالة سيبقى حاضراً رغم كل محاولات الإفلات من العقاب.
