حين تتحدّث الجماهير؛ دلالات التشييع المليوني ورسائل ما بعد الشهادة
رسول حسين أبو السبح
كاتب وباحث
/ لم تكن الملايين التي تدفّقت إلى الشوارع العراقية لاستقبال الجثمان الطاهر للقائد الشهيد سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض)، مجرد حشود جاءت لتودّع رجلاً رحل عن الدنيا، بل كانت حدثاً سياسياً وثقافياً واستراتيجياً بامتياز، حمل رسائل تتجاوز حدود العراق وإيران معاً، وتجاوز في دلالاته معنى التشييع التقليدي إلى ما يشبه الاستفتاء الشعبي على مشروع كامل، وعلى هُوية سياسية وفكرية صنعت حضورها في وجدان الجماهير على مدى عقود.
ففي عالم السياسة، لا تُقاس قوة المشاريع فقط بعدد مقاعدها أو بما تمتلكه من أدوات الدولة والإعلام والسلاح، بل بقدرتها على البقاء حيّة في ضمير الناس، وعندما تخرج الملايين طوعاً في لحظة خطر وحزن وتحدٍّ، فإنها لا تُشيع جسداً فحسب، بل تعلن تمسكها بفكرة، وتجدد انتماءها لمسار، وتبعث برسالة إلى الأصدقاء والخصوم على حدٍّ سواء بأن ما يُراد إنهاؤه بالاغتيال مازال حاضراً في الوعي الشعبي أكثر من أي وقت مضى.
لقد حاول كثيرون خلال السنوات الماضية تصوير العلاقة بين العراق والجمهورية الإسلامية الإيرانية على أنها علاقة نخب سياسية أو تنظيمات محددة؛ لكن مشهد التشييع المليوني جاء ليقدم صورة مختلفة تماماً، فالجماهير التي خرجت من المدن والقرى والأحياء والأسواق لم تكن تستجيب لقرار حزبي أو توجيه تنظيمي بقدر ما كانت تعبّر عن قناعة راسخة تشكلت عبر سنوات طويلة من المواجهات والتحديات والتضحيات المشتركة.
لهذا، فإن أولى رسائل التشييع كانت إسقاط فرضية العزلة الشعبية التي طالما روّج لها خصوم هذا المشروع، فالملايين لا يمكن اختزالها في إطار التعبئة المؤقتة، ولا يمكن جمعها عبر الدعاية وحدها، خصوصاً في زمن الإنقسام الإعلامي والحروب النفسية وتعدد مصادر التأثير، إن حضورها بهذا الحجم يعني أن هناك رصيداً شعبياً حقيقياً مازال يرى في هذا الخط السياسي والعقائدي تعبيراً عن هويته وقيمه وتطلعاته.
أمّا الرسالة الثانية، فكانت رسالة وفاء نادرة في زمن التحولات السريعة، فالأمم التي تنسى شهداءها تفقد جزءاً من ذاكرتها. أمّا الأمم التي تحفظ رموزها، فإنها تعلن تمسكها بروايتها التاريخية الخاصة، ولهذا لم يكن التشييع مجرد مراسم عزاء، بل بدا وكأنه عملية استحضار جماعية لمسار طويل من التضحيات، وتأكيد على أن الدماء التي سالت في ساحات المواجهة لم تتحول إلى مجرد صفحات في كتب التاريخ.
غير أن الدلالة الأهم ربما تكمن في أن هذه الحشود جسّدت شكلاً معاصراً من أشكال البيعة وتجديد العهد، فالبيعة في معناها السياسي العميق ليست مصافحة يد أو ترديد شعار، بل إعلان إلتزام جماعي بالمبادئ التي عاش من أجلها القائد واستشهد دفاعاً عنها، وحين تهتف الجماهير باسمه بعد رحيله، فإنها في الحقيقة تعلن أن المشروع لم يمت بموته، وأن الفكرة مازالت قادرة على إنتاج أجيال جديدة تحمل الراية نفسها.
من هنا، يمكن فهم القلق الذي يرافق الخصوم كلما شهدوا مثل هذه المشاهد، فهم يدركون أن اغتيال القيادات يهدف عادة إلى إضعاف الروح المعنوية وتفكيك الحواضن الشعبية وإيصال رسالة مفادها أن زمن هذا المشروع قد انتهى؛ لكن ما حدث كان معاكساً تماماً، إذ تحولت محاولة إنهاء الرمز إلى مناسبة أظهرت حجم حضوره، وتحول التشييع إلى برهان على أن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بمنصب أو سلطة، بل بالمكانة التي يحتلها صاحبه في وجدان الجماهير.
كما حملت الحشود العراقية رسالة واضحة إلى القوى الإمبريالية التي مازالت تتعامل مع شعوب المنطقة باعتبارها مجرد ساحات نفوذ ومناطق مصالح، فهذه الجماهير كانت تقول بلغتها الخاصة إن المنطقة ليست فراغاً سياسياً يمكن تشكيله وفق الإرادات الخارجية، وإن هناك شعوباً تمتلك ذاكرتها وهويتها وقناعاتها، وقادرة على الدفاع عنها مهما بلغت الضغوط والعقوبات والحروب.
لقد أرادت هذه الملايين أن تقول إن معركة المنطقة ليست مجرد صراع على الجغرافيا أو الموارد أو النفوذ، بل هي صراع على الهُوية والقرار والسيادة، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتحول مراسم التشييع إلى مشهد تتداخل فيه الرايات والشعارات والرموز الدينية والوطنية، وكأن الجماهير أرادت أن تؤكد أن الدفاع عن الكرامة الوطنية لا ينفصل عن الدفاع عن القيم والمعتقدات والانتماء الحضاري.
من زاوية أخرى، كشف التشييع عن حقيقة كثيراً ما تغيب عن حسابات مراكز القرار الدولية، وهي أن الشرعية الشعبية لا تُختبر فقط في صناديق الاقتراع، بل تُختبر أيضاً في اللحظات المصيرية التي يخرج فيها الناس دون إكراه أو منفعة مباشرة ليعلنوا موقفهم من قضية أو رمز أو مشروع، وفي مثل هذه اللحظات تصبح الجماهير نفسها لغة سياسية لا تحتاج إلى مترجم.
لقد كان التشييع المليوني في العراق أكثر من حدث جنائزي، وأكثر من مناسبة عاطفية، وأكثر من تعبير عن الحزن على قائد شهيد، لقد كان إعلان حضور لمشروع ظنّ خصومه أنه يتراجع، وتجديداً للعهد مع مسار أراد كثيرون عزله، ورسالة سياسية صاخبة قالت إن الشعوب التي تؤمن بقضيتها لا تُهزم باغتيال قادتها، بل كثيراً ما تتحول دماء قادتها إلى وقود جديد لاستمرارها.
لهذا، سيبقى هذا المشهد واحداً من الأحداث التي يصعب قراءتها بمنطق الأرقام وحدها، فالملايين التي خرجت لم تكن تعدّ نفسها، بل كانت تعرّف نفسها، لم تكن تودّع الماضي، بل كانت ترسم ملامح المستقبل، وفي ذلك تكمن الرسالة الأعمق التي حملها التشييع، أن الأفكار الكبرى قد تفقد أصحابها؛ لكنها لا تفقد جمهورها، وأن الشعوب حين تتمسك برموزها تتحول هي نفسها إلى امتداد حيّ لتلك الرموز، وإلى قوة لا تستطيع الاغتيالات ولا الضغوط ولا مشاريع الهيمنة أن تنتزعها من تاريخها أو من قناعاتها.
