من غزة إلى أمريكا اللاتينية

«اتفاقيات إسحاق».. مشروع صهيوني يصطدم بتجذر فلسطين في وجدان الشعوب

/ في ظل تصاعد العزلة السياسية والقانونية التي يواجهها كيان الاحتلال نتيجة حربه على قطاع غزة، وما رافقها من اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، برزت مبادرة «اتفاقيات إسحاق» كمحاولة لإعادة ترميم النفوذ الصهيوني خارج غرب آسيا عبر التوسع في أمريكا اللاتينية. ولا تبدو هذه المبادرة مجرد مشروع للتعاون الاقتصادي أو الدبلوماسي، بقدر ما تُمثل مسعى سياسيًا لتخفيف الضغوط الدولية، وإيجاد حلفاء جدد في مواجهة تنامي التأييد العالمي للحقوق الفلسطينية. غير أنّ هذا المشروع يصطدم بإرث تاريخي راسخ من التضامن مع فلسطين داخل دول وشعوب أمريكا اللاتينية، التي تنظر إلى القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني وعدالة إنسانية، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول قدرة هذه الاتفاقيات على تحقيق أهدافها السياسية.
اتفاقيات إسحاق.. محاولة للالتفاف على العزلة الدولية
جاءت «اتفاقيات إسحاق» في وقت يواجه فيه كيان الاحتلال تراجعًا غير مسبوق في مكانته الدولية، بفعل تصاعد الانتقادات لسياسته في الأراضي الفلسطينية، والحرب على غزة التي عمّقت عزلته السياسية والأخلاقية في نظر قطاعات واسعة من المجتمع الدولي. ومن هذا المنطلق، تُمثل المبادرة محاولة لإعادة بناء شبكة من الحلفاء في أمريكا اللاتينية، مستفيدةً من صعود بعض الحكومات اليمينية والدعم الأمريكي. إلا أنّ هذا المسعى يصطدم بحقيقة أنّ القضية الفلسطينية متجذرة في وجدان كثير من شعوب القارة، التي تنظر إلى نضال الفلسطينيين باعتباره قضية تحرر وطني، مما يجعل تحويل التحالفات الحكومية إلى قبول شعبي مهمة بالغة الصعوبة.
أمريكا اللاتينية بين مواقف الحكومات وثبات الشعوب في دعم فلسطين
على الرغم من الحماس الذي أبدته الحكومة الأرجنتينية بقيادة خافيير ميلي تجاه «اتفاقيات إسحاق»، فإنّ المشهد في أمريكا اللاتينية يكشف واقعًا أكثر تعقيدًا. فقد اتخذت دول مثل كولومبيا وبوليفيا مواقف حازمة في إدانة الحرب على غزة، ووصف الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو ما يجري بأنه «إبادة جماعية»، بينما قطعت بوليفيا علاقاتها الدبلوماسية مع كيان الاحتلال احتجاجًا على العمليات العسكرية. كما واصلت البرازيل انتقادها للسياسات الصهيونية، في حين حافظت تشيلي، التي تضم أكبر جالية فلسطينية خارج العالم العربي، على موقف داعم للحقوق الفلسطينية ومنتقد لاستمرار الاحتلال والاستيطان.
غير أنّ العامل الأكثر تأثيرًا لا يتمثل في مواقف الحكومات وحدها، بل في الوعي الشعبي الراسخ داخل القارة. فقد شهدت مدن أمريكا اللاتينية منذ اندلاع الحرب على غزة مظاهرات حاشدة رفعت الأعلام الفلسطينية وطالبت بوقف الحرب وإنهاء الاحتلال، وشاركت فيها النقابات والجامعات ومنظمات المجتمع المدني والكنائس، في تعبير واضح عن أنّ فلسطين ما تزال تُمثل قضية عدالة وحرية في الوجدان اللاتيني. ويعود هذا الموقف إلى التاريخ المشترك لشعوب القارة في مقاومة الاستعمار والأنظمة القمعية، إضافة إلى الدور البارز للجاليات الفلسطينية في ترسيخ الرواية الفلسطينية داخل المجتمعات اللاتينية.
لذلك، تبدو محاولات كيان الاحتلال توسيع نفوذه عبر «اتفاقيات إسحاق» محكومة بواقع سياسي وشعبي يجعل من الصعب تحويل التحالفات الرسمية إلى قبول مجتمعي، لأنّ القضية الفلسطينية ما تزال تُنظر إليها بوصفها قضية شعب يناضل من أجل الحرية والكرامة وتقرير المصير.
