الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • كلام الإمام
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف ومائة وثلاثة عشر - ٢٨ يوليو ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف ومائة وثلاثة عشر - ٢٨ يوليو ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

من دم القائد إلى عهد الأمّة.. قراءة في فلسفة الاستمرار

د. أكرم شمص


ليست كل الرسائل تُكتب بالحبر، فبعضها يُكتب بالتاريخ. وليست كل البيعات إعلان ولاء، فبعضها إعلان عن ولادة مرحلة جديدة. أمّا الرسالتان المتبادلتان بين حزب الله وقائد الثورة الإسلامية آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، فهما ليستا مجرد وثيقتين سياسيتين، بل نصّان يؤسسان لفلسفة كاملة في فهم القيادة، واستمرارية المشروع، وإدارة الصراع في زمن التحولات الكبرى.
فبعد أشهر قليلة على استشهاد الإمام السيد علي الخامنئي(قدّس الله نفسه الزكيّة)، كان العالم ينتظر أن يرى آثار الغياب، وأن يختبر قدرة هذا المحور على تجاوز أكبر ضربة تلقاها منذ انتصار الثورة الإسلامية. كان الرهان الغربي والصهيوني قائماً على أن اغتيال القائد سيُحدث فراغاً في مركز القرار، ويزرع التردد داخل مؤسسات محور المقاومة، ويحوّل مرحلة ما بعد الشهادة إلى زمن ارتباك وإعادة تموضع؛ لكن الرسالتين جاءتا لتقولا إن الرهان كان مبنياً على فهم خاطئ لطبيعة هذا المشروع. فالأنظمة السياسية التقليدية ترتكز على الأشخاص، فإذا غاب الشخص اهتزّ البناء. أمّا المشاريع العقائدية الكبرى فتقوم على المؤسسة، وعلى الفكرة، وعلى منظومة قيم تجعل القائد امتداداً للمشروع، لا المشروع امتداداً للقائد. وهنا يكمن الفرق بين مَن يبني سلطته على الكاريزما الفردية، ومَن يبنيها على العقيدة والتنظيم.
لهذا لم تبدأ رسالة حزب الله بالرثاء، بل بالبيعة.
ولم يكن ذلك تفصيلاً بروتوكولياً، بل إعلاناً بأن لحظة الشهادة لم تتحول إلى لحظة فراغ، وإنما إلى لحظة انتقال طبيعي للأمانة. فالعبارة التي تقول: «كما كنّا مع الوليّ الشهيد سنكون معكم» ليست مجرد وعد بالاستمرار، بل هي إعلان بأن خط الولاية لم ينقطع، وأن الدم لم يوقف المسيرة، بل أعاد إنتاجها في صورة جديدة.
من هنا، يمكن فهم البنية الفكرية للرسالة. فهي لا تقدم البيعة لشخص جديد، بل تعلن استمرار البيعة للمشروع نفسه. ولذلك ربطت بين الإمام الحسين(ع)، والإمام الخميني، والإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، والسيد مجتبى الخامنئي، والإمام المهدي(عج)، في سلسلة واحدة، وكأنها تقول إن القيادة ليست محطة منفصلة، وإنما حلقة في تاريخ متصل، تتغير فيه الوجوه بينما تبقى البوصلة ثابتة.
إنها فلسفة ترى أن الأشخاص أدوات لحمل الرسالة، بينما الرسالة هي التي تمنح الأشخاص معناهم التاريخي؛ لكن اللافت أكثر لم يكن في رسالة البيعة، بل في جواب القائد.
فالجواب لم يتعامل مع الرسالة باعتبارها مناسبة وجدانية، ولم يغرق في لغة المجاملات، بل انتقل مباشرة إلى تحديد معالم المرحلة المقبلة. حتى افتتاح الرسالة بالآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ لم يكن مجرد استشهاد قرآني، بل إعلان عن استمرار أولوية المواجهة، وأن انتقال القيادة لن يُفضي إلى مراجعة جوهرية في خيارات المشروع.
