تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
جوهرة العتبة الرضوية المقدّسة ومهوى أفئدة الزائرين
«رواق دار الذكر»؛ أيقونة الفنّ الإسلامي والمثوى الأخير للقائد الشهيد
الإمام الشهيد في رحاب الإمام الرضا(ع)
في مكانٍ عند أسفل قدمي الإمام الرضا(ع) وبجوار الروضة المنوّرة، ذلك الموضع الذي كان قائد الأمّة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) يمرّ منه لسنواتٍ عديدة بخضوعٍ وخشوع، حتى يصل إلى مرقد الإمام الرؤوف ومحبوب القلوب الإمام الرضا(ع)، أصبح اليوم المثوى الأبدي لجثمانه الطاهر.
إنّ «رواق دار الذكر» في الحرم المطهر الرضوي هو موضع دفن الجثمان الطاهر لقائد الأمّة الشهيد وأفراد أسرته الشهداء؛ وهو رواق مفعم بالمعاني، لا يُعدّ لدى العارفين بسلوك الزيارة مجرّد مكان، بل هو علامة واضحة على الأدب والخضوع أمام مقام الإمام القدسي الرؤوف(ع).
يقع هذا الرواق في أسفل قدمي الإمام الرضا(ع)، وهو المسار نفسه الذي كان قائد الأمّة الشهيد ملتزماً بسلوكه خلال زياراته إلى العتبة الرضوية المقدّسة، وكان يقطعه بروحٍ مفعمة بالمعاني، وبسلوكٍ يتسم بمنتهى التواضع والخشوع.
وكان مسار تشرّف سماحته إلى الحرم الرضوي الشريف تجسيداً حيّاً لمعاني التواضع والخشوع؛ وهي رواية يكتسب معناها اليوم بُعداً مضاعفاً عند سماع اسمه.
كان سماحته يدخل عادةً من طريق دار الزهد، إلا أن ما جعل هذا التشرف نموذجاً خالداً للزيارة المؤدبة هو الوقوف الروحي عند أسفل قدمي الإمام الرضا(ع). فقد كانت الزيارة بالنسبة إليه لا تقتصر على الوصول إلى الضريح، بل كانت لها آدابٌ كان ملتزماً بها من أعماق روحه.
كان يستهلّ زيارته من أسفل الضريح المطهّر إلى الروضة المنوّرة، وكأنّه كان يريد أولاً أن يقف في مقام الأدب، ثم يخطو بقلبٍ مستأذن إلى حريم النور. وبعد ذلك، كان يعبر من خلال «رواق دار الذكر»، فيطلب إذن الدخول، ثم يدخل إلى «رواق دار السرور»؛ حيث كان يقف وقوفاً كاملاً، ويمكث برهةً نابعةً من الحضور والخشوع.
وفي تلك اللحظة نفسها، كان يتلو إذن الدخول الكامل؛ وهي لحظة لم تكن بالنسبة للمرافقين والخدّام مجرد سلوكٍ شعائري، بل كانت تُعدّ درساً واضحاً في العلاقة بين الإقتدار والعبودية.
إنّ قائد الأمّة الشهيد، قبل دخوله إلى الروضة المنوّرة، كان يحضر بنفسه في مقامٍ يُعدّ علامة ظاهرة على الأدب والتواضع والمعرفة في الزيارة، وقد شاء القدر أن يتحوّل المسار نفسه الذي كان يسلكه دائماً إلى مرقده الأبدي ومثواه الأخير.
ولعلّه منذ الآن، كلّما عبر زائر هذا المكان، تذكّر أكثر معنى التواضع عند عتبة الولاية؛ وأن الإنسان يمكنه، مهما بلغ من المكانة والمرتبة، أن يبدأ طريق الزيارة من أسفل قدمي الإمام الرؤوف، وأن يستقر في النهاية في المسار نفسه، تحت ظل رحمة الإمام الرضا(ع).
«رواق دار الذكر».. صفحة من تاريخ العمارة الرضوية
يقع «رواق دار الذكر» في جهة الجنوب الشرقي من الروضة المنورة، ويرتبط بأروقة دار السرور ودار الزهد ودار العزة، ويُعدّ أحد الأروقة التي أضيفت إلى الحرم الرضوي الشريف في العصر الحديث بعد إعادة تأهيل مدرسة علي نقي ميرزا وتحويلها إلى رواق ضمن التوسعات المعمارية للعتبة الرضوية.
ولا تقتصر أهمية «رواق دار الذكر» على كونه معبراً بين أروقة الحرم، بل إنه يمثل حلقةً في تطور العمارة الرضوية التي حافظت عبر القرون على هُويّتها الإسلامية، مع استيعاب متطلبات التوسعة الحديثة دون الإخلال بالطابع الفني والتراثي للمكان.
تحفة من فنون العمارة الإسلامية الإيرانية
يُعدّ «رواق دار الذكر»، الذي تبلغ مساحته نحو 216 متراً مربعاً، من أبرز النماذج التي تجسّد روعة العمارة الإسلامية الإيرانية، حيث تتكامل فيه العناصر المعمارية مع الزخارف والخط لتشكّل فضاءً يجمع بين الجمال الفني والروحانية. وتكتسي جدرانه بالبلاط المعشّق، أحد أرقى الفنون التقليدية في إيران، بألوان اللاجورد والأخضر والفيروزي والأصفر والبني، في زخارف هندسية ونباتية دقيقة تمنح المكان انسجاماً بصرياً ينسجم مع قدسيته. ويمتدّ هذا التزيين من أعلى الكسوة السفلية للجدران حتى السقف، بينما فُرشت الأرضية برخام أخضر طبيعي يضفي على الرواق سكينة ووقاراً.
كما تمّ تزيين الجدران بآيات قرآنية وأحاديث مروية عن الإمام الرضا(ع) بخطوط إسلامية أصيلة، مما يضفي على الرواق بُعداً معرفياً وروحياً إلى جانب قيمته الجمالية. ويتميز السقف بجمعه بين فنون الجص المقرنص والمرايا، وهي من أبرز سمات العمارة الإيرانية في فترة الصفوية والقاجارية، حيث تعكس قطع المرايا الضوء لتغمر الفضاء الداخلي بإشراق يرمز إلى النور الإلهي. ويتوسط السقف إطار دائري كُتبت فيه الصلوات الخاصة بالإمام الرضا(ع) بخط النسخ، ليشكّل محوراً بصرياً وروحياً يجذب أنظار الزائرين.
من مَعلم معماري إلى مقصد روحي
لطالما كان «رواق دار الذكر» أحد الممرات الرئيسة التي يعبر منها الزائرون في طريقهم إلى الروضة المنورة، فارتباطه بالمثوى الأخير لقائد الأمّة الشهيد أضفى عليه حضوراً وجدانياً جديداً، فبات عدد متزايد من الوافدين يحرصون على المرور به واستحضار ما يمثله من رمزية روحية، إلى جانب قيمته التاريخية والمعمارية.
وهكذا يظلّ «رواق دار الذكر» فضاءً تتلاقى فيه العمارة الإسلامية بالروحانية، ويجتمع فيه جمال الفن مع قدسية المكان. وبعد أن غدا المثوى الأخير لقائد الأمّة الشهيد، اكتسب الرواق بُعداً وجدانياً جديداً، ليبقى شاهداً على امتزاج الذاكرة الروحية بروائع العمارة الرضوية في رحاب الإمام الرضا(ع).