لماذا تبدو فرص نجاح اتفاقيات إسحاق محدودة؟
رغم الجهود السياسية والدبلوماسية التي يبذلها كيان الاحتلال لتسويق «اتفاقيات إسحاق» باعتبارها مشروعًا للتعاون والشراكة، فإنّ فرص تحولها إلى تحالف إقليمي واسع تبدو محدودة في ضوء جملة من العوامل السياسية والتاريخية والشعبية. فالمشكلة الأساسية التي تواجه كيان الاحتلال لا تكمن في نقص الحلفاء، وإنما في استمرار الاحتلال وسياسات الاستيطان والحروب التي جعلت صورتها الدولية تتعرض لانتقادات متزايدة، وأدت إلى تصاعد المطالب بمساءلتها أمام القانون الدولي. وفي ظل هذا الواقع، تبدو أي محاولة لبناء تحالفات جديدة أقرب إلى معالجة النتائج بدلًا من معالجة جذور الأزمة.
إضافةً إلى ذلك، تتميز أمريكا اللاتينية بتقلبات سياسية مستمرة، حيث تتغير الحكومات وتختلف توجهاتها الخارجية بصورة متكررة. ولذلك فإنّ الاتفاقيات التي تقوم على تحالفات مع حكومات بعينها لا تضمن استقرارًا طويل الأمد، إذ قد تعيد حكومات مستقبلية تقييم هذه العلاقات إذا رأت أنها لا تنسجم مع مصالحها الوطنية أو مع مواقف شعوبها الداعمة للحقوق الفلسطينية.
كما تواجه المبادرة تحديًا يتمثل في اتساع الفجوة بين مواقف بعض الحكومات والمزاج الشعبي في القارة. فمنذ اندلاع الحرب على غزة، خرجت مظاهرات حاشدة في العديد من العواصم والمدن اللاتينية، ورفعت الأعلام الفلسطينية، وطالبت بوقف الحرب وإنهاء الاحتلال واحترام القانون الدولي. كما تبنت جامعات ونقابات ومنظمات مجتمع مدني حملات تضامن واسعة مع الفلسطينيين، الأمر الذي يعكس أنّ القضية الفلسطينية ما زالت حاضرة بقوة في الوعي الجمعي لشعوب المنطقة، وأن أي محاولة لإعادة صياغة صورة كيان الاحتلال تواجه تحديًا حقيقيًا يتمثل في الرأي العام.
وفوق ذلك، فإنّ استمرار الانتقادات الدولية للسياسات الصهيونية، وتزايد الدعوات إلى إنهاء الاحتلال وحماية المدنيين، يجعل الانضمام إلى تحالفات جديدة مع كيان الاحتلال قرارًا سياسيًا أكثر حساسية بالنسبة لكثير من الحكومات، خشية أن يُنظر إليه على أنه تجاهل للانتهاكات الإنسانية أو ابتعاد عن المبادئ التي تؤكد احترام القانون الدولي وحقوق الشعوب.
وعليه، فإنّ مستقبل «اتفاقيات إسحاق» لن يتحدد بعدد الدول التي تنضم إليها، بل بقدرة كيان الاحتلال على معالجة الأسباب الجوهرية التي أدت إلى تراجع مكانتها الدولية. وما دام الاحتلال والصراع مستمرين، وما دامت القضية الفلسطينية تحظى بحضور راسخ في ضمير قطاعات واسعة من شعوب أمريكا اللاتينية، فإنّ الاتفاقيات ستظل تواجه عقبات سياسية وشعبية تحد من قدرتها على تحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها.
ختامًا، تكشف «اتفاقيات إسحاق» عن محاولة صهيونية لإعادة ترميم نفوذها السياسي والدبلوماسي في ظل التراجع المتزايد الذي تواجهه على الساحة الدولية، إلا أنّ هذه المساعي تصطدم بحقيقة راسخة مفادها أنّ القضية الفلسطينية لم تعُد مجرد ملف سياسي، بل أصبحت رمزًا عالميًا للنضال من أجل الحرية والعدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وفي أمريكا اللاتينية على وجه الخصوص، لا تزال فلسطين تحظى بحضور عميق في وجدان الشعوب وفي مواقف عدد من الحكومات التي ترى أنّ إنهاء الاحتلال واحترام القانون الدولي يُمثلان المدخل الحقيقي لتحقيق السلام.
ومن هذا المنطلق، فإنّ مستقبل «اتفاقيات إسحاق» لن يتوقف على عدد الدول المنضمة إليها، بل على قدرتها على تجاوز الرفض الشعبي المتزايد للسياسات الصهيونية، وهو أمر يبدو بالغ الصعوبة في ظل استمرار الاحتلال وتنامي التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني.
فالتاريخ أثبت أنّ التحالفات السياسية لا تستطيع طمس حقيقة الصراع أو إضعاف عدالة القضية الفلسطينية، التي ستبقى حاضرة في الضمير الإنساني حتى ينال الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على أرضه.
البحث
الأرشيف التاريخي