ثم جاءت الفقرة التي يمكن اعتبارها أخطر ما ورد في الرسالة سياسياً، عندما أكد أن الدفاع عن المجاهدين في لبنان، وصون السيادة اللبنانية، وإنهاء العدوان الصهيوني بصورة كاملة ومن دون أي قيد أو شرط، أصبح شرطاً أول في مذكرة تفاهم إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة.
هذه العبارة، بكل ما تحمله من دلالات، تنقل لبنان من موقع الساحة إلى موقع القضية الاستراتيجية. ففي أدبيات العلاقات الدولية، تصبح القضية استراتيجية عندما تتحول إلى شرط في أي تفاهم دولي.
وهذا يعني أن أمن لبنان، وفق هذه الرؤية، لم يعد ملفاً يمكن فصله عن الأمن القومي الإيراني، بل أصبح جزءاً من معادلة التفاوض الكبرى، بحيث لا يمكن، من وجهة نظر هذا الخطاب، الفصل بين وقف الحرب على إيران ووقف العدوان على لبنان.
وهنا يتجلى تحول مهم في فلسفة الصراع.
فالمقاومة لم تعد تُقدَّم كأداة دفاع عن حدود دولة، بل كجزء من هندسة إقليمية متكاملة، يرى أصحابها أن الجبهات لم تعد مستقلة، وأن المعركة واحدة وإن تعددت ساحاتها. كما أن جواب القائد حمل بُعداً إنسانياً وسياسياً في آنٍ معاً عندما نسب جانباً كبيراً من الإنجاز إلى الشعب اللبناني، ولا سيما أبناء الجنوب. ففي العادة تُنسب الانتصارات إلى الجيوش والقادة.
أمّا هنا، فإن المجتمع نفسه يتحول إلى عنصر من عناصر القوة، ويصبح الصمود الشعبي جزءاً من معادلة الردع، لا مجرد بيئة حاضنة للمقاومة.
ولعل أكثر ما يلفت النظر هو أن الرسالتين معاً تعيدان تعريف مفهوم القيادة. فالقيادة، في الفكر السياسي الكلاسيكي، تعني الشخص الذي يصنع القرار. أمّا هنا، فإن القيادة تتحول إلى مرجعية تنتج القرار داخل مؤسسة تمتلك القدرة على إعادة إنتاج نفسها كلما تعرضت لمحاولة استهداف.
ولهذا لم يظهر في الرسالتين أي حديث عن مرحلة انتقالية، أو عن ترتيبات استثنائية، أو عن إعادة بناء القيادة، بل بدا الأمر وكأن المشروع كان مستعداً مسبقاً لهذا الاحتمال، وأن المؤسسة كانت تملك من العمق ما يجعل انتقال المسؤولية يبدو استمراراً لا انقطاعاً.
وهذه ربما كانت الرسالة الأهم إلى واشنطن وتل أبيب.
لقد ظنّتا أن اغتيال القائد سيؤدي إلى إرباك المشروع؛ لكن الرسالتين جاءتا لتقولا إن المشروع لم يكن قائماً على حياة رجل، بل على مدرسة كاملة. وأن الشهادة، في هذا الفكر، لا تُحدث فراغاً، بل تفتح باباً جديداً لاستمرار الحركة.
إنّ أخطر ما في الرسالتين ليس ما قيل فيهما، بل ما لم يُقل. فلا حديث عن الخوف، ولا عن مراجعة الخيارات، ولا عن البحث في تسويات جديدة، ولا عن إعادة تعريف الأولويات. كل شيء يوحي بأن المشروع يرى نفسه وقد عبر مرحلة الاختبار الأصعب، وأنه انتقل من الدفاع عن شرعيته إلى تأكيد استمراريته.
وهكذا، لم تكن البيعة مجرد إعلان ولاء، ولم يكن الجواب مجرد رسالة شكر، بل كانا معاً إعلاناً عن انتصار المؤسسة على منطق الاغتيال، وانتصار الفكرة على منطق تصفية القادة، وانتصار التاريخ على وهم أن قتل الرجال قادر على قتل المشاريع.
لقد أثبتت الرسالتان أن الشهادة، في هذا النموذج، لا تُغلق كتاب القيادة، بل تفتح فصلاً جديداً منه. وأن المشروع الذي ينجح في تحويل الدم إلى شرعية، والغياب إلى حضور، والبيعة إلى برنامج عمل، هو مشروع يراهن على الزمن الطويل، لا على ردود الفعل الآنية.
وهنا تكمن الرسالة الحقيقية: حين تُبنى الأمم على المبادئ، يصبح القائد صانعاً للتاريخ؛ لكن المؤسسة هي التي تجعل التاريخ يستمر بعده.

البحث
الأرشيف التاريخي